البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿لكنّ الله يشهد بما أنزل إليك﴾ الاستدراك بلكن يقتضي تقدم جملة محذوفة، لأنّ لكن لا يبتدأ بها، فالتقدير ما روي في سبب النزول وهو : أنه لما نزل إنا أوحينا إليك قالوا : ما نشهد لك بهذا، لكن الله يشهد، وشهادته تعالى بما أنزله إليه إثباته بإظهار المعجزات كما تثبت الدعاوى بالبينات.
وقرأ السلمي والجراح الحكمي : لكنّ الله بالتشديد، ونصب الجلالة.
وقرأ الحسن بما أنزل إليك مبنياً للمفعول.
﴿أنزله بعلمه﴾ قرأ السلمي : نزّله مشدداً.
قال الزجاج : أنزله وفيه علمه.
وقال أبو سليمان الدمشقي : أنزله من علمه.
وقال ابن جريج : أنزله إليك بعلم منه أنك خيرته من خلقه.
وقيل : أنزله إليك بعلمه أنك أهل لإنزاله عليك لقيامك بحقه، وعلمك بما فيه، وحسن دعائك إليه، وحثك عليه.
وقيل : بما يحتاج إليه العباد.
وقيل : بعلمه أنّك تبلغه إلى عباده من غير تبديل ولا زيادة ولا نقصان.
قال ابن عطية : هذه الآية من أقوى متعلقات أهل السنة في إثبات علم الله تعالى، خلافاً للمعتزلة في أنهم يقولون : عالم بلا علم.
والمعنى عند أهل السنة : أنزله وهو يعلم إنزاله ونزوله.
ومذهب المعتزلة في هذه الآية : أنه أنزله مقترناً بعلمه، أي فيه علمه من غيوب وأوامر ونحو ذلك، فالعلم عبارة عن المعلومات التي في القرآن كما هو في قول الخضر، ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما ينقص هذا العصفور من هذا البحر.
وقال الزمخشري : أنزله ملتبساً بعلمه الخاص الذي لا يعلمه غيره، وهو تأليفه على نظم وأسلوب يعجز عنه كل بليغ وصاحب بيان، وموقعه مما قبله موقع الجملة المفسرة، لأنه بيان للشهادة بصحته أنه أنزله بالنظم المعجز الفائت للقدر، ويحتمل أنه أنزله وهو عالم به رقيب عليه حافظ له من الشياطين برصد من الملائكة.
﴿والملائكة يشهدون﴾ أي بما أنزل الله إليك.
وشهادة الملائكة تبع لشهادة الله، وقد علم بشهادة الله له، إذ أظهر على يديه المعجزات، وهذا على سبيل التسلية له عن تكذيب اليهود، إن كذبك اليهود وكذبوا ما جئت به من الوحي، فلا تبال، فإن الله يشهد لك وملائكته، فلا تلتفت إلى تكذيبهم.
﴿وكفى بالله شَهِيداً﴾ أي وإن لم يشهد غيره ﴿قل أيّ شيء أكبر شهادة قل الله﴾
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وتضمنت هذه الآيات أنواعاً من الفصاحة والبيان والبديع.
فمن ذلك الطباق في : حرمنا وأحلت، وفي : فآمنوا وإن تكفروا.
والتكرار في : وما قتلوه، وفي : وأوحينا، وفي : ورسلاً، وفي : يشهد ويشهدون، وفي : كفروا، وفي : مريم، وفي : اسم الله.
والالتفات في : فسوف نؤتيهم، وفي : فسنحشرهم وما بعد ما في قراءة من قرأ بالنون.
والتشبيه في : كما أوحينا.
والاستعارة في : الراسخون وهي في الاجرام استعيرت للثبوت في العلم والتمكن فيه، وفي : سبيل الله، وفي : يشهد، وفي : طريقاً، وفي : لا تغلوا والغلو حقيقة في ارتفاع السعر، وفي : وكيلاً استعير لإحاطة علم الله بهم، وفي : فيوفيهم أجورهم استعير للمجازاة.
والتجنيس المماثل في : يستفتونك ويفتيكم.
والتفصيل في : فأما الذين آمنوا وأما الذين استنكفوا.
والحذف في عدّة مواضع.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى