الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله :( اِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ) الآية [ ١٧ ].
معناها عند الطبري(١) : أن التوبة ليست لأحد إلا الذين يعملون السوء، وهم جهال : ثم يتوبون قبل الموت، فإن الله يتوب عليهم، وأكثر الصحابة على أن كل ذنب فعله الإنسان فعل جهالة عمداً كان أو غير عمد(٢).
قال مجاهد : كل من عصى ربه فهو جاهل حتى يتوب عن ذلك(٣)، وعلى ذلك أكثر التابعين وأهل التفسير.
وقد قال الضحاك : إن الجهالة : العمد خاصة(٤) وروي مثله عن مجاهد(٥).
وقال عكرمة : الجهالة : الدنيا(٦). فالمعنى على قوله : للذين يعملون السوء في الدنيا، وقال : الدنيا كلها جهالة(٧).
وقيل معنى :( ءَبِجَهَالَةٍ ) أي : بجهالة منهم لما في الذنب من العقاب عمدوا ذلك أو جهلوه(٨). وقيل : الجهالة أن يعمل المعصية وهو يعلم أنها معصية، فإن لم يعلم ذلك، فهو خطأ وليست بجهالة(٩).
قوله :( ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيب ) الآية [ ١٧ ].
أي : في صحة لا مرض فيها قبل نزول إمارات(١٠) الموت، قاله ابن عباس والسدي وغيرهما(١١)، وقيل : المعنى من قبل معاينة الموت ( وروي ذلك عن ابن عباس، وقاله الضحاك(١٢)، وقال عكرمة وابن زيد " من قريب " من قبل الموت(١٣) )(١٤).
وقد روى قتادة عن أبي قلابة(١٥) أنه قال : ذكر لنا أن إبليس لعنه الله لما لعن وأُنظْر قال : وعزتك لا(١٦) أخرج من قلب ابن آدم ما دام فيه الروح، قال الله عز وجل : لا أمنعه(١٧) التوبة ما دام فيه الروح(١٨).
وقال النبي ﷺ : " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر(١٩) ".
وقال أهل المعاني : " ثُمّ يثوبون " قبل مماتهم في الحال التي يفهمون فيها أمر اله عز وجل ونهيه، وقبل أن يغلبوا على أنفسهم وعقولهم ( فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ) أي : يرزقهم إنابة إلى طاعته ويتقبل منهم توبتهم إليه(٢٠).
قال الأخفش : قال إني تبت الآن " تمام(٢١) وخولف في ذلك لأن و( الذِينَ يَمُوتُونَ ) عطف على(٢٢) " الذين " الأول(٢٣).
١ - انظر: جامع البيان ٤/٢٩٨..
٢ - انظر: المصدر السابق. والدر المنثور ٢/٤٥٩..
٣ - انظر: تفسير مجاهد ١/١٤٩..
٤ - لم يرد في كلام العربي تسمية العامد للشيء الجاهل به، إلا أن يكون معنياً أنه جاهل بقدر منفعته أو مضرته. انظر: جامع البيان ٤/٢٩٩-٣٠٢، والبحر ٣/١٩٨..
٥ - انظر: تفسير مجاهد ١/١٤٩ وتفسير سفيان ٩٢..
٦ - انظر: جامع البيان ٤/٣٠٠..
٧ - يريد الخاصة بها، والخارجة عن طاعة الله فكأن الجهالة اسم للحياة الدنيا وهو ضعيف. انظر: المحرر ٤/٥٤ والدر المنثور ٢/٤٥٩..
٨ - ذكره الطبري ولم ينسبه. انظر: جامع البيان ٤/٣٠٠ ونسب إلى ابن فورك في المحرر ٤/٥٤..
٩ - انظر: جامع البيان ٤/٣٠٠..
١٠ - (ج): أمارة..
١١ - جامع البيان ٤/٣٠٠..
١٢ - المصدر السابق..
١٣ - المصدر السابق..
١٤ - ساقط من (أ) (ج)..
١٥ - هو أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي توفي ١٠٤ هـ تابعي ثقة من رجال الحديث. انظر: تاريخ الثقات ٢٥٧ والتهذيب ٥/٢٢٤..
١٦ - (ج): لا خرج وهو خطأ..
١٧ - ساقط من (أ) (ج)..
١٨ - (ج): لا أمنعه وهو خطأ أيضاً..
١٩ - هو خبر مرسل. انظر: تفسير ابن كثير ١/٤٦٥ وذكر أنه جاء نحوه عن ابن سعيد الخدري عند الإمام أحمد في المسند والدر المنثور ٢/٤٦٠، يغرغر من الغرغرة وهو أن يجعل الشرب في الفم ويردد إلى أقصى الحلق ولا يبلع، شبه تردد الروح قبل خروجها بما يتغرغر به المريض. انظر: اللسان (غرغر) ٥/٢٠..
٢٠ - خرجه ابن ماجه في كتاب الزهد ٢/[ويقول المدقق]: وأخرجه أحمد في المسند (٦٦١٠ و٦٤٠٨) مرفوعاً من حديث ابن عمر رضي الله عنه وهو حديث صحيح، ورواه الترمذي (٣٤٦٠) وقال: حسن غريب، وهو عند الحاكم من المستدرك وهي ابن حبان وغيرهم ١٤٢٠ والسيوطي في الجامع الصغير..
٢١ - انظر: القطع ٢٤٨..
٢٢ - (أ): عطف عن الذين..
٢٣ - التقدير (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِئَاتِ) (وَلاَ الذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ)، والتمام (أوْلاَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً اَلِيماً). انظر: القطع ٢٤٨ وإيضاح الوقف ٢/٥٩٥..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى