روح المعاني — الألوسي
عن الكتاب
﴿حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وَبَنَاتُ الاخ وَبَنَاتُ الاخت﴾ ليس المراد تحريم ذاتهن لأن الحرمة وأخواتها إنما تتعلق بأفعال المكلفين، فالكلام على حذف مضاف بدلالة العقل، والمراد تحريم نكاحهن لأنه معظم ما يقصد منهن ولأنه المتبادر إلى الفهم ولأن ما قبله وما بعده في النكاح، ولو لم يكن المراد هذا كأن تخلل أجنبي بينهما من غير نكتة فلا إجمال في الآية خلافاً للكرخي، والجملة إنشائية وليس المقصود منها الإخبار عن التحريم في الزمان الماضي ؛ وقال بعض المحققين : لا مانع من كونها إخبارية والفعل الماضي فيها مثله في التعاريف نحو الاسم ما دل على معنى في نفسه ولم يقترن بأحد الأزمنة، والفعل ما دل واقترن، فإنهم صرحوا أن الجملة الماضوية هناك خبرية وإلا لما صح كونها صلة الموصول مع أنه لم يقصد من الفعل فيها الدلالة على الزمان الماضي فقط، وإلا للزم أن يكون حال المعرف في الزمان الحال والمستقبل ليس ذلك الحال، وبنى الفعل لما لم يسم فاعله لأنه لا يشتبه أن المحرم هو الله تعالى.
و ﴿أمهاتكم﴾ تعم الجدات كيف كنّ إذ الأم هي الأصل في الأصل كأم الكتاب وأم القرى فتثبت حرمة الجدات بموضوع اللفظ وحقيقته لأن الأم على هذا من قبيل المشكك، وذهب بعضهم إلى أن إطلاق الأم على الجدة مجاز، وأن إثبات حرمة الجدات بالإجماع، والتحقيق أن الأم مراد به الأصل على كل حال لأنه إن استعمل فيه حقيقة فظاهر، وإلا فيجب أن يحكم بإرادته مجازاً فتدخل الجدات في عموم المجاز والمعرف لإرادة ذلك في النص الإجماع على حرمتهن.
والمراد بالبنات من ولدتها أو ولدت من ولدها ؛ وتسمية الثانية بنتاً حقيقة باعتبار أن البنت يراد به الفرع كما قيل به فيتناولها النص حقيقة أو مجازاً عند البعض، أو عند الكل، ومن منع إطلاق البنت على الفرع مطلقاً قال : إن ثبوت حرمة بنات الأولاد بالإجماع، وقد يستدل على تحريم الجدات وبنات الأولاد بدلالة النص المحرم للعمات والخالات وبنات الأخ والأخت، ففي الأول : لأن الأشِقّاءَ منهن أولاد الجدات فتحريم الجدات وهن أقرب أولى، وفي الثاني : لأن بنات الأولاد أقرب من بنات الأخوة، ثم ظاهر النص يدل على أنه يحرم للرجل بنته من الزنا لأنها بنته، والخطاب إنما هو باللغة العربية ما لم يثبت نقل كلفظ الصلاة ونحوه فيصير منقولاً شرعياً، وفي ذلك خلاف الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه فقد قال : إن المخلوقة من ماء الزنا تحل للزاني لأنها أجنبية عنه إذ لا يثبت لها توارث ولا غيره من أحكام النسب، ولقوله ﷺ :«الولد للفراش » وهو يقتضي حصر النسب في الفراش.
وقال بعض الشافعية : تحرم إن أخبره نبي كعيسى عليه السلام وقت نزوله بأنها من مائه، ورد عليه بأن الشارع قطع نسبها عنه كما تقرر فلا نظر لكونها من ماء سفاحه، واعترضوا على القائلين بالحرمة بأنهم إما أن يثبتوا كونها بنتاً له بناءاً على الحقيقة لكونها مخلوقة من مائه، أو بناءاً على حكم الشرع، والأول : باطل على مذهبهم طرداً وعكساً، أما الأول : فلأنه لو اشترى بكراً وافتضها وحبسها إلى أن تلد فهذا الولد مخلوق من مائه بلا شبهة مع أنه لا يثبت نسبه إلا عند الاستلحاق، وأما الثاني : فلأن المشرقي لو تزوج مغربية وحصل هناك ولد منها مع عدم اجتماعها مع زوجها وحيلولة ما بين المشرق والمغرب بينهما فإنه يثبت النسب مع القطع بأنه غير مخلوق من مائه، والثاني : باطل بإجماع المسلمين على أنه لا نسب لولد الزنا من الزاني ولو انتسب إليه وجب على القاضي منعه، وأجيب باختيار الشق الأول إذ لا خلاف بين أهل اللسان في أن المخلوقة من ماء إنسان بنته سواء كان ذلك الماء ماءً حلال أو سفاح والجزئية ثابتة في الصورتين، والظاهر أنها هي مبدأ حرمة النكاح، ألا ترى كيف حرم على المرأة ولدها من الزنا إجماعاً، والتفرقة بين المسألتين بأن الولد في المسألة الثانية بعضها، وانفصل منها إنساناً، ولا كذلك البنت في المسألة الأولى لأنها انفصلت منه منياً لا تفيد سوى أن البعضية في المسألة الثانية أظهر، وأما إنها تنفي البعضية في المسألة الأولى فلا لأنهم يطلقون البضعة وهي تقتضي البعضية على الولد المنفصل منياً من أبيه، فيقولون : فلان بضعة وفلانة بضعة من فلان، وإنكار وجود الجزئية في المسألتين مكابرة، وعدم ثبوت التوارث مثلاً بين المخلوقة من ماء الزنا وصاحب الماء ليس لعدم الجزئية وكونها ليست بنته حقيقة بل للإجماع على ذلك، ولولاه لورثت كما يرث ولد الزنا أمه. وما ذكر في بيان إبطال الطرد من أنه لو اشترى بكراً فافتضها وحبسها فولدت فالولد مخلوق من مائه قطعاً مع أنه لا يثبت نسبه إلا بالاستلحاق أخذه من قول الفقهاء في الأمة إذا ولدت عند المولى أنه لا يثبت نسب ولدها منه إلا أن يعترف به، ولا يكفي أنه وطأها فولدت، لكن في «الهداية » وغيرها إن هذا حكم، فأما الديانة بينه وبين الله تعالى فالمروى عن أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه أنه إن كان حين وطئها لم يعزل عنها وحصنها عن مظان ريبة الزنا يلزمه من قبل الله تعالى أن يدعيه بالإجماع لأن الظاهر والحال هذه كونه منه، والعمل بالظاهر واجب، وإن كان عزل عنها حصنها أولاً أو لم يعزل.
ولكن لم يحصنها فتركها تدخل وتخرج بلا رقيب مأمون جاز له أن ينفيه لأن هذا الظاهر وهو كونه منه بسبب أن الظاهر عدم زنا المسلمة يعارضه ظاهر آخر وهو كونه من غيره لوجود أحد الدليلين على ذلك، وهما العزل أو عدم التحصين، وفيه روايتان أخريان عن أبي يوسف ومحمد ذكرهما في «المبسوط » فقال : وعن أبي يوسف إذا وطئها ولم يستبرئها بعد ذلك حتى جاءت بولد فعليه أن يدعيه سواء عزل عنها أو لم يعزل حصنها أو لم يحصنها تحسيناً للظن بها وحملاً لأمرها على الصلاح ما لم يتبين خلافه، وهذا كمذهب الجمهور لأن ما ظهر بسببه يكون حالاً به عليه حتى يتبين خلافه وعن محمد لا ينبغي أن يدعي ولدها إذا لم يعلم أنه منه ولكن ينبغي أن يعتق الولد، وفي «الإيضاح » ذكرهما بلفظ الاستحباب، فقال : قال أبو يوسف : أحب أن يدعيه، وقال محمد : أحب أن يعتق الولد، وقال في «الفتح » بعد كلام : وعلى هذا ينبغي أن لو اعترف فقال : كنت أطأ لقصد الولد عند مجيئها بالولد أن يثبت نسب ما أتت به وإن لم يقل هو ولدي لأن ثبوته بقوله : هو ولدي بناءاً على أن وطأه حينئذ لقصد الولد، وعلى هذا قال بعض فضلاء الدرس : ينبغي أنه لو أقرّ أنه كان لا يعزل عنها وحصنها أن يثبت نسبه من غير توقف دعواه، وإن كنا نوجب عليه في هذه الحالة الاعتراف به فلا حاجة إلى أن نوجب عليه الاعتراف ليعترف فيثبت نسبه بل يثبت نسبه ابتداءاً، وأظن أن لا بعد في أن يحكم على المذهب بذلك انتهى، وفي «المبسوط » أنه إذا تطاول الزمان ألحق به لأن التطاول دليل إقراره لأنه يوجد منه حينئذ ما يدل على الإقرار من قبول التهنئة ونحوه فيكون كالتصريح بإقراره.
ومن مجموع ما ذكر يعلم ما في كلام المعترض، وأن للخصم عدم تسليمه لكن ذكر في «البحر » متعقباً : ظن بعض الفضلاء أنه لا يصح أن يحكم على المذهب به لتصريح أهله بخلافه، ونقل نص «البدائع » في ذلك، ثم قال فإن أراد الثبوت عند القاضي ظاهراً فقد صرحوا أنه لا بد من الدعوة مطلقاً، وإن أراد فيما بينه وبين الله تعالى فقد صرح في «الهداية » وغيرها بأن ما ذكرناه من اشتراط الدعوة إنما هو في القضاء إلى آخر ما ذكرناه لكن في «المجتبى » لا يصح إعتاق المجنون وتدبيره ويصح استيلاده، فهذا إن صح يستثنى من الحكم وهو مشكل انتهى، وعلى هذا يقال في المسألة التي ذكرها المعترض : المولود ولد للمولى في نفس الأمر لأنه مخلوق من مائة وولد الزنا كذلك وزيادة حيث انضم إلى ذلك الإقرار، والله سبحانه جعل مناط الحرمة البنوة وهي متحققة في مسألتنا فكيف يحل النكاح في نفس الأمر، وعدم ثبوت التوارث ونحوه كما قلنا كان إجماعاً، وعدم الاستلحاق قضاءاً إلا بالدعوى أمر آخر وراء تحقق البنوة في نفس الأمر فكم متحقق في نفس الأمر لا يقضى به وكم مقضى به غير متحقق في نفس الأمر كما في خبر الفرس التي اشتراها رسول الله ﷺ من الأعرابي وشهد له خزيمة لما أنكر الأعرابي البيع وقد حقق الكلام في بحث الاستيلاد في «فتح القدير » وغيره من مبسوطات كتب القوم، وما ذكر في إبطال العكس من مسألة تزوج المشرقي بمغربية فلا نسلم القطع فيها بأن الولد ليس مخلوقاً من مائه لثبوت كرامات الأولياء والاستخدامات فيتصور أن يكون الزوج صاحب خطوة أو جني، وأنه ذهب إلى المغرب فجامعها، ولولا قيام هذا الاحتمال مع قيام النكاح لم يلحق الولد به، ألا ترى كيف قال الأصحاب : لو جاءت امرأة الصبي بولد لم يثبت نسبه منه لعدم تصور ذلك هناك والتصور شرط، وقيام الفراش وحده غير كاف على الصحيح، ولعل اعتبار هذه البنوة قضاءاً وإلا فحيث لم يكن الولد مخلوقاً من مائه لا يقال له ولد الزوج في نفس الأمر وإنما اعتبروا ذلك مع ضعف الاحتمال ستراً للحرائر وصيانة للولد عن الضياع، وقريب من هذا ما ذهب إليه الشافعي ومالك وأحمد رحمهم الله تعالى في باب الاستيلاد أن الجارية إذا ولدت يثبت نسب الولد من المولى إذا أقر بوطئها مع العزل كما يثبت مع عدم العزل بل لو وطئها في دبرها يلزمه الولد عند مالك ومثله عن أحمد، وهو وجه مضعف للشافعية، وقيل : إن بين هذه المسألة ومسألة تزويج المشرقي بمغربية بعداً كبعد ما بين المشرق والمغرب لأن الوطء هنا متحقق في الجملة من غير حاجة إلى قطع براري وقفار ولا كذلك هناك والله تعالى أعلم.
والبنات جمع بنت في المشهور وصحح أن لامها واو كأخت وإنما رد المحذوف في أخوات ولم يرد في بنات حملاً لكل واحد من الجمعين على مذكره، فمذكر بنات لم يرد إليه المحذوف بل قالوا فيه بنون، ومذكر أخوات رد فيه محذوفه فقالوا في جمع أخ : إخوة وأخوات، وقد نظم الدنوشري السؤال فقال :
وقد أجاب هو رحمه الله تعالى عن ذلك بقوله :
وقال أبو البقاء : التاء فيها ليست لتأنيث لأن تاء للتأنيث لا يسكن ما قبلها، وتقلب هاءاً في الوقف فبنات ليس بجمع بنت بل بنه، وكسرت الباء تنبيهاً على المحذوف قاله الفراء، وقال غيره : أصلها الفتح وعلى ذلك جاء جمعها، ومذكرها وهو بنون، وإلى ذلك ذهب البصريون، وأما أخت فالتاء فيها بدل من الواو لأنها من الأخوة، والأخوات ينتظمن الأخوات من الجهات الثلاث، وكذا الباقيات لأن الاسم يشمل الكل ويدخل في العمات والخالات أولاد الأجداد والجدات وإن علوا، وكذا عمة جده وخالته وعمة جدته وخالاتها لأب وأم أو لأب أو لأم وذلك كله بالإجماع، وفي «الخانية » وعمة العمة لأب وأم أو لأب كذلك، وأما عمة العمة لأم فلا تحرم، وفي «المحيط » : وأما عمة العمة فإن كانت العمة القربى عمة لأب وأم أو لأب فعمة العمة حرام لأن القربى إذا كانت أخت أبيه لأب وأم أو لأب فإن عمتها تكون أخت
و ﴿أمهاتكم﴾ تعم الجدات كيف كنّ إذ الأم هي الأصل في الأصل كأم الكتاب وأم القرى فتثبت حرمة الجدات بموضوع اللفظ وحقيقته لأن الأم على هذا من قبيل المشكك، وذهب بعضهم إلى أن إطلاق الأم على الجدة مجاز، وأن إثبات حرمة الجدات بالإجماع، والتحقيق أن الأم مراد به الأصل على كل حال لأنه إن استعمل فيه حقيقة فظاهر، وإلا فيجب أن يحكم بإرادته مجازاً فتدخل الجدات في عموم المجاز والمعرف لإرادة ذلك في النص الإجماع على حرمتهن.
والمراد بالبنات من ولدتها أو ولدت من ولدها ؛ وتسمية الثانية بنتاً حقيقة باعتبار أن البنت يراد به الفرع كما قيل به فيتناولها النص حقيقة أو مجازاً عند البعض، أو عند الكل، ومن منع إطلاق البنت على الفرع مطلقاً قال : إن ثبوت حرمة بنات الأولاد بالإجماع، وقد يستدل على تحريم الجدات وبنات الأولاد بدلالة النص المحرم للعمات والخالات وبنات الأخ والأخت، ففي الأول : لأن الأشِقّاءَ منهن أولاد الجدات فتحريم الجدات وهن أقرب أولى، وفي الثاني : لأن بنات الأولاد أقرب من بنات الأخوة، ثم ظاهر النص يدل على أنه يحرم للرجل بنته من الزنا لأنها بنته، والخطاب إنما هو باللغة العربية ما لم يثبت نقل كلفظ الصلاة ونحوه فيصير منقولاً شرعياً، وفي ذلك خلاف الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه فقد قال : إن المخلوقة من ماء الزنا تحل للزاني لأنها أجنبية عنه إذ لا يثبت لها توارث ولا غيره من أحكام النسب، ولقوله ﷺ :«الولد للفراش » وهو يقتضي حصر النسب في الفراش.
وقال بعض الشافعية : تحرم إن أخبره نبي كعيسى عليه السلام وقت نزوله بأنها من مائه، ورد عليه بأن الشارع قطع نسبها عنه كما تقرر فلا نظر لكونها من ماء سفاحه، واعترضوا على القائلين بالحرمة بأنهم إما أن يثبتوا كونها بنتاً له بناءاً على الحقيقة لكونها مخلوقة من مائه، أو بناءاً على حكم الشرع، والأول : باطل على مذهبهم طرداً وعكساً، أما الأول : فلأنه لو اشترى بكراً وافتضها وحبسها إلى أن تلد فهذا الولد مخلوق من مائه بلا شبهة مع أنه لا يثبت نسبه إلا عند الاستلحاق، وأما الثاني : فلأن المشرقي لو تزوج مغربية وحصل هناك ولد منها مع عدم اجتماعها مع زوجها وحيلولة ما بين المشرق والمغرب بينهما فإنه يثبت النسب مع القطع بأنه غير مخلوق من مائه، والثاني : باطل بإجماع المسلمين على أنه لا نسب لولد الزنا من الزاني ولو انتسب إليه وجب على القاضي منعه، وأجيب باختيار الشق الأول إذ لا خلاف بين أهل اللسان في أن المخلوقة من ماء إنسان بنته سواء كان ذلك الماء ماءً حلال أو سفاح والجزئية ثابتة في الصورتين، والظاهر أنها هي مبدأ حرمة النكاح، ألا ترى كيف حرم على المرأة ولدها من الزنا إجماعاً، والتفرقة بين المسألتين بأن الولد في المسألة الثانية بعضها، وانفصل منها إنساناً، ولا كذلك البنت في المسألة الأولى لأنها انفصلت منه منياً لا تفيد سوى أن البعضية في المسألة الثانية أظهر، وأما إنها تنفي البعضية في المسألة الأولى فلا لأنهم يطلقون البضعة وهي تقتضي البعضية على الولد المنفصل منياً من أبيه، فيقولون : فلان بضعة وفلانة بضعة من فلان، وإنكار وجود الجزئية في المسألتين مكابرة، وعدم ثبوت التوارث مثلاً بين المخلوقة من ماء الزنا وصاحب الماء ليس لعدم الجزئية وكونها ليست بنته حقيقة بل للإجماع على ذلك، ولولاه لورثت كما يرث ولد الزنا أمه. وما ذكر في بيان إبطال الطرد من أنه لو اشترى بكراً فافتضها وحبسها فولدت فالولد مخلوق من مائه قطعاً مع أنه لا يثبت نسبه إلا بالاستلحاق أخذه من قول الفقهاء في الأمة إذا ولدت عند المولى أنه لا يثبت نسب ولدها منه إلا أن يعترف به، ولا يكفي أنه وطأها فولدت، لكن في «الهداية » وغيرها إن هذا حكم، فأما الديانة بينه وبين الله تعالى فالمروى عن أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه أنه إن كان حين وطئها لم يعزل عنها وحصنها عن مظان ريبة الزنا يلزمه من قبل الله تعالى أن يدعيه بالإجماع لأن الظاهر والحال هذه كونه منه، والعمل بالظاهر واجب، وإن كان عزل عنها حصنها أولاً أو لم يعزل.
ولكن لم يحصنها فتركها تدخل وتخرج بلا رقيب مأمون جاز له أن ينفيه لأن هذا الظاهر وهو كونه منه بسبب أن الظاهر عدم زنا المسلمة يعارضه ظاهر آخر وهو كونه من غيره لوجود أحد الدليلين على ذلك، وهما العزل أو عدم التحصين، وفيه روايتان أخريان عن أبي يوسف ومحمد ذكرهما في «المبسوط » فقال : وعن أبي يوسف إذا وطئها ولم يستبرئها بعد ذلك حتى جاءت بولد فعليه أن يدعيه سواء عزل عنها أو لم يعزل حصنها أو لم يحصنها تحسيناً للظن بها وحملاً لأمرها على الصلاح ما لم يتبين خلافه، وهذا كمذهب الجمهور لأن ما ظهر بسببه يكون حالاً به عليه حتى يتبين خلافه وعن محمد لا ينبغي أن يدعي ولدها إذا لم يعلم أنه منه ولكن ينبغي أن يعتق الولد، وفي «الإيضاح » ذكرهما بلفظ الاستحباب، فقال : قال أبو يوسف : أحب أن يدعيه، وقال محمد : أحب أن يعتق الولد، وقال في «الفتح » بعد كلام : وعلى هذا ينبغي أن لو اعترف فقال : كنت أطأ لقصد الولد عند مجيئها بالولد أن يثبت نسب ما أتت به وإن لم يقل هو ولدي لأن ثبوته بقوله : هو ولدي بناءاً على أن وطأه حينئذ لقصد الولد، وعلى هذا قال بعض فضلاء الدرس : ينبغي أنه لو أقرّ أنه كان لا يعزل عنها وحصنها أن يثبت نسبه من غير توقف دعواه، وإن كنا نوجب عليه في هذه الحالة الاعتراف به فلا حاجة إلى أن نوجب عليه الاعتراف ليعترف فيثبت نسبه بل يثبت نسبه ابتداءاً، وأظن أن لا بعد في أن يحكم على المذهب بذلك انتهى، وفي «المبسوط » أنه إذا تطاول الزمان ألحق به لأن التطاول دليل إقراره لأنه يوجد منه حينئذ ما يدل على الإقرار من قبول التهنئة ونحوه فيكون كالتصريح بإقراره.
ومن مجموع ما ذكر يعلم ما في كلام المعترض، وأن للخصم عدم تسليمه لكن ذكر في «البحر » متعقباً : ظن بعض الفضلاء أنه لا يصح أن يحكم على المذهب به لتصريح أهله بخلافه، ونقل نص «البدائع » في ذلك، ثم قال فإن أراد الثبوت عند القاضي ظاهراً فقد صرحوا أنه لا بد من الدعوة مطلقاً، وإن أراد فيما بينه وبين الله تعالى فقد صرح في «الهداية » وغيرها بأن ما ذكرناه من اشتراط الدعوة إنما هو في القضاء إلى آخر ما ذكرناه لكن في «المجتبى » لا يصح إعتاق المجنون وتدبيره ويصح استيلاده، فهذا إن صح يستثنى من الحكم وهو مشكل انتهى، وعلى هذا يقال في المسألة التي ذكرها المعترض : المولود ولد للمولى في نفس الأمر لأنه مخلوق من مائة وولد الزنا كذلك وزيادة حيث انضم إلى ذلك الإقرار، والله سبحانه جعل مناط الحرمة البنوة وهي متحققة في مسألتنا فكيف يحل النكاح في نفس الأمر، وعدم ثبوت التوارث ونحوه كما قلنا كان إجماعاً، وعدم الاستلحاق قضاءاً إلا بالدعوى أمر آخر وراء تحقق البنوة في نفس الأمر فكم متحقق في نفس الأمر لا يقضى به وكم مقضى به غير متحقق في نفس الأمر كما في خبر الفرس التي اشتراها رسول الله ﷺ من الأعرابي وشهد له خزيمة لما أنكر الأعرابي البيع وقد حقق الكلام في بحث الاستيلاد في «فتح القدير » وغيره من مبسوطات كتب القوم، وما ذكر في إبطال العكس من مسألة تزوج المشرقي بمغربية فلا نسلم القطع فيها بأن الولد ليس مخلوقاً من مائه لثبوت كرامات الأولياء والاستخدامات فيتصور أن يكون الزوج صاحب خطوة أو جني، وأنه ذهب إلى المغرب فجامعها، ولولا قيام هذا الاحتمال مع قيام النكاح لم يلحق الولد به، ألا ترى كيف قال الأصحاب : لو جاءت امرأة الصبي بولد لم يثبت نسبه منه لعدم تصور ذلك هناك والتصور شرط، وقيام الفراش وحده غير كاف على الصحيح، ولعل اعتبار هذه البنوة قضاءاً وإلا فحيث لم يكن الولد مخلوقاً من مائه لا يقال له ولد الزوج في نفس الأمر وإنما اعتبروا ذلك مع ضعف الاحتمال ستراً للحرائر وصيانة للولد عن الضياع، وقريب من هذا ما ذهب إليه الشافعي ومالك وأحمد رحمهم الله تعالى في باب الاستيلاد أن الجارية إذا ولدت يثبت نسب الولد من المولى إذا أقر بوطئها مع العزل كما يثبت مع عدم العزل بل لو وطئها في دبرها يلزمه الولد عند مالك ومثله عن أحمد، وهو وجه مضعف للشافعية، وقيل : إن بين هذه المسألة ومسألة تزويج المشرقي بمغربية بعداً كبعد ما بين المشرق والمغرب لأن الوطء هنا متحقق في الجملة من غير حاجة إلى قطع براري وقفار ولا كذلك هناك والله تعالى أعلم.
والبنات جمع بنت في المشهور وصحح أن لامها واو كأخت وإنما رد المحذوف في أخوات ولم يرد في بنات حملاً لكل واحد من الجمعين على مذكره، فمذكر بنات لم يرد إليه المحذوف بل قالوا فيه بنون، ومذكر أخوات رد فيه محذوفه فقالوا في جمع أخ : إخوة وأخوات، وقد نظم الدنوشري السؤال فقال :
| أيها الفاضل اللبيب تفضل | بجواب به يكون رشادي |
| لفظ أخت ولفظ بنت إذاما | جمعا جمع صحة لا فساد |
| فلأخت ترد لأم وأما | لفظ بنت فلا فأوضح مرادي |
| مع تعويضهم من اللام تاءا | فيهما لا برحت أهل اعتمادي |
| لفظ أخت له انضمام بصدر | ناسب الواو فاكتسى بالمعاد |