البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
المقت : البغض المقرون باستحقار حصل بسبب أمر قبيح ارتكبه صاحبه.
﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف﴾ تقدم ذكر شيء من سبب نزول هذه الآية في قوله :﴿لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً﴾ وقد ذكروا قصصاً مضمونها : أنّ من العرب مَن كان يتزوج امرأة أبيه، وسموا جماعة تزوجوا زوجات آبائهم بعد موت آبائهم، فأنزل الله تحريم ذلك.
وتقدّم الخلاف في النكاح : أهو حقيقة في الوطء، أم في العقد، أم مشترك ؟ قالوا : ولم يأت النكاح بمعنى العقد إلا في ﴿فانكحوهن بإذن أهلهن﴾ وهذا الحصر منقوض بقوله :﴿إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن﴾ واختلف في ما من قوله : ما نكح.
فالمتبادر إلى الذهن أنها مفعوله، وأنها واقعة على النوع كهي في قوله تعالى :﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ أي : ولا تنكحوا النوع الذي نكح آباؤكم.
وقد تقرر في علم العربية أنّ ما تقع على أنواع من يعقل، وهذا على مذهب من يمنع وقوعها على آحاد من يعقل.
أمّا مَن يجيز ذلك فإنه يتضح حمل ما في الآية عليه، وقد زعم أنه مذهب سيبويه.
وعلى هذا المفهوم من إطلاق ما على منكوحات الآباء تلقت الصحابة الآية واستدلوا بها على تحريم نكاح الأبناء حلائل الآباء.
قال ابن عباس : كان أهل الجاهلية يحرمون ما يحرم إلا امرأة الأب، والجمع بين الأختين فنزلت هذه الآية في ذلك.
وقال ابن عباس : كل امرأة تزوجها أبوك دخل بها أو لم يدخل، فهي عليك حرام.
وقال قوم : ما مصدرية.
والتقدير : ولا تنكحوا نكاح آبائكم أي : مثل نكاح آبائكم الفاسد، أو الحرام الذي كانوا يتعاطونه في الجاهلية كالشغار وغيره، كما تقول : ضربت ضرب الأمير أي : مثل ضرب الأمير.
ويبين كونه حراماً أو فاسداً قوله :﴿إنه كان فاحشة﴾ واختار هذا القول محمد بن جرير قال : ولو كان معناه ولا تنكحوا النساء اللاتي نكح آباؤكم، لوجب أن يكون موضع ما من.
وحمل ابن عباس وعكرمة وقتادة وعطاء النكاح هنا على الوطء، لأنهم كانوا يرثون نكاح نسائهم.
وقال ابن زيد في جماعة : المراد به العقد الصحيح، لا ما كان منهم بالزنا انتهى.
والاستثناء في قوله : إلا ما قد سلف منقطع، إذ لا يجامع الاستقبال الماضي، والمعنى : أنه لما حرم عليهم أن ينكحوا ما نكح آباؤهم، دلّ على أن متعاطي ذلك بعد التحريم آثم، وتطرق الوهم إلى ما صدر منهم قبل النهي ما حكمه.
فقيل : إلا ما قد سلف أي : لكن ما قد سلف، فلم يكن يتعلق به النهي فلا إثم فيه.
ولما حمل ابن زيد النكاح على العقد الصحيح، حمل قوله : إلا ما قد سلف، على ما كان يتعاطاه بعضهم من الزنا، فقال : إلا ما قد سلف من الآباء في الجاهلية من الزنا بالنساء، فذلك جائز لكم زواجهم في الإسلام، إنه كان فاحشة ومقتاً وكأنه قيل : ولا تعقدوا على من عقد عليه آباؤكم إلا ما قد سلف من زناهم، فإنه يجوز لكم أن تتزوجوهم، ويكون على هذا استثناء منقطعاً.
وقيل عن ابن زيد : إن معنى الآية النهي أن يطأ الرجل امرأة وطئها أبوه إلا ما قد سلف من الأب في الجاهلية من الزنا بالمرأة، فإنه يجوز للابن تزوجها، فعلى هذا يكون إلا ما قد سلف استثناء متصلاً، إذ ما قد سلف مندرج تحت قوله : ما نكح، إذ المراد : ما وطىء آباؤكم.
وما وطىء يشمل الموطوءة بزنا وغيره، والتقدير : ما وطىء آباؤكم إلا التي تقدم هو أي : وطؤها بزنا من آبائكم فانكحوهن.
ومن جعل ما في قوله : ما نكح مصدرية كما قررناه، قال : المعنى إلا ما تقدم منكم من تلك العقود الفاسدة فمباح لكم الإقامة عليه في الإسلام، إذ كان مما تقرر الإسلام عليه.
وقال الزمخشري :( فإن قلت ) : كيف استثنى ما قد سلف من ما نكح آباؤكم ؟ ( قلت ) : كما استثنى غير أن سيوفهم من قوله : ولا عيب فيهم.
يعني : إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوه، فلا يحل لكم غيره، وذلك غير ممكن.
والغرض المبالغة في تحريمه وسد الطريق إلى إباحته، كما يعلق بالمحال في التأبيد في نحو قولهم : حتى يبيض القار، وحتى يلج الجمل في سم الخياط.
انتهى كلامه.
وقال الأخفش المعنى : فإنكم تعذبون به إلا ما قد سلف، فقد وضعه الله عنكم.
وقيل : في الآية تقديم وتأخير، تقديره : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إنه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلاً إلا ما قد سلف، وهذا جهل بعلم النحو، وعلم المعاني.
أما من حيث علم النحو فما كان في حيز أن لا يتقدم عليها، وكذلك المستثنى لا يتقدم على الجملة التي هو من متعلقاتها بالاتصال أو الانقطاع، وإن كان في هذا خلاف ولا يلتفت إليه.
وأما من حيث المعنى فإنه أخبر أنه فاحشة ومقت في الزمان الماضي، فلا يصح أن يستثنى منه الماضي، إذ يصير المعنى هو فاحشة في الزمان الماضي، إلا ما وقع منه في الزمان الماضي فليس بفاحشة، وهذا معنى لا يمكن أن يقع في القرآن، ولا في كلام عربي لتهافته.
والذي يظهر من الآية أن كل امرأة نكحها أبو الرجل بعقد أو ملك فإنه يحرم عليه أن ينكحها بعقد أو ملك، لأن النكاح ينطلق على الموطوءة بعقد أو ملك، لأنه ليس إلا نكاح أو سفاح، والسفاح هو الزنا، والنكاح هو المباح، وأشار إلى تحريم ذلك بقوله :
﴿إنه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلاً﴾ أي أن نكاح الأبناء نساء آبائهم هو فاحشة أي : بالغة في القبح.
ومقت : أي يمقت الله فاعله، قاله أبو سليمان الدمشقي.
أو تمقته العرب أي : مبغض محتقر عندهم، وكان ناس من ذوي المروءات في الجاهلية يمقتونه.
قال أبو عبيدة وغيره : كانت العرب تسمي الولد الذي يجىء من زوج الوالد المقتي، نسبة إلى المقت.
ومن فسر الا ما قد سلف بالزنا جعل الضمير في أنه عائد عليه أي : انَّ ما قد سلف من زنا الآباء كان فاحشة، وكان يستعمل كثيراً بمعنى لم يزل، فالمعنى : أنَّ ذلك لم يزل فاحشة، بل هو متصف بالفحش في الماضي والحال والمستقبل، فالفحش وصف لازم له.
وقال المبرد : هي زائدة.
ورد عليه بوجود الخبر، إذ الزائدة لا خبر لها.
وينبغي أن يتأول كلامه على أنَّ كان لا يراد بها تقييد الخبر بالزمن الماضي فقط، فجعلها زائدة بهذا الاعتبار.
وساء سبيلاً هذه مبالغة في الذم، كما يبالغ ببئس.
فان كان فيها ضمير يعود على ما عاد عليه ضمير إنّه، فانها لا تجري عليها أحكام بئس.
وإنْ كان الضمير فيها مبهماً كما يزعم أهل البصرة فتفسيره سبيلاً، ويكون المخصوص بالذم اذ ذاك محذوفاً التقدير : وبئس سبيلاً سبيل هذا النكاح، كما جاء بئس الشراب أي : ذلك الماء الذي كالمهل.
وبالغ في ذم هذه السبيل، إذ هي سبيل موصلة إلى عذاب الله.
وقال البراء بن عازب : لقيت خالي ومعه الراية فقلت : أين تريد ؟ قال : أرسلني رسول الله ﷺ إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده ان أضرب عنقه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد تضمنت هذه الآيات أنواعاً من البيان والبديع.
منها : التجوّز بإطلاق اسم الكل على البعض في قوله : يأتين الفاحشة، لأن أل تستغرق كل فاحشة وليس المراد بل بعضها، وإنما أطلق على البعض اسم الكل تعظيماً لقبحه وفحشه، فإن كان العرف في الفاحشة الزنا، فليس من هذا الباب إذ تكون الألف واللام للعهد.
والتجوّز بالمراد من المطلق بعض مدلوله في قوله : فآذوهما إذ فسر بالتعيير أو الضرب بالنعال، أو الجمع بينهما، وبقوله : سبيلاً والمراد الحد، أو رجم المحصن.
وبقوله : فأعرضوا عنهما أي اتركوهما.
وإسناد الفعل إلى غير فاعله في قوله : حتى يتوفاهنّ الموت، وفي قوله : حتى إذا حضر أحدهم الموت.
والتجنيس المغاير في : إن تابا إن الله كان توّاباً، وفي : أرضعنكم ومن الرضاعة، وفي : محصنات فإذا أحصنّ.
والتجنيس المماثل في : فإن كرهتموهنّ فعسى أن تكرهوا، وفي : ولا تنكحوا ما نكح.
والتكرار في : اسم الله في مواضع، وفي : إنما التوبة وليست التوبة، وفي : زوج مكان زوج، وفي : أمّهاتكم وأمّهاتكم اللاتي، وفي : إلا ما قد سلف، وفي : المؤمنات في قوله : المحصنات المؤمنات، وفي : فتياتكم المؤمنات، وفي : فريضة ومن بعد الفريضة، وفي : المحصنات من النساء والمحصنات، ونصف ما على المحصنات، وفي : بعضكم من بعض، وفي : يريد في أربعة مواضع، وفي : يتوب وأن يتوب، وفي : إطلاق المستقبل على الماضي، في : واللاتي يأتين الفاحشة وفي : واللذان يأتيانها منكم، وفي : يعملون السوء وفي : ثم يتوبون، وفي : يريد وفي : ليبين، لأن إرادة الله وبيانه قديمان، إذ تبيانه في كتبه المنزلة والإرادة والكلام من صفات ذاته وهي قديمة.
والإشارة والإيماء في قوله ؛ كرهاً، فإن تحريم الإرث كرهاً يومىء إلى جوازه طوعاً، وقد صرح بذلك في قوله : فإن طبن، وفي قوله : ولا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ، فله أن يعضلها على غير هذه الصفة لمصلحة لها تتعلق بها، أو بمالها، وفي : إنه كان فاحشة أومأ إلى نكاح الأبناء في الجاهلية نساء الآباء، وفي : أحل لكم ما وراء ذلكم إشارة إلى ما تقدم في المحرمات، ذلك لمن خشي العنت إشارة إلى تزويج الإماء.
والمبالغة في تفخيم الأمر وتأكيده في قوله : وآتيتم إحداهنّ قنطاراً عظم الأمر حتى ينتهي عنه.
والاستعارة في قوله : وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً، استعار الأخذ للوثوق بالميثاق والتمسك به، والميثاق معنى لا يتهيأ فيه الأخذ حقيقة، وفي : كتاب الله عليكم أي فرض الله، استعار للفرض لفظ الكتاب لثبوته وتقريره، فدل بالأمر المحسوس على المعنى المعقول.
وفي : محصنين، استعار لفظ الإحصان وهو الامتناع في المكان الحصين للامتناع بالعقاب، واستعار لكثرة الزنا السفح وهو صب الماء في الأنهار والعيون بتدفق وسرعة، وكذلك : فآتوهن أجورهن استعار لفظ الأجور للمهور، والأجر هو ما يدل على عمل، فجعل تمكين المرأة من الانتفاع بها كأنه عمل تعمله.
وفي قوله : طولاً استعارة للمهر يتوصل به للغرض، والطول وهو الفضل يتوصل به إلى معالي الأمور.
وفي قوله : يتبعون الشهوات استعار الاتباع والميل اللذين هما حقيقة في الإجرام لموافقة هوى النفس المؤدي إلى الخروج عن الحق.
وفي قوله : أن يخفف، والتخفيف أصله من خفة الوزن وثقل الجرم، وتخفيف التكاليف رفع مشاقها من النفس، وذلك من المعاني.
وتسمية الشيء بما يؤول إليه في قوله : أن ترثوا النساء كرهاً، سمي تزويج النساء أو منعهن للأزواج إرثاً، لأن ذلك سبب الإرث في الجاهلية.
وفي قوله : وخلق الإنسان ضعيفاً جعله ضعيفاً باسم ما يؤول إليه، أو باسم أصله.
والطباق المعنوي في قوله : وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً، وقد فسر الخير الكثير بما هو محبوب.
وفي قوله : والمحصنات من النساء، أي حرام عليكم ثم قال : وأحل لكم.
والذي يظهر أنه من الطباق اللفظي، لأن صدر الآية حرمت عليكم أمهاتكم، ثم نسق المحرمات، ثم قال : وأحل لكم، فهذا هو الطباق.
وفي قوله : محصنين غير مسافحين، والمحصن الذي يمنع فرجه، والمسافح الذي يبذله.
والاحتراس في قوله : اللاتي دخلتم بهن احترز من اللاتي لم يدخل بهن، وفي وربائبكم اللاتي في حجوركم احترس من اللاتي ليست في الحجور.
وفي قوله : والمحصنات من النساء إذا المحصنات قد يراد بها الأنفس المحصنات، فيدخل تحتها الرجال، فاحترز بقوله : من النساء.
والاعتراض بقوله : والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض.
والحذف في مواضع لا يتم المعنى إلا بها.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى