مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت﴾.
اعلم أنه تعالى نص على تحريم أربعة عشر صنفا من النسوان : سبعة منهن من جهة النسب، وهن الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت.
وسبعة أخرى لا من جهة النسب : الأمهات من الرضاعة والأخوات من الرضاعة وأمهات النساء وبنات النساء بشرط أن يكون قد دخل بالنساء، وأزواج الأبناء والآباء، إلا أن أزواج الأبناء مذكورة ههنا، وأزواج الآباء مذكورة في الآية المتقدمة، والجمع بين الأختين. وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : ذهب الكرخي إلى أن هذه الآية مجملة قال : لأنه أضيف التحريم فيها إلى الأمهات والبنات، والتحريم لا يمكن إضافته إلى الأعيان، وإنما يمكن إضافته إلى الأفعال، وذلك الفعل غير مذكور في الآية، فليست إضافة هذا التحريم إلى بعض الأفعال التي لا يمكن إيقاعها في ذوات الأمهات والبنات، أولى من بعض، فصارت الآية مجملة من هذا الوجه.
والجواب عنه من وجهين : الأول : أن تقديم قوله تعالى :﴿ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم﴾ يدل على أن المراد من قوله :﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ تحريم نكاحهن. الثاني : أن من المعلوم بالضرورة من دين محمد ﷺ أن المراد منه تحريم نكاحهن، والأصل فيه أن الحرمة والإباحة إذا أضيفتا إلى الأعيان، فالمراد تحريم الفعل المطلوب منها في العرف، فإذا قيل : حرمت عليكم الميتة والدم، فهم كل أحد أن المراد تحريم أكلهما، وإذا قيل : حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم، فهم كل أحد أن المراد تحريم نكاحهن، ولما قال عليه الصلاة والسلام :«لا يحل دم امرئ مسلم إلا لإحدى معان ثلاث » فهم كل أحد أن المراد لا يحل إراقة دمه. وإذا كانت هذه الأمور معلومة بالضرورة كان إلقاء الشبهات فيها جاريا مجرى القدح في البديهيات وشبه السوفسطائية، فكانت في غاية الركاكة، والله أعلم.
بلى عندي فيه بحث من وجوه أخرى : أحدها : أن قوله :﴿حرمت عليكم﴾ مذكور على ما لم يسم فاعله، فليس فيه تصريح بأن فاعل هذا التحريم هو الله تعالى، وما لم يثبت ذلك لم تفد الآية شيئا آخر، ولا سبيل إليه إلا بالإجماع، فهذه الآية وحدها لا تفيد شيئا، بل لا بد معها من الإجماع على هذه المقدمة، وثانيها : أن قوله :﴿حرمت عليكم﴾ ليس نصا في ثبوت التحريم على سبيل التأييد، فإن القدر المذكور في الآية يمكن تقسيمه إلى المؤبد، وإلى المؤقت، كأنه تعالى تارة قال : حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم إلى الوقت الفلاني فقط، وأخرى : حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم مؤبدا مخلدا، وإذا كان القدر المذكور في الآية صالحا لأن يجعل موردا للتقسيم بهذين القسمين، لم يكن نصا في التأييد، فإذن هذا التأييد لا يستفاد من ظاهر الآية، بل من دلالة منفصلة، وثالثها : أن قوله :﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ خطاب مشافهة فيخصص بأولئك الحاضرين، فإثبات هذا التحريم في حق الكل إنما يستفاد من دليل منفصل، ورابعها : أن قوله :﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ إخبار عن ثبوت هذا التحريم في الماضي، وظاهر اللفظ غير متناول للحاضر والمستقبل فلا يعرف ذلك إلا بدليل منفصل، وخامسها : أن ظاهر قوله :﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ يقتضي أنه قد حرم على كل أحد جميع أمهاتهم وجميع بناتهم، ومعلوم أنه ليس كذلك، بل المقصود أنه تعالى قابل الجمع بالجمع، فيقتضي مقابلة الفرد بالفرد، فهذا يقتضي أن الله تعالى قد حرم على كل أحد أمه خاصة، وبنته خاصة، وهذا فيه نوع عدول عن الظاهر، وسادسها : أن قوله :﴿حرمت﴾ يشعر ظاهره بسبق الحل، إذ لو كان أبدا موصوفا بالحرمة لكان قوله :﴿حرمت﴾ تحريما لما هو في نفسه حرام، فيكون ذلك إيجاد الموجود وهو محال، فثبت أن المراد من قوله :﴿حرمت﴾ ليس تجديد التحريم حتى يلزم الإشكال المذكور، بل المراد الإخبار عن حصول التحريم، فثبت بهذه الوجوه أن ظاهر الآية وحده غير كاف في إثبات المطلوب، والله أعلم.
