جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النّسَآءِ إِلاّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلّ لَكُمْ مّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ مّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنّ فَآتُوهُنّ أُجُورَهُنّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنّ اللّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾.
يعني بذلك جلّ ثناؤه : حرّمت عليكم المحصنات من النساء، إلا ما ملكت أيمانكم.
واختلف أهل التأويل في المحصنات التي عناهنّ الله في هذه الآية، فقال بعضهم : هن ذوات الأزواج غير المسبيات منهنّ. وملكُ اليمين : السبايا اللواتي فرّق بينهنّ وبين أزواجهنّ السباء، فحللن لمن صرن له بملك اليمين من غير طلاق كان من زوجها الحربيّ لها. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا إسرائيل، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال : كل ذات زوج إتيانها زنا، إلا ما سَبَيْتَ.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن عطية، قال : حدثنا إسرائيل، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثنى معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله :﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النّساءِ إلاّ ما مَلَكْتَ أيمَانُكُمْ﴾ يقول : كل امرأة لها زوج فهي عليك حرام إلا أمة ملكتها ولها زوج بأرض الحرب، فهي لك حلال إذا استبرأتها.
وحدثني المثنى، قال : حدثنا عمرو بن عون، قال : أخبرنا هشيم، عن خالد، عن أبي قلابة في قوله :﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أيمانُكُمْ﴾ قال : ما سبيتم من النساء، إذا سَبَيْتَ المرأة ولها زوج في قومها، فلا بأس أن تطأها.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ﴾ قال : كل امرأة محصنة لها زوج فهي محرمة إلا ما ملكت يمينك من السبي وهي محصنة لها زوج، فلا تحرم عليك به. قال : كان أبي يقول ذلك.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عتبة بن سعيد الحمصي، قال : حدثنا سعيد، عن مكحول في قوله :﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ﴾ قال : السبايا.
واعتلّ قائلوا هذه المقالة بالأخبار التي رُويت أن هذه الاَية نزلت فيمن سُبي من أَوْطاس. ذكر الرواية بذلك :
حدثنا بشر بن معاذ قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن أبي علقمة الهاشمي، عن أبي سعيد الخدريّ : أن نبيّ الله ﷺ يوم حنين بعث جيشا إلى أوطاس، فلقوا عدوا، فأصابوا سبايا لهنّ أزواج من المشركين، فكان المسلمون يتأثّمون من غشيانهنّ، فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الاَية :﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أيمانُكُمْ﴾ أي هنّ حلال لكم إذا ما انقضت عِدَدُهن.
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا عبد الأعلى، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، عن صالح أبي الخليل : أن أبا علقمة الهاشمي حدّث، أن أبا سعيد الخدريّ حدّث : أن نبيّ الله ﷺ بعث يوم حنين سرية، فأصابوا حيّا من أحياء العرب يوم أوطاس، فهزموهم وأصابوا لهم سبايا، فكان ناس من أصحاب رسول الله ﷺ يتأثمون من غشيانهن من أجل أزواجهنّ، فأنزل الله تبارك وتعالى :{ والمُحْصَناتُ مِنَ النّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ منهنّ، فحلال لكم ذلك.
حدثني عليّ بن سعيد الكناني، قال : حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن أشعث بن سوار، عن عثمان البتي، عن أبي الخليل، عن أبي سعيد الخدري، قال : لما سبي رسول الله ﷺ أهل أوطاس، قلنا : يا رسول الله، كيف نقع على نساء قد عرفنا أنسابهن وأزواجهنّ ؟ قال : فنزلت هذه الاَية :﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ﴾.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوري، عن عثمان البتي، عن أبي الخليل عن أبي سعيد الخدري، قال : أصبنا نساء من سبي أوطاس لهنّ أزواج، فكرهنا أن نقع عليهنّ ولهن أزواج، فسألنا النبيّ ﷺ، فنزلت :﴿والمُحْصّناتُ مِنَ النّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ﴾ فاستحللنا فروجهنّ.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، عن أبي الخليل عن أبي سعيد، قال : نزلت في يوم أوطاس، أصاب المسلمون سبايا لهن أزواج في الشرك، فقال :﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ﴾ يقول : إلا ما أفاء الله عليكم، قال : فاستحللنا بها فروجهنّ.
وقال آخرون ممن قال :«المحصنات ذوات الأزواج في هذا الموضع ». بل هنّ كل ذات زوج من النساء حرام على غير أزواجهنّ، إلا أن تكون مملوكة اشتراها مشتر من مولاها فتحلّ لمشتريها، ويُبطل بيع سيدها إياها النكاحَ بينها وبين زوجها. ذكر من قال ذلك :
حدثني أبو السائب سلم بن جنادة، قال : حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الله في قوله :﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ﴾ قال : كل ذات زوج عليك حرام إلا أن تشتريها، أو ما ملكت يمينك.
حدثني المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن مغيرة عن إبراهيم : أنه سئل عن الأمة تباع ولها زوج، قال : كان عبد الله يقول : بيعها طلاقها، ويتلو هذه الاَية :﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ﴾.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن عبد الله في قوله :﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ﴾ قال : كل ذات زوج عليك حرام، إلا ما اشتريت بمالك¹ وكان يقول : بيع الأمة : طلاقها.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب قوله :﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النّساءِ﴾ قال : هنّ ذوات الأزواج حرم الله نكاحهنّ إلا ما ملكت يمينك، فبيعها طلاقها. قال معمر : وقال الحسن مثل ذلك.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الأعلى، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن في قوله :﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ﴾ قال : إذا كان لها زوج فبيعها طلاقها.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الأعلى، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة أن أبيّ بن كعب وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك قالوا : بيعها طلاقها.
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا عبد الأعلى، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة أن أبيّ بن كعب وجابرا وابن عباس، قالوا : بيعها طلاقها.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا عمر بن عبيد، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال : قال عبد الله : بيع الأمة طلاقها.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن منصور ومغيرة والأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الله، قال : بيع الأمة طلاقها.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا مؤمّل، قال : حدثنا سعيد، عن حماد، عن إبراهيم، عن عبد الله. مثله.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن حماد، عن إبراهيم، عن عبد الله مثله.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن عُلَية، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال : طلاق الأمة ستّ : بيعها طلاقها، وعتقها طلاقها، وهبتها طلاقها، وبراءتها طلاقها، وطلاق زوجها طلاقها.
حدثني أحمد بن المغيرة الحمصي. قال : حدثنا عثمان بن سعيد، عن عيسى بن أبي إسحاق، عن أشعث، عن الحسن، عن أبيّ بن كعب : أنه قال : بيع الأمة طلاقها.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الأعلى، عن عوف، عن الحسن، قال : بيع الأمة طلاقها، وبيعه طلاقها.
حدثنا حميد بن مسعدة، قال : حدثنا بشر بن المفضل، قال : حدثنا خالد، عن أبي قلابة، قال : قال عبد الله : مشتريها أحقّ ببُضْعِها. يعني : الأمة تباع ولها زوج.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا المعتمر، عن أبيه، عن الحسن، قال : طلاق الأمة بيعها.
حدثنا حميد، قال : حدثنا سفيان بن حبيب، قال : حدثنا يونس، عن الحسن أن أبيّا، قال : بيعها طلاقها.
حدثنا أحمد، قال : حدثنا سفيان، عن خالد، عن أبي قلابة، عن ابن مسعود، قال : إذا بيعت الأمة ولها زوج فسيدها أحقّ بُبْضعها.
حدثنا حميد، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : ثنى سعيد، عن قتادة، عن أبي معشر، عن إبراهيم، قال : بيعها طلاقها. قال : فقيل لإبراهيم : فبيعه ؟ قال : ذلك ما لا نقول فيه شيئا.
وقال آخرون : بل معنى المحصنات في هذا الموضع : العفائف. قالوا : وتأويل الاَية : والعفائف من النساء حرام أيضا عليكم، إلا ما ملكت أيمانكم منهنّ بنكاح وصداق وسنة وشهود من واحدة إلى أربع. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثنى حجاج، عن أبي جعفر، عن أبي العالية، قال : يقول : انكحوا ما طاب لكم من النساء : مثَنى، وثلاثَ، ورباع، ثم حرم ما حرم من النسب والصهر، ثم قال :﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ﴾ قال : فرجع إلى أوّل السورة إلى أربع، فقال : هنّ حرام أيضا، ألا بصداق وسنّة وشهود.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين عن عبيدة، قال : أحلّ الله لك أربعا في أوّل السورة، وحرّم نكاح كلّ محصنة بعد الأربع، إلا ما ملكت يمينك. قال معمر : وأخبرني ابن طاوس عن أبيه : إلا ما ملكت يمينك، قال : فزوجك مما ملكت يمينك، يقول : حرّم الله الزنا، لا يحلّ لك أن تطأ امرأة إلا ما ملكت يمينك.
حدثني عليّ بن مسروق الكندي، قال : حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، قال : سألت عبيدة عن قول الله تعالى :﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ﴾ قال : أربع.
حدثني عليّ بن سعيد، قال : حدثنا عبد الرحيم، عن أشعث بن سوار، عن ابن سيرين، عن عبيدة، عن عمر بن الخطاب، مثله.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جبير في قوله :﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ﴾ قال : الأربع، فما بعدهنّ حرام.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا حجاج، عن ابن جريج، قال : سألت عطاء عنها، فقال : حرّم الله ذوات القرابة، ثم قال :﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ﴾ يقول : حرّم ما فوق الأربع منهنّ.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النّساءِ﴾ قال : الخامسة حرام كحرمة الأمهات والأخوات.
ذكر من قال : عَنَى

تفسير هذه الآية من كتب أخرى