فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿إِنَّمَا التوبة عَلَى الله﴾ استئناف لبيان أن التوبة ليست بمقبولة على الاطلاق، كما ينبىء عنه قوله :﴿تَواباً رحِيماً﴾ بل إنما تقبل من البعض دون البعض، كما بينه النظم القرآني ها هنا، فقوله :﴿إِنَّمَا التوبة﴾ مبتدأ خبره قوله :﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السوء بجهالة﴾. وقوله :﴿عَلَى الله﴾ متعلق بما تعلق به الخبر من الاستقرار، أو متعلق بمحذوف وقع حالاً عند من يجوز تقديم الحال التي هي ظرف على عاملها المعنوي. وقيل : المعنى : إنما التوبة على فضل الله ورحمته بعباده. وقيل : المعنى : إنما التوبة واجبة على الله، وهذا على مذهب المعتزلة ؛ لأنهم يوجبون على الله عز وجل واجبات من جملتها قبول توبة التائبين. وقيل : على هنا بمعنى عند، وقيل : بمعنى من.
وقد اتفقت الأمة على أن التوبة فرض على المؤمنين لقوله تعالى :﴿وَتُوبُوا إِلَى الله جَمِيعاً أَيُّهَ المؤمنون﴾ [النور: ٣١] وذهب الجمهور إلى أنها تصح من ذنب دون ذنب خلافاً للمعتزلة، وقيل : إن قوله :﴿عَلَى الله﴾ هو الخبر.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج البزار، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، عن ابن عباس في قوله :﴿واللاتى يَأْتِينَ الفاحشة﴾ قال : كانت المرأة إذا فجرت حبست في البيوت، فإن ماتت ماتت، وإن عاشت عاشت، حتى نزلت الآية في سورة النور :﴿الزانية والزانى فاجلدوا﴾ [النور: ٢] فجعل الله لهنّ سبيلاً. فمن عمل شيئاً جلد وأرسل، وقد روى هذا عنه من وجوه، وأخرج أبو داود في سننه عنه، والبيهقي في قوله :﴿واللاتى يَأْتِينَ الفاحشة مِن نسَائِكُمْ﴾ إلى قوله :﴿سَبِيلاً﴾ ثم جمعهما جميعاً، فقال :﴿واللذان يأتيانها مِنكُمْ فَآذُوهُما﴾ ثم نسخ ذلك بآية الجلد، وقد قال بالنسخ جماعة من التابعين، أخرجه أبو داود، والبيهقي، عن مجاهد، وأخرجه عبد بن حميد، وأبو داود في ناسخه، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة. وأخرجه البيهقي في سننه، عن الحسن. وأخرجه ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير. وأخرجه ابن جرير عن السدي. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس في قوله :﴿واللذان يأتيانها مِنكُمْ﴾ قال : كان الرجل إذا زنا أوذي بالتعيير، وضرب بالنعال، فأنزل الله بعد هذه الآية :﴿الزانية والزاني فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ منْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] فإن كانا محصنين رجما في سنة رسول الله ﷺ. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد :﴿واللذان يأتيانها مِنكُمْ﴾ قال : الرجلان الفاعلان. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير :﴿واللذان يأتيانها مِنكُمْ﴾ يعني البكرين. وأخرج ابن جرير، عن عطاء قال : الرجل، والمرأة.
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي العالية في قوله :﴿إِنَّمَا التوبة عَلَى الله﴾ الآية قال : هذه للمؤمنين وفي قوله :﴿وَلَيْسَتِ التوبة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السيئات﴾ قال : هذه لأهل النفاق ﴿وَلاَ الذين يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ قال : هذه لأهل الشرك.
وأخرج ابن جرير، عن الربيع مثله. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، عن قتادة قال : اجتمع أصحاب محمد ﷺ فرأوا أن كل شيء عصى به، فهو جهالة عمداً كان أو غيره. وأخرج عبد ابن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن أبي العالية أن أصحاب محمد ﷺ كانوا يقولون : كل ذنب أصابه عبد، فهو جهالة. وأخرج ابن جرير من طريق الكلبي، عن أبي عن صالح، عن ابن عباس في قوله :﴿إِنَّمَا التوبة عَلَى الله﴾ الآية، قال : من عمل السوء، فهو جاهل من جهالته عمل السوء ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾ قال : في الحياة، والصحة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه قال : القريب ما بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، والبيهقي في الشعب، عن الضحاك قال : كل شيء قبل الموت، فهو قريب له التوبة ما بينه وبين أن يعاين ملك الموت، فإذا تاب حين ينظر إلى ملك الموت، فليس له ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن قال : القريب : ما لم يغرغر. وقد وردت أحاديث كثيرة في قبول توبة العبد ما لم يغرغر، ذكرها ابن كثير في تفسيره، ومنها الحديث الذي قدّمنا ذكره.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى