فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
قوله :﴿لكن الله يَشْهَدُ﴾ الاسم الشريف مبتدأ، والفعل خبره، ومع تشديد النون هو منصوب على أنه اسم لكنّ، والاستدراك من محذوف مقدّر كأنهم قالوا : ما نشهد لك يا محمد بهذا، أي : الوحي والنبوّة، فنزل :﴿لكن الله يَشْهَدُ﴾. وقوله :﴿والملائكة يَشْهَدُونَ﴾ جملة معطوفة على الجملة الأولى، أو جملة حالية، وكذلك قوله :﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ جملة حالية، أي : متلبساً بعلمه الذي لا يعلمه غيره، من كونك أهلاً لما اصطفاك الله له من النبوّة، وأنزله عليك من القرآن ﴿وكفى بالله شَهِيداً﴾ أي : كفى الله شاهداً، والباء زائدة، وشهادة الله سبحانه هي : ما يصنعه من المعجزات الدالة على صحة النبوة، فإن وجود هذه المعجزات شهادة للنبيّ ﷺ بصدق ما أخبر به من هذا، وغيره.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس قال : دخل جماعة من اليهود على رسول الله ﷺ، فقال لهم :«إني والله أعلم أنكم تعلمون أني رسول الله»، قالوا ما نعلم ذلك. فأنزل الله :﴿لكن الله يَشْهَدُ﴾ الآية. وأخرج عبد بن حميد، والحاكم وصححه، والبيهقي في الدلائل، عن أبي موسى أن النجاشي قال لجعفر : ما يقول صاحبك في ابن مريم ؟ قال : يقول فيه قول الله هو روح الله وكلمته، أخرجه من البتول العذراء لم يقربها بشر، فتناول عودا من الأرض فرفعه فقال : يا معشر القسيسين والرهبان ما يزيد هؤلاء على ما تقولون في ابن مريم ما يزن هذه. وأخرجه البيهقي في الدلائل عن ابن مسعود بأطول من هذا. وأخرج البخاري عن عمر قال : قال رسول الله ﷺ «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله».