اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ [ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾(١)
أمهات جمع أمِّ والهاء(٢) زائدةٌ في الجمع، فَرْقاً بَيْنَ العُقَلاَءِ وغيرهم، يُقَالُ في العُقَلاَءِ أمَّهَات، وفي غيرهم أمات كقوله :
وَأمَّاتِ أطْلاَءٍ صغار(٣) ***. . .
هذا هو المشهور، وقد يقال :" أمَّات " في العقلاء و " أمهات " في غيرهم، وقد جمع الشَّاعِرُ بين الاستعمالين في العُقَلاَءِ فقال :[ المتقارب ]
إذَا الأمَّهاتُ قَبَحْنَ الوُجُوهَفَرَجْتَ الظَّلاَمَ بِأُمَّاتِكَا(٤)
وقد سُمِعَ " أمهة " في " أم " بزيادَةِ هاء بعدها تاء تأنيث، قال :[ الرجز ]
أُمَّهَتي خِنْدَفٌ وَالْياسُ أبِي(٥) ***. . .
فعلى هذا يَجُوزُ أنْ تكون أمَّهات جمع " أمهة " المزيد(٦) فيها الهاء، والهاءُ قد أتَتْ زَائِدةً في مواضع قالوا : هِبْلَع، وهِجْزَع من البَلْعِ وَالجَزْع.
قوله :﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ عطف على ﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾ وبنَاتُ جمع بِنْتٍ، وَبِنْتٌ : تأنيث ابن، وتقدَّمَ الكلام عليه وعلى(٧) اشتقاقه ووزنه في البقرة في قوله :﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾[البقرة: ٤٠] إلا أنَّ أبَا البقاء(٨) حكى [ عن ](٩) الفرَّاءِ أنَّ " بَنَات " ليس جمعاً ل " بِنْتٍ "، يعني : بكسر البَاءِ بل جمع " بَنَة " يعني : بفتحها قال : وكُسِرَتِ الْبَاءِ تنبيهاً على المحذوف.
قال شهابُ الدِّينِ : هذا إنَّمَا يَجيءُ على اعتقادِ أنَّ لامها ياء، وقد تَقَدَّمَ الخلافُ في ذلك، وأنَّ الصَّحِيحَ أنَّهَا واو، وَحَكَى عن غيره أن أصلها :" بَنَوة " وعلى ذلك جَاءَ جمْعُهَا ومذكرها، وهو بنون، قال : وهو مذهب البصريين.
قال شهَابُ الدِّينِ(١٠) : لا خلاف بين القوْليْنِ في التَّحْقِيقِ ؛ لأنَّ من قال بنات جمعُ " بَنَة "، بفتح الباء، لا بدَّ وأن يعتقد أنَّ أصْلَهَا " بنوة "، حذفت لامها وعوّض عنها تاءُ التأنيث، والَّذي قال : بنات جمع " بنوة " لفظ بالأصْلِ فَلاَ خِلاف.
واعْلَمْ أنَّ تَاء " بِنْتٍ " وَ " أخْت " تاءُ تعويضٍ عن اللامِ المحذوفَةِ، كما تَقَدَّمَ تقريره، وليست للتَّأنِيثِ ؛ لوجهين :
أحدُهُما : أنَّ تَاءَ التَّأنيثِ يَلْزَمُ فتح ما قبلها لفظاً أوْ تقديراً : نحو : تَمْرَةٍ وفتاة، وهذه ساكنٌ ما قَبْلَهَا.
والثَّاني : أنَّ تَاءَ التأنيث تبدل في الوقف هاء، وهذه لا تُبْدَلُ، بل تُقَرُّ على حالها.
قال أبُو الْبَقَاءِ(١١) :" فإن قيل : لِمَ رُدَّ المحذوف في " أخوات " ولم يُرَدُّ في " بَنَات " ؟ قيل :[ حُمِلَ ](١٢) كلُّ واحد من الجَمْعَيْنِ على مذكَّرِهِ، فمذكر " بنات " لم يُرَدُّ إليه المحذوف بل قالوا فيه " بَنُون "، ومذكر " أخَوات " رُدَّ فيه محذوفه قالوا في جمع أخ، إخْوَة وإخوان ".
قال شهَابُ الدِّينِ(١٣) : وهذا الذي قاله ليس بشيء ؛ لأنَّهُ أخذ جمع التَّكسير وهو إخوة وإخوان مقابلاً ل " أخوات " جمع التَّصْحِيحِ، فقال(١٤) : رُدَّ في أخوات كما رُدَّ في إخوة، وهذا أيْضاً موجودٌ في بنات ؛ لأنَّ مذكَّره في التَّكسير رُدَّ إليه المحذوفُ قالوا : ابن وأبناء، ولمَّا جمعوا أخاً جمع السَّلامة قالوا فيه " أخُون " بالحذف، فردُّوا في تكسير ابن وأخ محذوفهما، ولم يَرُدُّوا في تصحيحهما، [ فبان ](١٥) فَسَادُ ما قال.

فصل :


اعلم أنَّ اللَّهَ تعالى نَصَّ على تحريم أرْبَعَةَ عَشَرَ صِنْفاً من النِّسْوَانِ، سبعة من جهة النَّسَبِ، وهُنَّ الأمَّهات [ والبنات، والأخوات، والعمات، والخالات، وبنات الأخ وبنات الأخت، وسبعة من غير النسب، وهن الأمهات المرضعات ](١٦) والأخوات من الرِّضاعة وأمهات النِّساء، وبنات النِّساء المدخُول بأمَّهاتِهِنَّ، وأزواج الأبْنَاءِ، وأزواج الآباء، وقد ذُكِرُوا في الآية المتقدمة، والجمع بين الأختين.

فصل


قال الكرخِيُّ(١٧) : هذه الآية مجملة ؛ لأنَّهُ أضيفَ التَّحريم فيها إلى الأمَّهاتِ والبنات، والتحريم لا يمكن إضافَتُه إلى الأعْيَانِ، وإنَّمَا يضاف إلى الأفْعالِ، وذلك الفعل غير مذكُورٍ في الآية فليس إضافة هذا التحريم إلى بعض الأفْعالِ التي لا يمكن إيقاعها في ذوات الأمهات والبنات أوْلى من بعض، فصارت الآية مجملة على هذا الوجه.
قال ابن الخطيب(١٨) : والجواب من وجهين :
الأول : أنَّ تقديمَ قوله ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ يدل على أنَّ المراد من قوله :﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ تحريم(١٩) نكاحهن.
الثاني : أنَّ من المعلوم بالضَّرُورَةِ من دين مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّ المراد منه تحريم نكاحِهِنَّ، والأصل فيه أن الحرمة والإباحة إذا أضيفتا إلى الأعيان فالمراد تحريم الفعل المطلوب منها في العرف فإذا قيل ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ فهم كل أحد أنَّ المراد تحريم نكاحهن، ولما قال عليه السَّلام " لا يحل دم امرئ مُسْلِمٍ إلاَّ بإحدى ثلاث " (٢٠) فهم كل أحد أنَّ المراد لا يحلُّ إراقة دمه وَإذَا كان ذلك معلوماً بالضَّرُورَةِ، كان إلْقَاءُ الشُّبهات فيها جارياً مَجْرَى القَدْحِ في البديهيَّاتِ وشبه السُّفُسْطَائِيَّةِ.
بلى عندي فيه بحثٌ من وجوه أخرى(٢١) :
أحدها : أن قوله :﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ مذكور على ما لَمْ يُسَمَّ فاعله، فليس فيه تصريح بأنَّ فَاعِلَ هذا التحريم هو اللَّهُ تعالى، وما لم يَثْبُتْ ذلك لم تُفِد الآية شيئاً آخر، ولا سبيل إليه إلا بإجماع، فهذه الآيةُ وحدها لا تفيد شيئاً، بل لا بد معها من الإجماع على هذه المقدمة.
وثانيها : أنَّ قوله تعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ [ ليس ](٢٢) نصاً في ثبوت التحريم على سبيل التأبيد فَإنَّ القدر المذكور في الآية يمكن تقسيمه إلى المُؤقَّتِ، فإنَّهُ يقال تارة ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ مؤقتاً " وحرمت عليكم [ أمهاتكم ](٢٣) " مؤبداً، وإذا كان ذلك صالحاً للتَّقْسِيمِ لم يكن نصاً في التَّأبيد فإذنْ لا يُسْتَفاد التأبيد إلاَّ من دليل منفصل.
وثالثها : أنَّ قوله :﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ إخبار عن ثبوت هذا التحريم في الماضي، وظاهر اللفظ غير متناول للحاضر والمستقبل، فلا يعرف ذلك إلاَّ بدليل منفصل.
ورابعها : أنَّ هذه ظاهر قوله ﴿حرمت عليكم [ أمهاتكم ](٢٤) يقتضي أنَّهُ قد حرَّم على كُلِّ أحدٍ جميع أمَّهَاتِهم، وجميع بَنَاتِهِمْ، ومعلوم أنَّه ليس كذلك، بل المقصود أنه تعالى قابل الدمع بالجمع، فيقتضي مقابلة الفَرْدِ بالفَرْدِ، فَهَذَا يقتضي أن الله تعالى قَدَّ حرَّمَ على كُلِّ أحَدٍ أمّه خاصة، وأخته(٢٥) خاصة، وهذا فيه نوع عدول عن الظاهر.
خامسها : أنَّ قوله :﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ يشعر ظاهره بسبق الحل، إذ لو كَانَ أبداً موصوفاً بالحرمة، لكان قوله ﴿حُرِّمَتْ﴾ تحريماً لما هو في نفسه حرام، فيكونُ ذلك إيْجَاد الموجود، وهو محالٌ ؛ فثبت أنَّ المراد من قوله :﴿حُرِّمَتْ﴾ ليس تجديد التحريم، حتى يلزم الإشكال، بل المراد الإخْبَار عن حُصُولِ التحريم فثبت بهذه الوجوه أن ظاهر الآية وحده غير كاف في ثبوت المطلوب.

فصل [ حرمة الأمهات ثابتة من زمن آدم ]


حرمة الأمهات والبنات كانت ثابتة من زمن آدم - عليه السلام - إلى زماننا ولم يثبت حل نكاحهن في شيء من الأدْيَان الإلهيَّة إلا ما نقل عن زرادشت رسول المجوس أنَّهُ قال بحله، وأكثر المسلمين اتفقوا على أنَّهُ كان كذاباً، وأما نكاح الأخَوَاتِ فقد نُقِلَ : أنَّهُ كان مُبَاحاً في زَمَنِ آدم عليه السلام، وَإنَّمَا أبَاحَهُ الله للضرورة، وأنكر بَعْضُهُمْ ذلك، وقال : إنَّهُ تعالى كان يَبْعَثُ الجواري من الجنَّةِ ليتزوّج بهنَّ أبناء آدم عليه السَّلامِ، ويبعث أيضاً لبنات آدم من يتزوج بهن من الحور، وهذا بعيد ؛ لأنَّهُ إذا كان زوجات أبنائه وأزواج بناته من الجنة فحينئذٍ لا يكون هذا النسل من أوْلادِ آدم فقط، وذلك باطل بالإجماع.

فصل [ سبب التحريم ]


ذكر العلماءُ أنَّ سبب التحريم منه أنَّ الوطءَ إذلالٌ وإهانةٌ، فإنَّ الإنسان يستحي من ذكره، ولا يقدمُ عليه إلاَّ في الموضع الخالي، وأكثر أنواع الشتم لا يكون إلا بذكره، وإذَا كان الأمر كَذَلِكَ ؛ وَجَبَ صونُ الأمَّهات [ عنه ؛ لأنَّ إنعام الأم ](٢٦) على الولد أعظم وجوه الإنعام ؛ فوجب صونُهَا عن هذا الإذلاَلِ، والبنتُ بمنزلة جزء من الإنسان وبعض منه، قال عليه السَّلام :" فَاطِمَةُ بضْعَةٌ مِنِّي " فيجبُ صونها عن هذا الإذلال، وكذا القول في البقية.

فصل


كلُّ امرأةٍ يرجع نسبك إلَيْهَا بالولادة من جهة أبيك أو من جهة أمِّكَ بدرجة أو درجات سواءَ رجعت إليها بذكور، أو بإناث فهي أمُّك، ثمَّ هنا بحث، وهو أنَّ لفظ الأم إن كان حقيقة في الأم الأصلية وفي الجدات، فَإمَّا أنْ يكون لفظ الأمّ متواطئاً أو مشتركاً فإن كان متواطئاً أعْنِي أن يكون موضوعاً بإزَاءِ قَدْرٍ مُشْتَركٍ بين الأمّ الأصليَّة، وبين سائر الجدّات، فتكون الآية نَصاً في تحريم الأمِّ الأصليَّة وفي الجدَّات، وأمَّا إن كان لفظ " الأمّ " مشتركاً في الأم الأصليَّة وفي الجدّات فهذا تفريع على أنَّ اللَّفظ المشترك بين أمرين هل يجوزُ استعماله فيهما معاً أم لا ؟ فمن جَوَّزَهُ حمل اللَّفظ هنا على الكُلِّ، [ وحينئذ يكون تحريم الجدات منصوصاً عليه، ومنهم ](٢٧) من لم يجوزه، والقائلون بذلك لهم طريقان في هذا الوَضْعِ :
أحدُهُما : أنَّ لفظ الأمِّ إنْ أُريد به ههنا الأم الأصليَّة فتحريمُ نكاحها هنا مستفادٌ بالنصّ، وَأمَّا تحريمُ نكاح الجدَّاتِ فَمُسْتَفادٌ مِنَ الإجماع(٢٨).
الثاني : أنَّهُ تعالى تكلم بهذه الآية مرَّتين، يريدُ في كلِّ مرَّةٍ مفهوماً آخر.
وَإنْ كان لفظ " الأمِّ " حقيقة في الأمّ الأصليَّة، مجازاً في الجدَّات، فقد ثبت أنَّهُ لا يَجُوزُ استعمال اللَّفْظِ الوَاحِدِ دفعةً واحدةً في حقيقته ومجازه معاً، وحينئذٍ يرجع الطريقان المذكوران [ للأول ](٢٩)، وَكُلُّ أنثى(٣٠) رجع نسبها إليك بالولادة بدرجة أو بدرجات، بإنَاثٍ، أو بِذُكُورٍ، فهي بنتُكَ، وهل بِنْتُ الابْنِ وبِنْتُ البِنْتِ تسمّى هنا حقيقة أوْ مجازاً ؟ فيه البحث كما في الأمِّ.

فصل هل زواج الرجل بأمه يوجب الحد


قال الشَّافِعِيّ : إذا تزوَّج الرَّجُل بأمِّهِ ودخل بها، لزمه الح
١ سقط في ب..
٢ في أ: فإنها..
٣ ينظر: الدر المصون ٢/٣٤٠..
٤ البيت لمروان بن الحكم ينظر المقتضب ٣/١٦٩ وشرح المفصل لابن يعيش ١٠/٣ والهمع ١/٢٣ والدرر ١/٦ وشواهد الشافية ٣٠٨ واللسان (أمم) ورصف المباني ص ٤٠١ وسر صناعة الإعراب ٢/٥٦٤ والدر المصون ٣/٣٤١..
٥ البيت لقصي بن كلاب. ينظر المحتسب ٢/٢٣٤ والخزانة ٣/٣٠٦ وشرح المفصل لابن يعيش ١٠/٣ والدرر ١/٥ والهمع ١/٢٣ والدر المصون ٢/٣٤١..
٦ في ب: ألم تر..
٧ في ب: قال..
٨ ينظر: الإملاء ١/١٧٤..
٩ سقط في ب..
١٠ ينظر: الدر المصون ٢/٣٤١..
١١ ينظر: الإملاء ١/١٧٤..
١٢ سقط في ب..
١٣ ينظر: الدر المصون ٢/٣٤١..
١٤ في ب: فقالوا..
١٥ سقط في ب..
١٦ سقط في أ..
١٧ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٢١..
١٨ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٢١..
١٩ في ب: المراد تحريم..
٢٠ أخرجه البخاري (١٢/٢٠٩) كتاب الديات: باب قول الله تعالى: ﴿أن النفس بالنفس﴾ حديث (٦٨٧٨) ومسلم (٣/١٣٠٢) كتاب القسامة: باب ما يباح به دم المسلم..
٢١ في ب: آخر..
٢٢ سقط في أ..
٢٣ سقط في ب..
٢٤ سقط في ب..
٢٥ في ب: وبنته..
٢٦ سقط في أ..
٢٧ سقط في أ..
٢٨ هو لغة يطلق بمعنيين: أحدهما: العزم على الشيء والإمضاء، ومنه قوله تعالى: ﴿فأجمعوا أمركم﴾ [سورة يونس: ٧١] أي: اعزموا، وقوله عليه السلام: لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل، ونقض ابن العارض المعتزلي هذا بأن إجماع الأمة يتعدى بـ (على)، والإجماع بمعنى العزيمة وقطع الرؤية لا يتعدى بـ (على).
وحكى ابن فارس في "المقاييس" أجمعت على الأمر، إجماعا وأجمعته، نعم، تعديته بنفسه أفصح.
والثاني: الاتفاق، ومنه أجمع القوم: إذا صاروا ذوي جمع. قال الفارسي: كما يقال: ألبن وأتمر، إذا صار ذا لبن وتمر.
وحكى عبد الوهاب في "الملخص" عن قوم: منع كونه بمعنى الإجماع كما ظنه ظانون لتغايرهما؛ إذ يصح من الواحد أن يقول: أجمعت رأيي على كذا، أي عزمت عليه، ولا يصح الإجماع إلا من اثنين، والصحيح هو الأول. ثم قال الغزالي: هو مشترك بينهما. وقال القاضي: العزم يرجع إلى الاتفاق؛ لأن من اتفق على شيء فقد عزم عليه. وقال ابن برهان وابن السمعاني: الأول أشبه باللغة، والثاني أشبه بالشرع. قالا: وتظهر فائدتهما في أن الإجماع من الواحد هل يصح؟ فعلى المعنى الأول ـ لا يصح إلا من جماعة، وعلى المعنى الثاني ـ يصح الإجماع من الواحد.
وأما في الاصطلاح: فهو اتفاق مجتهدي أمة محمد ـ ﷺ ـ بعد وفاته في حادثة على أمر من الأمور في عصر من الأعصار.
فخرج اتفاق العوام، فلا عبرة بوفاقهم ولا خلافهم، ويخرج أيضا، اتفاق بعض المجتهدين. وبالإضافة إلى "أمة محمد" خرج اتفاق الأمم السابقة. وإن قيل: بأنه حجة على رأي، لكن الكلام في الإجماع الذي هو حجة.
وقولنا: "بعد وفاته" قيد لابد منه على رأيهم، فإن الإجماع لا ينعقد في زمانه ـ عليه السلام ـ كما سنذكره.
وخرج بالحادثة انعقاد الإجماع على الحكم الثابت بالنص والعمل به، وقولنا: "على أمر من الأمور" يتناول الشرعيات والعقليات والعرفيات واللغويات.
وقولنا: "في عصر من الأعصار" ليرفع وهم من يتوهم أن المراد بالمجتهدين من يوجد إلى يوم القيامة. وهذا التوهم باطل: فإنه يؤدي إلى عدم تصور الإجماع، والمراد بالعصر هنا: من كان من أهل الاجتهاد في الوقت الذي حدثت فيه المسألة، وظهر الكلام فيها ـ فهو من أهل ذلك العصر، ومن بلغ هذا بعد حدوثها فليس من أهل ذلك العصر.
هكذا ذكره الإمام محمد القاسم الزجاج في كتابه: "البيان عن أصول الفقه".
ينظر: البرهان لإمام الحرمين ١/٦٧٠، البحر المحيط للزركشي ٤/٤٣٥، الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ١/١٧٩، سلاسل الذهب للزركشي ص ٣٣٧، التمهيد للإسنوي ص ٤٥١، نهاية السول له ٣/٢٣٧، زوائد الأصول له ص ٣٦٢، منهاج العقول للبدخشي ٢/٣٧٧، غاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ص ٢٠٩، التحصيل من المحصول للأرموي ٢/٣٧؛ المنخول للغزالي ص ٣٠٣، المستصفى له ١/١٧٣، حاشية البناني ٢/١٧٦، الإبهاج لابن السبكي ٢/٣٤٩، الآيات البينات لابن قاسم العبادي ٣/٢٨٧، حاشية العطار على جمع الجوامع ٢/٢٠٩، المعتمد لأبي الحسين ٢/٣، إحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي ص ٤٣٥، التحرير لابن الهمام ص ٣٩٩، تيسير التحرير لأمير بادشاه ٣/٢٢٤، التقرير والتحبير لابن أمير الحاج ٣/١٨٠، حاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/٣٤، شرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ٢/٤١، حاشية نسمات الأسحار لابن عابدين ص ٢٠٩، شرح المنار لابن ملك ص ٩٩، الوجيز للكراماستي ص ٦١، تقريب الوصول لابن جزي ص ١٢٩، إرشاد الفحول للشوكاني ص ٧١، شرح مختصر المنار للكوراني ص ٩٩، نشر البنوذ للشنقيطي ٢/٧٤، شرح الكوكب المنير للفتوحي ص ٢٢٥..

٢٩ سقط في أ..
٣٠ في أ: التي..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى