تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ٢٣ وقوله تعالى :﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم﴾ على آخره يحتمل وجهين : أي حرم عليكم الاستمتاع بأمهاتكم وبناتكم أخواتكم وما ذكر والجماع بهن ويحتمل حرمة النكاح أي حرم عليكم نكاح أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم فإن كان هذا أراد فلا يحرم النكاح ولكن يحرم النكاح لما به يوصل إلى الاستمتاع بالنساء وإليه يقصد فدل الجمع بين الأختين في الاستمتاع في ملك اليمين ولا يحرم الجمع بينهما في العقد.
ثم الحرمة في الأمهات والبنات والأخوات ولم يذكرها(١) في الجدات فهن محرمات وإن علون ولم يذكرها(٢) في بنات البنات فهم محرمات وإن سفلن فعندنا أن ذكر الحرمة في الأمهات والبنات ذكر في الجدات وإن علون في بنات البنات وإن سفلن لأنه ذكر الحرمة في العمات والخالات والعمات من ولد الجد والخالات من ولد الجدات فإنما ذكرت الأولاد والحرمة في الأخوات والإخوة، فعلى ذلك الحرمة في الأمهات ذكر الحرمة في البنات وبنات البنات لما ذكرنا. أو يقال : إن بنات البنات وإن سفلن دخلن(٣) في ذكر الحرمة نصا وكذلك أم الأم وإن علت دخلت(٤) في الخطاب.
وقوله تعالى :﴿وأمهاتكم التي أرضعناكم وأخواتكم من الرضاعة﴾ ذكر الأخوات ولم يذكر البنات قال : إنما يذكر ﴿من الرضاعة﴾ لأنه لا يمكن ﴿من الرضاعة﴾ البنات لذلك لم يذكر ( البنات ) (٥) وذلك اختلاف بيننا في لبن الفحل فعندنا لبن الفحل محرم وعند البشر لا يحرم لبن الفحل.
ذكر الله سبحانه وتعالى : الحرمة في النسب وبين بيان إحاطته وحقيقته وذكر الحرمة في الرضاع وبين بيان كفاية لا بيان إحاطة فأما إن ترك للاجتهاد والاستنباط من الذكور وقد أجمعوا جميعا أن البنات الإخوة والأخوات من الرضاعة ( كالذكور في أولادهم ) (٦) فعلى ذلك يجب أن يكون ذكر الحرمة في الأمهات من الرضاعة ذكر ) (٧) في بنتها أو ترك بيان ذلك للسنة.
روي عن رسول الله ﷺ ( أنه ) (٨) قال : " يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب " ( البخاري ٢٦٤٥ ) وما روي عن عائشة رضي الله عنها ( أنها ) (٩) قالت :( جاء عمي من الر ضاعة فاستأذن علي فأبيت أن آذن له حتى أسأل رسول الله ﷺ فجاء رسول الله ﷺ فسألته عن ذلك فقال : إنه عمك فأذني له فقلت : يا رسول الله إنما ( أرضعتني المرأة ولم يرضعني ) (١٠) الرجل فقال رسول الله ﷺ : " إنه عمك فليلج عليك " ( البخاري ٥٢٣٩ ) فقالت عائشة رضي الله عنها :( وذلك بعد أن ضرب علينا الحجاب ).
وعن ابن عباس رضي الله عنه سئل عن رجل له امرأتان أو جارية وامرأة فأرضعت هذه جارية وهذه غلاما هل يصلح للغلام أن يتزوج الجارية ؟ فقال :( لا اللقاح واحد ).
وعمرة ( بنت عبد الرحمن ) (١١) عن عائشة رضي الله عنها انها أخبرتها أن رسول الله ﷺ كان عندها وأنها سمعت رجلا يستأذن في بيت حفصة رضي الله عنها قالت عائشة رضي الله عنها ( فقلت : يا رسول الله هذا رجل يستأذن بيتك ) فقال رسول الله ﷺ : " أراه فلانا ( إنه ) (١٢) لعل حفصة من الرضاعة " ( البخاري ٢٦٤٦ ) فقالت عائشة رضي الله عنها ( يا رسول الله لو كان فلان حيا ( وهو عمها ) (١٣) من الرضاعة ( أأدخله علي ) ؟ فقال رسول الله ﷺ : نعم عن الرضاعة ) (١٤) تحرم ما تحرم الولادة " ( البخاري ٢٦٤٦ ).
وعن علي رضي الله عنه :( لا تنكح من أرضعته امرأة أبيك ولا امرأة ابنك ).
وعن عائشة رضي الله عنها :( أن أفلح أخا أبي القعيس استأذن عليها وهو عمها من الرضاعة بعد أن نزل الحجاب قالت : فأبيت ان آذن له فلما جاء رسول الله ﷺ أخبرته بالذي صنعت فأمرني بأن آذن له علي ).
وحجة أخرى من النظر بأن الله تعالى حرم الابنة على أبيها وعلى جدها والابنة حدثت عن ماء الأب بعينه ولم تحدث عن ماء الجد ولكن الجد سبب ماء الأب الذي حدثت عنه الابنة. قال فالبن وإن كان حدوثه من الأم /٨٦- أ/ فإن سبب كونه هو الأب فيجب أن تحرم المرأة التي أرضعتها امرأته عليه إذا كان سببا لذلك اللبن كما يحرم المرضع إذا كان سببا على الذي أرضعته.
ثم بقيت مسألتان : إحداهما في التقدير والأخرى في الحد أما في التقدير فعموم قوله سبحانه وتعالى ﴿وأمهاتكم التي أرضعناكم وأخواتكم من الرضاعة﴾ لم يخص قدرا دون قدر وروي عن علي وعبد الله ( رضي الله عنه أنه )(١٥) قال : " الرضعة الواحدة تحرم " ( لا تحرم عند مسلم ٢/١٠٧٤ أحكام القرآن للجصاص ٣/ ٦٧ ) فإن قيل : روي عن عائشة رضي الله عنها ( أنها قالت :( كان في ما أنزل )(١٦) عشر رضعات ثم صرن إلى خمس فتوفي النبي ﷺ ( وهن في ما يقرأ من القرآن ) قيل :) (١٧) لسنا نجد في القرآن آية الناسخ ( ولا آية المنسوخ ) (١٨) ولا يجوز أن يقال من القرآن شيء فلا نترك ما نجده ثابتا في القرآن محفوظه برواية ما غلظت فيها.
وري عنها أنها قالت :( يحرم من الرضاع ما أنبت اللحم والدم ) وروي عنها أيضا أنها قالت :( لا تحرم المصة والمصتان ولا الإملاجة والإملاجتان ) قيل(١٩)ذلك لابن عمر رضي الله عنه فقال :( حكم الله أولا وخيرا ( من حكمها وكلام نحو هذا ) (٢٠).
وعن عمر بن دينار قال : سألت ابن عمر رضي الله عنه فذكر شيئا من الرضاع فقال :( لا نعلم إلا أن الله حرم الأختين من الرضاعة ) قال فقلت : إن أمير المؤمنين ابن الزبير يقول :( لا تحرم المصة والمصتان ولا الإملاجة والغملاجتان لما لم يتحقق بالمصة والمصتين أن اللبن قد صار في جوف الصبي ووصل غليه لم يحرم به ).
وأما المسألة في الحد فإن(٢١) الرضاع في الكبر لا يحرم عندنا وما روي في خبر عائشة رضي الله عنها ( أنه ﷺ فقال : من هذا ؟ قالت : إنه أخي(٢٢) من الرضاعة ) فقال : " انظر من ترضعن فإنما ) (٢٣) الرضاعة من الجماعة " ( البخاري ٢٦٤٧ ) وما وري عن رسول الله ﷺ ( أنه ) (٢٤) قال : " الرضاع ما فتق الأمعاء " ( الترمذي ١١٥٢ ) إنما يكون في الصغر لأن أمعاء الصبي تكون ضيقة(٢٥) لا تحتمل الطعام لضيقها وأما فتقه بالبن ( فهو )(٢٦) على ما وصفه عز وجل : لبنا خالصا سائغا للشاربين ) ( النحل ٢٢ ) فإذا كان غداؤه إنما يكون باللبن للمعنى الذي وصنا كانت كفاية مجاعته به وكان هذا معنى قوله ﷺ : " إنما الرضاعة من المجاعة " وكذلك ما روي عنه ( ﷺ ) (٢٧) " ما أنبت اللحم وأنشز العظم " ( أحمد ١/٤٣٢ ) وفي الكبر لا ينبت الحم ولا ينشز العظم.
وروي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول : الجرعة تحرم كما يحرم حولان كاملان " فإن ثبت هذا فهو الأصل في ذلك والمعتد عليه فإن عورض بما في خبر سالم ( بن حذيفة ) (٢٨) حين قال ( لسهلة بنة سهيل ابن عمرو ) (٢٩) " أرضعني سالما خمس رضعات تحرمني عليه " ( أحمد ٦/ ٢٠١ ) ( فإنه يقال ) (٣٠) هذا يحتمل أن يكون ذلك لسالم خاصة دون غيره من الناس فإذا كان كذلك لا يقاس عليه غيره ويحتمل أن يكون منسوخا بما روينا من الأخبار المرفوعة والموقوفة بإيجاب الحرمة بالقليل منه والكثير.
وقوله تعالى وأمهات نسائكم وربابيكم التي في حجوركم من نسائكم التي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم التي في حجوركم من نسائكم التي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن } الآية اجتمع أهل العلم في القريبة على أنها لا تحرم على الرجل كان قد تزوج أمها وطلقها قبل الدخول أو مات وإنما تحرم عليه إذا دخل بها.
واختلف في أم المرأة إذا لم يدخل بالابنة حتى بانت منه قال أصحابنا رحمهم الله : هي حرام عليه كان دخل بالأم أم لم يدخل وقال آخرون : بشرط الدخول في آخر القصة راجع إل ى الريبة والأم جميعا فما لم يدخل بواحدة منهما حل له أن(٣١) يتزوج بالأخرى إذ فارقها وهو القياس الظاهر في الكتاب في أمر الشرط والثنيا أن يكون الشرط فيهما جميعا لأنه قال الله تعالى :﴿وأمهات نسائكم وربابيكم التي في حجوركم من نسائكم التي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن﴾ ذكر أمهات النساء وربائب النساء ثم شرط الدخول بهن فيجب أن يكون الشرط لاح قا بهما جميعا. وكلذك روي عن علي رضي الله عنه ( أنه ) (٣٢) قال :( هي بمنزلة الربيبة ) وعن جابر ( أنه )(٣٣) قال :( ينكح أمها لإن شاء ) وعن ابن مسعود رضي الله نه أنه أفتى في امرأة تزوجها رجل فطلقها قبل أن يدخل بها أو ماتت قال { لا بأس أن يتزوج أمها ) ف لما أتى المدينة رجع فأتاهم فنهاهم عن ذلك فقيل : إنها ولدت أولادا فقال :( لو ولدت ) إلى هذا يذهب(٣٤) أولئك وهو الظاهر من الآية.
واحتج بعض أصحابنا في ذلك أن الثنيا الملحق في آخر الكلام ربما يلحق الكل على ما تقدم من الكلام وربما يقع على ما يليه فلما كان غير ملحق على من المذكور وقع على ما يليه فإن قيل : يلحق على ما تقدم من الذكر ما لا يحتمل ( فهو ) (٣٥) ليس على ما لا يحتمل ألا ترى أن الله تعالى قال :﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به﴾ إلى قوله :﴿وما أكل السبع إلا ما ذكيتم﴾ ( المائدة ٣ ) ثم ألحق الكل ولا أوقع على ما يليه خاصة ولكنه ألحق على ما احتمل عليه ؟ فعلى ذلك في هذا لم يلحق الكل لأنه لا يحتمل وأوقع على الأم والريبة لأنه يحتمل.
واحتج أصحابنا رحمهم الله أيضا أن الحرمة ثبتت لقوله عز وجل :﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم﴾ إلى قوله تعالى : وأمهاتكم التي أرضعناكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم } فلا تستحل بالشك وفي الريبة لم تثبت إلا بالشرط فلا تحرم بالشك.
وقيل أيضا : عن الدخول لو كان شرطا في الأم والريبة جميعا لأكتفي بذكر النساء : الأمهات والربائب فنقول :﴿وأمهات نسائكم﴾ من ربابيبكم ﴿التي دخلتم بهن﴾ ولم يحتج إلى أن يذكر ﴿وربابيبكم التي في حجوركم من نسائكم التي دخلتم بهن﴾ على ما اكتفى بذكر الحرمة في الأنساب والرضاع في الأصول عن الشعوب فلما لم يكتف بذلك دل أن الربائب مخصوصات بالشرط دون الأمهات ومما يبين ذلك أن الريبة لو لم تذكر لم يجز أن يبقى من الكلام ﴿وأمهات نسائكم﴾ اللاتي دخلتم بهن ولو لم يذكر الأمهات فبقي من الكلام ﴿وربابيبكم التي في حجوركم من نسائكم التي دخلتم بهن﴾ كان كلاما تاما. فدل ذلك على أن قوله تعالى :﴿من نسائكم﴾ غنما هو في الربيائب دون الأمهات.
واصله ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال : قال رسول الله ﷺ " أي ما رجل تزوج امرأة فطل قها قبل أن يدخل بها أو ماتت عنده فلا بأس بأن يتزوج ابنتها " و " أي ما رجل تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها او ماتت عنده فلا يحل له أن يتزوج أمها " ( البيهقي في الكبرى ٧/ ١٦٠ ).
وعن عباس وعمران بن حصين في ﴿وأمهات نسائكم﴾ ( أنهما ) (٣٦) قالا :( هي مبهمة ).
وقال أكثر أهل العلم : إذا تزوج الرجل امرأة ودخل بها لم يجز له ان يتزوج ابنتها وإن لم تكن ربيبته وفي بيته وحجره وهي في ذلك بمنزلتها لو كانت في حجرتها يربيها وأجمعوا جميعا بين المرأة وأمها وابنتها في الجماع في ( ملك )(٣٧) اليمين حرام وكذلك روي عن عمر رضي الله عنه أنه سئل عن ذلك فقال :( ما أحب ذلك ) فإن قال قائل : إن الخطاب كما ذكرت ( الآية ) (٣٨) يدل على شرط في الدخول بالأمهات إنما هو سبب الربائب فما تنكره أن يكون حكم الأمهات حكم الربائب كما كان حكم حلائل الأبناء حكم نساء الآباء قيل : لا يجوز أن تقاس المنصوصات بعضها على بعض وإنما يقاس ما لا نص فيه على
١ في الأصل و م: يذكر..
٢ في الأصل و م: يذكر..
٣ في الأصل و م: فدخلن..
٤ في الأصل و م: فدخلت..
٥ ساقطة من الأصل و م..
٦ في الأصل و م: كالذكر في أولادها..
٧ في الأصل و م: ذكر..
٨ ساقطة من الأصل و م..
٩ ساقطة من الأصل و م..
١٠ في الأصل و م أرضعتني انظر أحكام القرآن (٢/ ١٢٦).
١١ ساقطة من الأصل و م..
١٢ ساقطة من الأصل و م..
١٣ في الأصل و م: لعمها..
١٤ ساقطة من الأصل و م: انظر المسند (٦/ ١٧٨..
١٥ في الأصل: رض الله تعالى عنه ساقطة من م..
١٦ في الأصل و م: قالت كمان فيما ترك..
١٧ في الأصل و م: وهو فيما يقرأ قيل انظر الجامع لأحكام القرآن (٥/١٠٩)..
١٨ من م ساقطة من الأصل..
١٩ في الأصل و م: قال..
٢٠ في الأصل و م: وكلام نحو هذا من حكمها..
٢١ فقي الأصل و م: أن..
٢٢ في الأصل و م: عمي..
٢٣ في الأصل و م: انظري ما الرضاعة أنما انظر المسند (٦/٢١٤)..
٢٤ ساقطة من الأصل و م..
٢٥ في الأصل و م: ضيقا..
٢٦ ساقطة من الأصل و م..
٢٧ ساقطة منم الأصل و م..
٢٨ ساقطة من الأصل و م انظر المسند (٦/ ٢٠١)..
٢٩ ساقطة من الأصل و م: انظر المصدر السابق..
٣٠ في الأصل و م: قيل..
٣١ من م في الأصل إنه..
٣٢ ساقطة من الأصل و م..
٣٣ ساقطة من الأصل و م..
٣٤ في الأصل و م: يذهبون..
٣٥ ساقطة من الأصل و م..
٣٦ ساقطة من الأصل و م..
٣٧ من م ساقطة من الأصل..
٣٨ ساقطة من الأصل و م..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى