التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ

عن الكتاب
﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾ كان بعض العرب يتزوج امرأة أبيه بعده فنزلت الآية تحريما لذلك، فكل امرأة تزوجها رجل حرمت على أولاده ما سفلوا، سواء دخل بها أو لم يدخل، فالنكاح في الآية بمعنى العقد، وما نكح : يعني النساء، وإنما أطلق عليهن ما، وإن كن ممن يعقل ؛ لأن المراد الجنس فإن زنى رجل بامرأة فاختلف هل يحرم تزويجها على أولاده أم لا : فحرمه أبو حنيفة، وأجازه الشافعي، وفي المذهب قولان : واحتج من حرمه بهذه الآية وحمل النكاح فيها على الوطء وقال من أجازه : إن الآية لا تتناوله إذ النكاح فيها بمعنى العقد.
﴿إلا ما قد سلف﴾ أي : إلا ما فعلتم في الجاهلية من ذلك، وانقطع بالإسلام فقد عفى عنه فلا تؤاخذون به، ويدل على هذا قوله :﴿إن الله كان غفورا رحيما﴾[النساء: ٢٣] بعد قوله :﴿إلا ما قد سلف﴾[النساء: ٢٣] في المرأة الأخرى في الجمع بين الأختين قال ابن عباس : كانت العرب تحرم كل ما حرمته الشريعة إلا امرأة الأب، والجمع بين الأختين، وقيل : المعنى إلا ما قد سلف فانكحوه إن أمكنكم، وذلك غير ممكن ؛ فالمعنى المبالغة في التحريم.
﴿إنه كان فاحشة ومقتا﴾ كان في هذه الآية تقتضي الدوام كقوله :﴿إن الله كان غفورا رحيما﴾[النساء: ٢٣]، وشبه ذلك وقال المبرد : هي زائدة وذلك خطأ لوجود خبرها منصوبا، وزاد هذا المقت على ما وصف من الزنا في قوله تعالى :﴿إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا﴾ : دلالة على أن هذا أقبح من الزنا.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى