جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النّسَآءَ كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنّ إِلاّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مّبَيّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنّ فَعَسَىَ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾.
يعني تبارك وتعالى ( بقوله ) :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا﴾ : يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله ﴿لاَ يحِلّ لَكُمْ أنْ تَرِثوا النّساءَ كَرْها﴾ يقول : لا يحلّ لكم أن ترثوا نكاح نساء أقاربكم وآبائكم كرها.
فإن قال قائل : كيف كانوا يرثونهن، وما وجه تحريم وراثتهن، فقد علمت أن النساء مورّثات كما الرجال مورثون ؟ قيل : إن ذلك ليس من معنى وراثتهنّ إذا هنّ متن فتركن مالاً، وإنما ذلك أنهن في الجاهلية كانت إحداهنّ إذا مات زوجها كان ابنه أو قريبه أولى بها من غيره ومنها بنفسها، إن شاء نكحها وإن شاء عضلها فمنعها من غيره ولم يزوّجها حتى تموت، فحرّم الله تعالى ذلك على عباده، وحظر عليهم نكاح حلائل آبائهم، ونهاهم عن عضلهنّ عن النكاح.
وبنحو القول الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا أسباط بن محمد، قال : حدثنا أبو إسحاق، يعني الشيباني، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لاَ يحِلّ لَكُمْ أنْ تَرِثُوا النّساءَ كَرْها وَلا تَعْضُلُوهُنّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنّ﴾ قال : كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحقّ بامرأته، إن شاء بعضهم تزوّجها، وإن شاءوا زوّجوها، وإن شاءوا لم يزوّجوها، وهم أحقّ بها من أهلها، فنزلت هذه الآية في ذلك.
وحدثني أحمد بن محمد الطوسي، قال : حدثنا عبد الرحمن بن صالح، قال : ثني محمد بن فضيل، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه، قال : لما توفي أبو قيس بن الأسلت أراد ابنه أن يتزوّج امرأته، وكان ذلك لهم في الجاهلية، فأنزل الله :﴿لاَ يحِلّ لَكُمْ أنْ تَرِثوا النّساءَ كَرْها﴾.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسين بن واقد، عن يزيد النحويّ، عن عكرمة والحسن البصري قالا في قوله :﴿لاَ يحِلّ لَكُمْ أنْ تَرِثُوا النّساءَ كَرْها وَلا تَعْضُلُوهُنّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنّ إلاّ أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مبَيّنَةٍ﴾، وذلك أن الرجل كان يرث امرأة ذي قرابته، فيعضلها حتى تموت أو تردّ إليه صداقها، فأحكم الله عن ذلك، يعني أن الله نهاكم عن ذلك.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز في قوله :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لاَ يحِلّ لَكُمْ أنْ تَرِثُوا النّساءَ كَرْها﴾ قال : كانت الأنصار تفعل ذلك كان الرجل إذا مات حميمه ورث حميمه امرأته، فيكون أولى بها من وليّ نفسها.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس في قوله :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لاَ يحِلّ لَكُمْ أنْ تَرِثُوا النّساءَ كَرْها﴾. . . الاَية، قال : كان الرجل إذا مات أبوه أو حميمه، فهو أحقّ بامرأته، إن شاء أمسكها أو يحبسها حتى تفتدي منه بصداقها أو تموت فيذهب بمالها. قال ابن جريج : فأخبرني عطاء بن أبي رباح أن أهل الجاهلية كانوا إذا هلك الرجل، فترك امرأة، حبسها أهله على الصبيّ يكون فيهم، فنزلت :﴿لاَ يحِلّ لَكُمْ أنْ تَرِثُوا النّساءَ كَرْها﴾. . . الاَية. قال ابن جريج، وقال مجاهد : كان الرجل إذا توفي أبوه كان أحقّ بامرأته، ينكحها إن شاء إذا لم يكن ابنها، أو ينكحها إن شاء أخاه أو ابن أخيه. قال ابن جريج : وقال عكرمة : نزلت في كبيشة بنت معن بن عاصم من الأوس، توفي عنها أبو قيس بن الأسلت، فجنح عليها ابنه، فجاءت النبيّ ﷺ، فقالت : يا نبيّ الله، لا أنا ورثت زوجي ولا أنا تركت فأنكح ! فنزلت هذه الاَية.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لاَ يحِلّ لَكُمْ أنْ تَرِثُوا النّساءَ كَرْها﴾ قال : كان إذا توفي الرجل كان ابنه الأكبر هو أحقّ بامرأته ينكحها إذا شاء إذا لم يكن ابنها، أو ينكحها من شاء أخاه أو ابن أخيه.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن عمرو بن دينار مثل قول مجاهد.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، قال : سمعت عمرو بن دينار يقول مثل ذلك.
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السدي : أما قوله :﴿لاَ يحِلّ لَكُمْ أنْ تَرِثُوا النّساءَ كَرْها﴾، فإن الرجل في الجاهلية كان يموت أبوه أو أخوه أو ابنه، فإذا مات وترك امرأته، فإن سبق وارث الميت فألقى عليها ثوبه فهو أحقّ بها أن ينكحها بمهر صاحبه أو ينكحها فيأخذ مهرها، وإن سبقته فذهبت إلى أهلها فهم أحقّ بنفسها.
حدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد بن سليمان الباهلي، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :﴿لاَ يحِلّ لَكُمْ أنْ تَرِثُوا النّساءَ كَرْها﴾ كانوا بالمدينة إذا مات حميم الرجل وترك امرأة، ألقى الرجل عليها ثوبه، فورث نكاحها، وكان أحقّ بها، وكان ذلك عندهم نكاحا، فإن شاء أمسكها حتى تفتدي منه، وكان هذا في الشرك.
حدثنا يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :﴿لاَ يحِلّ لَكُمْ أنْ تَرِثُوا النّساءَ كَرْها﴾ قال : كانت الوراثة في أهل يثرب بالمدينة ههنا، فكان الرجل يموت فيرث ابنه امرأة أبيه، كما يرث أمه لا يستطيع أن يمنع، فإن أحبّ أن يتخذها اتخذها كما كان أبوه يتخذها، وإن كره فارقها، وإن كان صغيرا حبست عليه حتى يكبر، فإن شاء أصابها وإن شاء فارقها، فذلك قول الله تبارك وتعالى :﴿لاَ يحِلّ لَكُمْ أنْ تَرِثُوا النّساءَ كَرْها﴾.
حدثنا محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلّ لَكُمْ أنْ تَرِثُوا النّساءَ كَرْها﴾ وذلك أن رجالاً من أهل المدينة كان إذا مات حميم أحدهم، ألقى ثوبه على امرأته، فورث نكاحها، فلم ينكحها أحد غيرها، وحبسها عنده حتى تفتدي منه بفدية، فأنزل الله عزّ وجلّ :﴿يا أيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلّ لَكُمْ أنْ تَرِثُوا النساء كَرْها﴾.
حدثني ابن وكيع، قال : ثني أبي، قال : حدثنا سفيان، عن عليّ بن بذيمة، عن مقسم، قال : كانت المرأة في الجاهلية إذا مات زوجها، فجاء رجل فألقى عليها ثوبه كان أحقّ الناس بها، قال : فنزلت هذه الاَية :﴿لاَ يحِلّ لَكُمْ أنْ تَرِثُوا النّساءَ كَرْها﴾.
فتأويل الاَية على هذا التأويل : يا أيها الذين آمنوا لا يحلّ لكن أن ترثوا آباءكم وأقاربكم نكاح نسائهم كرها، فترك ذلك الآباء والأقارب والنكاح، ووجّه الكلام إلى النهي عن وراثة النساء، اكتفاء بمعرفة المخاطبين بمعنى الكلام، إذ كان مفهوما معناه عندهم.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : لا يحلّ لكم أيها الناس أن ترثوا النساء تركاتهن كرها، قال : وإنما قيل ذلك لأنهم كانوا يعضلون أياماهن وهن كارهات للعضل حتى يمتن فيرثوهن أموالهن. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلّ لَكُمْ أنْ تَرِثُوا النّساءَ كَرْها﴾ قال : كان الرجل إذا مات وترك جارية، ألقى عليها حميمه ثوبه، فمنعها من الناس، فإن كانت جميلة تزوّجها، وإن كانت قبيحة حبسها حتى تموت، فيرثها.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن الزهري في قوله :﴿لا يَحِلّ لَكُمْ أنْ تَرِثُوا النّساءَ كَرْها﴾ قال : نزلت في ناس من الأنصار كانوا إذا مات الرجل منهم فأملك الناس بامرأته وليه، فيمسكها حتى تموت فيرثها، فنزلت فيهم.
قال أبو جعفر : وأولى القولين بتأويل الاَية، القول الذي ذكرناه عمن قال معناه : لا يحلّ لكن أن ترثوا النساء كرها أقاربكم، لأن الله جل ثناؤه قد بين مواريث أهل المواريث، فذلك لأهله نحو وراثتهم إياه الموروث ذلك عنه من الرجال أو النساء. فقد علم بذلك أنه جلّ ثناؤه لم يحظر على عباده أن يرثوا النساء ما جعله لهم ميراثا عنهن، وأنه إنما حظر أن يكرهن موروثات بمعنى حظر وراثة نكاحهن إذا كان ميتهم الذي ورثوه قد كان مالكا عليهن أمرهن في النكاح ملك الرجل منفعة ما استأجر من الدور والأرضين وسائر ما له منافع، فأبان الله جل ثناؤه لعباده أن الذي يملكه الرجل منهم من بضع زوجته، معناه غير معنى ما يملك أحدهم من منافع سائر المملوكات التي تجوز إجارتها، فإن المالك بضع زوجته إذا هو مات لم يكن ما كان له ملكا من زوجته بالنكاح لورثته بعده، كما لهم من الأشياء التي كان يملكها بشراء أو هبة أو إجارة بعد موته بميراثه ذلك عنه.
وأما قوله تعالى :﴿وَلا تَعّضُلُوهُنّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنّ﴾ فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم : تأويله :﴿وَلا تَعْضُلُوهُنّ﴾ : أي ولا تحبسوا يا معشر ورثة من مات من الرجال أزواجهم عن نكاح من أردن نكاحه من الرجال كيما يمتن فتذهبوا ببعض ما آتيتموهن¹ أي فتأخذوا من أموالهم إذا متن ما كان موتاكم الذين ورثتموهن ساقوا إليهنّ من صدقاتهنّ. وممن قال ذلك جماعة قد ذكرنا بعضهم، منهم ابن عباس، والحسن البصري، وعكرمة.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : ولا تعضلوا أيها الناس نساءكم فتحبسوهنّ ضرارا، ولا حاجة لكم إليهن فتضروا بهن ليفتدين منكم بما آتيتموهنّ من صدقاتهن. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله :﴿وَلا تَعْضُلُوهُنّ﴾ يقول : لا تقهروهن، ﴿لِتَذْهَبوا بِبَعْضِ ما آتَيْتمُوهُنّ﴾ يعني الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها، ولها عليه مهر، فيُضِرّ بها لتفتدي.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله :﴿وَلا تَعْضُلُوهُنّ﴾ يقول : لا يحلّ لك أن تحبس امرأتك ضرارا حتى تفتدي منك. قال : أخبرنا معمر، قال : وأخبرني سماك بن الفضل عن ابن البيلماني، قال : نزلت هاتان الآيتان، إحداهما في أمر الجاهلية، والأخرى في أمر الإسلام.
حدثني المثنى، قال : حدثنا سويد بن نصر، قال : أخبرنا ابن المبارك، عن معمر، قال : أخبرنا سماك بن الفضل، عن عبد الرحمن بن البيلماني في قوله :﴿لا يَحِلّ لَكمْ أنْ تَرِثُوا النّساءَ كَرْها وَلا تَعْضلُوهُنّ﴾، قال : نزلت هاتان الاَيتان، إحداهما ف