المسألة الثانية : اعلم أن حرمة الأمهات والبنات كانت ثابتة من زمن آدم عليه السلام إلى هذا الزمان، ولم يثبت حل نكاحهن في شيء من الأديان الإلهية، بل إن زرداشت رسول المجوس قال بحله، إلا أن أكثر المسلمين اتفقوا على أنه كان كذابا. أما نكاح الأخوات فقد نقل أن ذلك كان مباحا في زمن آدم عليه السلام، وإنما حكم الله بإباحة ذلك على سبيل الضرورة، ورأيت بعض المشايخ أنكر ذلك، وقال : أنه تعالى كان يبعث الحواري من الجنة ليزوج بهن أبناء آدم عليه السلام وهذا بعيد، لأنه إذا كان زوجات أبنائه وأزواج بناته من أهل الجنة، فحينئذ لا يكون هذا النسل من أولاد آدم فقط، وذلك بالإجماع باطل. وذكر العلماء أن السبب لهذا التحريم : أن الوطء إذلال وإهانة، فإن الإنسان يستحي من ذكره ولا يقدم عليه إلا في الموضع الخالي، وأكثر أنواع الشتم لا يكون إلا بذكره، وإذا كان الأمر كذلك وجب صون الأمهات عنه لأن إنعام الأم على الولد أعظم وجوه الإنعام، فوجب صونها عن هذا الإذلال، والبنت بمنزلة جزء من الإنسان وبعض منه، قال عليه الصلاة والسلام :«فاطمة بضعة مني » فيجب صونها عن هذا الإذلال، لأن المباشرة معها تجري مجرى الإذلال، وكذا القول في البقية والله أعلم. ولنشرع الآن في التفاصيل فنقول :
النوع الأول : من المحرمات : الأمهات، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال الواحدي رحمه الله : الأمهات جمع الأم والأم في الأصل أمهة فأسقط الهاء في التوحيد قال الشاعر :
أمهتي خندف والياس أبي ***. . .
وقد تجمع الأم على أمات بغير هاء وأكثر ما يستعمل في الحيوان غير الآدمي قال الراعي :
كانت نجائب منذر ومحرقأماتهن وطرقهن فحيلا
المسألة الثانية : كل امرأة رجع نسبك إليها بالولادة من جهة أبيك أو من جهة أمك بدرجة أو بدرجات، بإناث رجعت إليها أو بذكور فهي أمك. ثم ههنا بحث وهو أن لفظ الأم لا شك أنه حقيقة في الأم الأصلية، فأما في الجدات فأما أن يكون حقيقة أو مجازا، فإن كان لفظ الأم حقيقة في الأم الأصلية وفي الجدات، فإما أن يكون لفظا متواطئا أو مشتركا، فإن كان لفظا متواطئا أعني أن يكون لفظ الأم موضوعا بإزاء قدر مشترك بين الأم الأصلية وبين سائر الجدات فعلى هذا التقدير يكون قوله تعالى :﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ نصا في تحريم الأم الأصلية وفي تحريم جميع الجدات، وأما إن كان لفظ الأم مشتركا في الأم الأصلية وفي الجدات، فهذا يتفرع على أن اللفظ المشترك بين أمرين هل يجوز استعماله فيهما معا أم لا ؟ فمن جوزه حمل اللفظ ههنا على الكل، وحينئذ يكون تحريم الجدات منصوصا عليه، ومن قال : لا يجوز، فالقائلون بذلك لهم طريقان في هذا الموضع : أحدهما : أن لفظ الأم لا شك أنه أريد به ههنا الأم الأصلية، فتحريم نكاحها مستفاد من هذا الوجه، وأما تحريم نكاح الجدات فغير مستفاد من هذا النص، بل من الإجماع. والثاني : أنه تعالى تكلم بهذه الآية مرتين، يريد في كل مرة مفهوما آخر، أما إذا قلنا : لفظ الأم حقيقة في الأم الأصلية مجاز في الجدات، فقد ثبت أنه لا يجوز استعمال اللفظ الواحد دفعة واحدة في حقيقته ومجازه معا، وحينئذ يرجع الطريقان اللذان ذكرناهما فيما إذا كان لفظ الأم حقيقة في الأم الأصلية، وفي الجدات.
المسألة الثالثة : قال الشافعي رحمه الله : إذا تزوج الرجل بأمه ودخل بها يلزمه الحد، وقال أبو حنيفة رحمه الله لا يلزمه. حجة الشافعي أن وجود هذا النكاح وعدمه بمثابة واحدة، فكان هذا الوطء زنا محضا فيلزمه الحد لقوله تعالى :﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ إنما قلنا : إن وجود هذا النكاح وعدمه بمثابة واحدة لأنه تعالى قال :﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ وقد علم بالضرورة من دين محمد عليه الصلاة والسلام أن مراد الله تعالى من هذه الآية : تحريم نكاحها وإذا ثبت هذا فنقول : الموجود ليس إلا صيغة الإيجاب والقبول، فلو حصل هذا الانعقاد، فإما أن يقال : إنه حصل في الحقيقة أو في حكم الشرع والأول باطل، لأن صيغة الإيجاب والقبول كلام وهو عرض لا يبقى، والقبول لا يوجد إلا بعد الإيجاب، وحصول الانعقاد بين الموجود والمعدوم محال. والثاني : باطل، لأن الشرع بين في هذه الآية بطلان هذا العقد قطعا، ومع كون هذا العقد باطلا قطعا في حكم الشرع، كيف يمكن القول بأنه منعقد شرعا ؟ فثبت أن وجود هذا العقد وعدمه بمثابة واحدة، وإذا ثبت ذلك فباقي التفريع والتقرير ما تقدم.
النوع الثاني : من المحرمات : البنات، وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : كل أنثى يرجع نسبها إليك بالولادة بدرجة أو بدرجات، بإناث أو بذكور فهي بنتك، وأما بنت الابن وبنت البنت فهل تسمى بنتا حقيقة أو مجازا ؟ فالبحث فيه عين ما ذكرناه في الأمهات.
المسألة الثانية : قال الشافعي رحمه الله : البنت المخلوقة من ماء الزنا لا تحرم على الزاني. وقال أبو حنيفة : تحرم. حجة الشافعي أنها ليست بنتا له فوجب أن لا تحرم، إنما قلنا : إنها ليست بنتا لوجوه : الأول : أن أبا حنيفة إما أن يثبت كونها بنتا له بناء على الحقيقة، وهي كونها مخلوقة من مائه، أو بناء على حكم الشرع بثبوت هذا النسب، والأول باطل على مذهبه طردا وعكسا، أما الطرد فهو أنه إذا اشترى جارية بكرا وافتضها وحبسها في داره فأتت بولد، فهذا الولد معلوم أنه مخلوق من مائه مع أن أبا حنيفة قال : لا يثبت نسبها إلا عند الاستلحاق، ولو كان السبب هو كون الولد متخلقا من مائه لما توقف في ثبوت هذا النسب بغير الاستلحاق، وأما العكس فهو أن المشرقي إذا تزوج بالمغربية وحصل هناك ولد، فأبو حنيفة أثبت النسب هنا مع القطع بأنه غير مخلوق من مائه، فثبت أن القول بجعل التخليق من مائه سببا للنسب باطل طردا وعكسا على قول أبي حنيفة، وأما إذا قلنا : النسب إنما يثبت بحكم الشرع، فههنا أجمع المسلمون على أنه لا نسب لولد الزنا من الزاني، ولو انتسب إلى الزاني لوجب على القاضي منعه من ذلك الانتساب، فثبت أن انتسابها إليه غير ممكن، لا بناء على الحقيقة، ولا بناء على حكم الشرع.
الوجه الثاني : التمسك بقوله عليه الصلاة والسلام :«الولد للفراش وللعاهر الحجر » فقوله : الولد للفراش يقتضي حصر النسب في الفراش.
الوجه الثالث : لو كانت بنتا له لأخذت الميراث لقوله تعالى :﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ ولثبتت له ولاية الإجبار، لقوله عليه السلام :«زوجوا بناتكم الأكفاء » ولوجب عليه نفقتها وحضانتها، ولحلت الخلوة بها، فلما لم يثبت شيء من ذلك علمنا انتفاء البنتية، وإذا ثبت أنها ليست بنتا له وجب أن يحل التزوج بها، لأن حرمة التزوج بها إما للبنتية، أو لأجل أن الزنا يوجب حرمة المصاهرة، وهذا الحصر ثابت بالإجماع. والبنتية باطلة كما ذكرنا، وحرمة المصاهرة بسبب الزنا أيضا باطلة كما تقدم شرح هذه المسألة، فثبت أنها غير محرمة على الزاني والله أعلم.
النوع الثالث : من المحرمات : الأخوات : ويدخل فيه الأخوات من الأب والأم معا، والأخوات من الأب فقط، والأخوات من الأم فقط.
النوع الرابع والخامس : العمات والخالات.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى