جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿وَقَوْلِهِمْ إِنّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلََكِن شُبّهَ لَهُمْ وَإِنّ الّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكّ مّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاّ اتّبَاعَ الظّنّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً﴾. .
يعني بذلك جلّ ثناؤه : وبِقَوْلِهمْ أنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ. ثم كذّبهم الله في قِيلهم، فقال : وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبّهَ لَهُمْ يعني : وما قتلوا عيسى وما صلبوه، ولكن شبّه لهم.
واختلف أهل التأويل في صفة التشبيه الذي شُبّه لليهود في أمر عيسى، فقال بعضهم : لما أحاطت اليهود به وبأصحابه، أحاطوا بهم، وهم لا يثبتون معرفة عيسى بعينه، وذلك أنهم جميعا حُوّلوا في صورة عيسى، فأشكل على الذين كانوا يريدون قتل عيسى، عيسى من غيره منهم، وخرج إليهم بعض من كان في البيت مع عيسى، فقتلوه وهم يحسبونه عيسى. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يعقوب القميّ، عن هارون بن عنترة، عن وهب بن منبه، قال : أتى عيسى ومعه سبعة عشر من الحواريين في بيت، وأحاطوا بهم، فلما دخلوا عليهم صوّرهم الله كلهم على صورة عيسى، فقالوا لهم : سحرتمونا لتبرزنّ لنا عيسى أو لنقتلَنّكم جميعا فقال عيسى لأصحابه : من يشتري نفسه منكم اليوم بالجنة ؟ فقال رجل منهم : أنا. فخرج إليهم فقال : أنا عيسى وقد صوّره الله على صورة عيسى، فأخذوه فقتلوه وصلبوه. فمن ثمّ شُبّه لهم وظنوا أنهم قد قتلوا عيسى، وظنت النصارى مثل ذلك أنه عيسى، ورفع الله عيسى من يومه ذلك.
وقد رُوي عن وهب بن منبه غير هذا القول، وهو ما :
حدثني به المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال : ثني عبد الصمد بن مَعْقِل، أنه سمع وهبا يقول : إن عيسى ابن مريم لما أعلمه الله أنه خارج من الدنيا جزع من الموت وشقّ عليه، فدعا الحواريين وصنع لهم طعاما، فقال : احضُروني الليلة، فإن لي إليكم حاجة فلما اجتمعوا إليه من الليل عَشّاهم، وقام يخدمهم، فلما فرغوا من الطعام أخذ يغسل أيديهم ويوضّئُهُمْ بيده ويمسح أيديهم بثيابه، فتعاظموا ذلك وتكارهوه، فقال : ألا من ردّ عليّ شيئا الليلة مما أصنع فليس مني ولا أنا منه فأقرّوه، حتى إذا فرغ من ذلك، قال : أما ما صنعت بكم الليلة مما خدمتكم على الطعام وغسلت أيديكم بيدي، فليكن لكم بي أسوة، فإنكم ترون أني خيركم، فلا يتعظّم بعضكم على بعض، وليبذل بعضكم لبعض نفسه كما بذلت نفسي لكم. وأما حاجتي التي استعنتكم عليها، فتدعون لي الله وتجتهدون في الدعاء أن يؤخر أجلي فلما نصبوا أنفسهم للدعاء، وأرادوا أن يجتهدوا، أخذهم النوم حتى لم يستطيعوا دعاء، فجعل يوقظهم ويقول : سبحان الله أما تصبرون لي ليلة واحدة تعينوني فيها ؟ قالوا : والله ما ندري ما لنا، لقد كنا نسمُر فنكثر السمر، وما نطيق الليلة سمرا وما نريد دعاء إلا حِيل بيننا وبينه فقال : يُذْهَب بالراعي وتتفرّق الغنم. وجعل يأتي بكلام نحو هذا ينعَي به نفسه، ثم قال : الحقّ ليكفرنّ بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرّات، ولَيبيعّني أحدكم بدراهم يسيرة، وليأكلنّ ثمني فخرجوا وتفرّقوا. وكانت اليهود تطلبه، فأخذوا شمعون أحد الحواريين، فقالوا : هذا من أصحابه، فجحد، وقال : ما أنا بصاحبه، فتركوه. ثم أخذه آخرون، فجحد كذلك، ثم سمع صوت ديك، فبكى وأحزنه. فلما أصبح أتى أحد الحواريين إلى اليهود، فقال : ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح ؟ فجعلوا له ثلاثين درهما، فأخذها ودلّهم عليه، وكان شُبّه عليهم قبل ذلك، فأخذوه فاستوثقوا منه وربطوه بالحبل، فجعلوا يقودونه ويقولون له : أنت كنت تحيي الموتى وتنتهر الشيطان وتبرئ المجنون ؟ أفلا تنجى نفسك من هذا الحبل ؟ ويبصقون عليه، ويلقون عليه الشوك، حتى أتوا به الخشبة التي أرادوا أن يصلبوه عليها، فرفعه الله إليه، وصلبوا ما شُبّه لهم، فمكث سبعا. ثم إن أمه والمرأة التي كان يداويها عيسى فأبرأها الله من الجنون جاءتا تبكيان حيث كان المصلوب، فجاءهما عيسى، فقال : علام تبكيان ؟ قالتا عليك، فقال : إني قد رفعني الله إليه، ولم يصبني إلا خير، وإن هذا شيء شُبّه لهم، فأْمُرا الحواريين أن يَلْقَوني إلى مكان كذا وكذا فلقوه إلى ذلك المكان أحد عشر، وفُقِد الذي كان باعه ودلّ عليه اليهود، فسأل عنه أصحابه، فقالوا : إنه ندم على ما صنع، فاختنق وقتل نفسه. فقال : لو تاب لتاب الله عليه ثم سألهم عن غلام يتبعهم يقال له : يُحَنّا، فقال : هو معكم فانطلقوا فإنه سيصبح كل إنسان منكم يحدّث بلغة قوم، فلينذرهم وليدعهم.
وقال آخرون : بل سأل عيسى من كان معه في البيت أن يُلْقَى على بعضهم شبهه، فانتدب لذلك رجل، فأُلقي عليه شبه، فَقُتل ذلك الرجل ورُفع عيسى ابن مريم عليه السلام. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ. . . إلى قوله : وكانَ اللّهُ عَزِيزا حَكِيما أولئك أعداء الله اليهود اشتهروا بقتل عيسى بن مريم رسول الله، وزعموا أنهم قتلوه وصلبوه. وذُكر لنا أن نبيّ الله عيسى ابن مريم قال لأصحابه : أيكم يُقذف عليه شبهي فإنه مقتول ؟ فقال رجل من أصحابه : أنا يا نبيّ الله. فقُتل ذلك الرجل، ومنع الله نبيه ورفعه إليه.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله : وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبّهَ لَهُمْ قال : أُلِقي شبهه على رجل من الحواريين فقُتل، وكان عيسى ابن مريم عَرَض ذلك عليهم، فقال : أيكم ألِقي شبهِي عليه وله الجنة ؟ فقال رجل : عليّ.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : أن بني إسرائيل حَصَروا عيسى وتسعة عشر رجلاً من الحواريين في بيت، فقال عيسى لأصحابه : من يأخذ صورتي فيُقتل وله الجنة ؟ فأخذها رجل منهم. وصُعِد بعيسى إلى السماء، فلما خرج الحواريون أبصروهم تسعة عشر، فأخبروهم أن عيسى عليه السلام قد صُعد به إلى السماء، فجعلوا يعدّون القوم فيجدونهم ينقصون رجلاً من العِدّة، ويرون صورة عيسى فيهم، فشكّوا فيه. وعلى ذلك قتلوا الرجل وهم يرون أنه عيسى وصلبوه، فذلك قول الله تبارك وتعالى : وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبّهَ لَهُمْ. . . إلى قوله : وكانَ اللّهُ عَزِيزا حَكِيما.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن القاسم بن أبي بزّة : أن عيسى ابن مريم قال : أيكم يُلقي عليه شبهِي فيُقتل مكاني ؟ فقال رجل من أصحابه : أنا يا رسول الله. فأُلقي عليه شبهه، فقتلوه، فذلك قوله : وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبّهَ لَهُمْ.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : كان اسم ملك بني إسرائيل الذي بعث إلى عيسى ليقتله، رجلاً منهم يقال له : داود، فلما أجمعوا لذلك منه لم يَفْظَع عبدٌ من عباد الله بالموت فيما ذكر لي فَظَعُه، ولم يجزع منه جزعه، ولم يدع الله في صرفه عنه دعاءه حتى إنه ليقول فيما يزعمون : اللهمّ إن كنت صارفا هذه الكأس عن أحد من خلقك، فاصرفها عني وحتى إن جلده من كرب ذلك ليتفصد دَما. فدخل المدخل الذي أجمعوا أن يدخل عليه فيه ليقتلوه هو وأصحابه، وهم ثلاثة عشر بعيسى، فلما أيقن أنهم داخلون عليه، قال لأصحابه من الحواريين وكانوا اثني عشر رجلاً : بُطْرُس، ويَعْقُوب بن زَبْدِي، ويُحَنّس أخو يعقوب، وَأنْدَرَاوُس، وفِيلِبّس، وأَبْرَثَلْمَا، وَمّتى، وتُوماس، ويعقوب بن حَلْقيا، وتُدّاوس، وفتاتيا، ويُودُسُ زَكَرِيا يُوطا. قال ابن حميد : قال سلمة : قال ابن إسحاق : وكان فيهم فيما ذكر لي رجل اسمه سرجس، فكانوا ثلاثة عشر رجلاً سوى عيسى جحدته النصارى، وذلك أنه هو الذي شبه لليهود مكان عيسى. قال : فلا أدري ما هو من هؤلاء الاثني عشر، أم كان ثالث عشر، فجحدوه حين أقرّوا لليهود بصلب عيسى وكفروا بما جاء به محمد ﷺ من الخبر عنه. فإن كانوا ثلاثة عشر فإنهم دخلوا المدخل حين دخلوا وهم بعيسى أربعة عشر، وإن كان اثني عشر فإنهم دخلوا المدخل حين دخلوا وهم بعيسى ثلاثة عشر. حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : ثني رجل كان نصرانيا فأسلم أن عيسى حين جاءه من الله إني رَافِعُكَ إليّ قال : يا معشر الحواريين : أيكم يحبّ أن يكون رفيقي في الجنة حتي يشبه للقوم في صورتي فيقتلوه مكاني ؟ فقال سرجس : أنا يا روح الله قال : فاجلس في مجلسي. فجلس فيه، ورُفع عيسى صلوات الله عليه، فدخلوا عليه فأخذوه، فصلبوه، فكان هو الذي صلبوه وشُبّه لهم به. وكانت عدتهم حين دخلوا مع عيسى معلومة، قد رأوهم فأحصوا عدتهم، فلما دخلوا عليه ليأخذوه وجدوا عيسى فيما يرون وأصحابه وفقدوا رجلاً من العدّة، فهو الذي اختلفوا فيه. وكانوا لا يعرفون عيسى، حتى جعلوا ليودس القريوطي ثلاثين درهما على أن يدلهم عليه ويعرّفهم إياه، فقال لهم : إذا دخلتم عليه فإني سأُقَبّله، وهو الذي أُقَبّل فخذوه فلما دخلوا عليه، وقد رُفع عيسى، رأى سَرْجِس في صورة عيسى، فلم يشكّ أنه هو عيسى، فأكبّ عليه فقبله، فأخذوه فصلبوه. ثم إن يُودُس ركَرِيايوطا ندم على ما صنع، فاختنق بحبل حتى قتل نفسه، وهو ملعون في النصارى، وقد كان أحد المعدودين من أصحابه. وبعض النصارى يزعم أن يُودُوس زكريا يوطا هو الذي شُبّه لهم فصلبوه، وهو يقول : إني لست بصاحبكم أنا الذي دللتكم عليه والله أعلم أيّ ذلك كان.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، قال : قال ابن جريج : بلغنا أن عيسى ابن مريم قال لأصحابه : أيكم يَنتدب فيلقى عليه شبهي فيقتل ؟ فقال رجل من أصحابه : أنا يا نبيّ لله. فألقي عليه شبه فقُتل، ورفع الله نبيه إليه.
حدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله : شُبّهَ لَهُمْ قال : صلبوا رجلاً غير عيسى يحسبونه إياه.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : وَلَكِنْ شُبّهَ لَهُمْ فذكر مثله.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال : صلبوا رجلاً شبهوه بعيسى يحسبونه إياه، ورفع الله إليه عيسى عليه السلام حيا.
قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بالصواب أحد القولين اللذين ذكرناهما عن وهب بن منبه، من أن شبه عيسى ألقى على جميع من كان في البيت مع عيسى حين أحيط به وبهم، من غير مسألة عيسى إياهم ذلك، ولكن ليخزي الله بذلك اليهود وينقذ به نبيه عليه السل

تفسير هذه الآية من كتب أخرى