الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
وكانوا ينكحون روابهم، وناس منهم يمقتونه من ذي مروآتهم، ويسمونه نكاح المقت. وكان المولود عليه يقال له المقتي. ومن ثم قيل :﴿وَمَقْتاً﴾ كأنه قيل : هو فاحشة في دين الله بالغة في القبح، قبيح ممقوت في المروءة ولا مزيد على ما يجمع القبحين. وقرىء :«لا تحل لكم » بالتاء، على أن ترثوا بمعنى الوراثة. وكرها بالفتح، والضم من الكراهة والإكراه. وقرىء ﴿بفاحشة مُّبَيّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩] من أبانت بمعنى تبينت أو بينت، كما قرئ «مبيّنة » بكسر الياء وفتحها. و ﴿يَجْعَلُ الله﴾ بالرفع، على أنه في موضع الحال :﴿وَءَاتَيْتُمْ إحداهن﴾ بوصل همزة إحداهن. كما قرئ ﴿فلا إثم عليه﴾ [البقرة: ١٧٣].
فإن قلت : تعضلوهن، ما وجه إعرابه ؟ قلت : النصب عطفاً على أن ترثوا. و ( لا ) لتأكيد النفي. أي لا يحل لكم أن ترثوا النساء ولا أن تعضلوهن.
فإن قلت : أي فرق بين تعدية ذهب بالباء، وبينها بالهمزة ؟ قلت : إذا عدي بالباء فمعناه الأخذ والاستصحاب، كقوله تعالى :﴿فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ﴾ [يوسف: ١٥] وأما الإذهاب فكالإزالة.
فإن قلت :﴿إِلاَّ أَن يَأْتِينَ﴾ [النساء: ١٩] ما هذا الاستثناء ؟ قلت : هو استثناء من أعم عام الظرف أو المفعول له، كأنه قيل : ولا تعضلوهن في جميع الأوقات إلا وقت أن يأتين بفاحشة. أو : ولا تعضلوهنّ لعلة من العلل إلا لأن يأتين بفاحشة.
فإن قلت : من أي وجه صح قوله :﴿فعسى أَن تَكْرَهُواْ﴾ جزاء للشرط ؟ قلت : من حيث أنّ المعنى : فإن كرهتموهن فاصبروا عليهن مع الكراهة، فلعل لكم فيما تكرهونه خيراً كثيراً ليس فيما تحبونه فإن قلت كيف استثنى ما قد سلف مما نكح آباؤكم ؟ قلت : كما استثنى ( غير أن سيوفهم ) من قوله :( ولا عيب فيهم ) يعني : إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف، فانكحوه، فلا يحل لكم غيره. وذلك غير ممكن. والغرض المبالغة في تحريمه وسدّ الطريق إلى إباحته، كما يعلق بالمحال في التأبيد نحو قولهم : حتى يبيض القار، وحتى يلج الجمل في سم الخياط.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى