روح المعاني — الألوسي
عن الكتاب
﴿والمحصنات مِنَ النساء إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم﴾ عطف على ما قبله من المحرمات. والمراد بهن على المشهور ذوات الأزواج، أحصنهن التزوج أو الأزواج أو الأولياء أي منعهن عن الوقوع في الإثم، وأجمع القراء كما قال أبو عبيدة على فتح الصاد هنا ؛ ورواية الفتح عن الكسائي لا تصح، والمشهور رواية ذلك عن طلحة بن مصرف ويحيى بن وثاب، وعليه يكون اسم فاعل لأنهنّ أحصن فروجهن عن غير أزواجهن، أو أحصن أزواجهن، وقيل : الصيغة للفاعل على القراءة الأولى أيضاً، فقد قال ابن الأعرابي : كل أفعل اسم فاعله بالكسر إلا ثلاثة أحرف أحصن، وألفج إذا ذهب ماله، وأسهب إذا كثر كلامه.
وحكي عن الأزهري مثله، وقال ثعلب : كل امرأة عفيفة محصنة ومحصنة، وكل امرأة متزوجة محصنة بالفتح لا غير، ويقال : حصنت المرأة بالضم حصناً أي عفت فهي حاصن وحصنان بالفتح وحصناء أيضاً بينة الحصانة، وفرس حصان بالكسر بيّنُ التحصين والتحصن، ويقال : إنه سمي حصاناً لأنه ضن بمائه فلم ينز إلا على كريمة، ثم كثر ذلك حتى سموا كل ذكر من الخيل حصاناً، والإحصان في المرأة ورد في اللغة واستعمل في القرآن بأربعة معان : الإسلام والحرية والتزوج والعفة، وزاد الرافعي العقل لمنعه من الفواحش. والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع حالاً من المحصنات أي حرمت عليكم المحصنات كائنات من النساء، وفائدته تأكيد عمومها، وقيل : دفع توهم شمولها للرجال بناءاً على كونها صفة للأنفس وهي شاملة للذكور والإناث وليس بشيء كما لا يخفى، وفي المراد بالآية غموض حتى قال مجاهد : لو كنت أعلم من يفسرها لي لضربت إليه أكباد الإبل أخرجه عنه ابن جرير، وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي السوداء قال : سألت عكرمة عن هذه الآية ﴿والمحصنات﴾ الخ فقال : لا أدري، وللعلماء المتقدمين فيها أقوال : أحدها : أن المراد بها المزوجات كما قدمنا.
والمراد بالمِلْكِ المِلْكُ بالسبي خاصة فإنه المقتضي لفسخ النكاح وحلها للسابي دون غيره، وهو قول عمر وعثمان وجمهور الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة، لكن وقع الخلاف هل مجرد السبي محل لذلك أو سبيها وحدها ؟ فعند الشافعي رحمه الله تعالى مجرد السبي موجب للفرقة ومحل للنكاح، وعند أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه سبيها وحدها حتى لو سبيت معه لم تحل للسابي، واحتج أهل هذا القول بما أخرجه مسلم عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه أنه قال : أصبنا سبياً يوم أوطاس ولهن أزواج فكرهنا أن نقع عليهن فسألنا النبي ﷺ فنزلت الآية فاستحللناهن، وهذه الرواية عنه أصح من الرواية الأخرى أنها نزلت في المهاجرات، واعترض بأن هذا من قصر العام على سببه وهو مخالف لما تقرر في الأصول من أنه لا يعتبر خصوص السبب، وأجيب بأنه ليس من ذاك القصر في شيء وإنما خص لمعارضة دليل آخر وهو الحديث المشهور عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها لما اشترت بريرة وكانت مزوجة(١) أعتقتها وخيرها ﷺ فلو كان بيع الأمة طلاقاً ما خيرها فاقتصر بالعام حينئذٍ على سببه الوارد عليه لما كان غير البيع من أنواع الانتقالات كالبيع في أنه مِلْكٌ اختياري مترتب على مِلك متقدم بخلاف السباء فإنه ملك جديد قهري فلا يلحق به غيره كذا قيل، واعترض أصحاب الشافعي بإطلاق الآية والخبر على الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه وجعلوا ذلك حجة عليه فيما ذهب إليه، وأجاب الشهاب بأن الإطلاق غير مسلم ففي الأحكام المروي أنه لما كان يوم أوطاس لحقت الرجال بالجبال وأخذت النساء فقال المسلمون : كيف نصنع ولهن أزواج ؟ فأنزل الله تعالى الآية، وكذا في حنين كما ذكره أهل المغازي فثبت أنه لم يكن معهن أزواج.
فإن احتجوا بعموم اللفظ قيل لهم : قد اتفقنا على أنه ليس بعام وأنه لا تجب الفرقة بتجدد الملك فإذا لم يكن كذلك علمنا أن الفرقة لمعنى آخر وهو اختلاف الدارين فلزم تخصيصها بالمسبيات وحدهن، وليس السبي سبب الفرقة بدليل أنها لو خرجت مسلمة أو ذمية ولم يلحق بها زوجها وقعت الفرقة بلا خلاف.
وقد حكم الله تعالى به في المهاجرات في قوله سبحانه :﴿وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكوافر﴾ [الممتحنة: ١٠] فلا يرد ما أورد، وثانيها : أن المراد بالمحصنات ما قدمنا، وبالمِلكِ مطلق ملك اليمين فكل من انتقل إليه ملك أمة ببيع أو هبة أو سباء أو غير ذلك وكانت مزوجة كان ذلك الانتقال مقتضياً لطلاقها وحلها لمن انتقلت إليه وهو قول ابن مسعود وجماعة من الصحابة وإليه ذهب جمهور الإمامية. وثالثها : أن المحصنات أعم من العفائف والحرائر وذوات الأزواج، والملك أعم من ملك اليمين وملك الاستمتاع بالنكاح فيرجع معنى الآية إلى تحريم الزنا وحرمة كل أجنبية إلا بعقد أو ملك يمين، وإلى ذلك ذهب ابن جبير وعطاء والسدي، وحكي عن بعض الصحابة، واختاره مالك في «لموطأ » ورابعها : كون المراد من المحصنات الحرائر، ومن الملك المطلق والمقصود تحريم الحرائر بعد الأربع. أخرج عبد الرزاق وغيره عن عبيدة أنه قال في هذه الآية :«أحل الله تعالى لك أربعاً في أول السورة وحرم نكاح كل محصنة بعد الأربع إلا ما ملكت يمينك » وروي مثله عن كثير.
وقال شيخ الإسلام : المراد من المحصنات ذوات الأزواج والموصول إما عام حسب عموم صلته، والاستثناء ليس لإخراج جميع الأفراد من حكم التحريم بطريق شمول النفي بل بطريق نفي الشمول المستلزم لإخراج البعض أي حرمت عليكم المحصنات على الإطلاق إلا المحصنات اللاتي ملكتموهن فإنهن لسن من المحرمات على الإطلاق بل فيهن من لا يحرم نكاحهن في الجملة وهن المسبيات بغير أزواجهن أو مطلقاً على اختلاف المذهبين، وإما خاص بالمسبيات فالمعنى حرمت عليكم المحصنات إلا اللاتي سبين فإن نكاحهن مشروع في الجملة أي لغير ملاكهن، وأما حلهن لهم بحكم ملك اليمين فمفهوم بدلالة النص لاتحاد المناط لا بعبارته لأن مساق النظم الكريم لبيان حرمة التمتع بالمحرمات المعدودة بحكم ملك النكاح، وإنما ثبوت حرمة التمتع بهن بحكم ملك اليمين بطريق دلالة النص وذلك مما لا يجري فيه الاستثناء قطعاً، وأما عدهن من ذوات الأزواج مع تحقق الفرقة بينهن وبين أزواجهن قطعاً بتباين الدارين أو بالسباء فمبني على اعتقاد الناس حيث كانوا غافلين عن الفرقة كما ينبي عن ذلك خبر أبي سعيد، وليس في ترتب ما فيه من الحكم على نزول الآية الكريمة ما يدل على كونها مسوقة له فإن ذلك إنما يتوقف على إفادتها له بوجه من وجوه الدلالات لا على إفادتها بطريق العبارة أو نحوها.
واعترض بأن فيه ارتكاب خلاف الظاهر من غير ما وجه ولا مانع على تقدير تسليم أن يكون مساق النظم الكريم لبيان حرمة التمتع بالمحرمات المعدودة بحكم ملك النكاح فقط من أن يكون الاستثناء باعتبار لازم تحريم النكاح وهو تحريم الوطء فكأنه قيل : يحرم عليكم نكاح المحصنات فلا يجوز لكم وطؤهن إلا ما ملكت أيمانكم فإنه يجوز لكم وطؤهن فتدبر.
﴿كتاب الله﴾ مصدر مؤكد أى كتب الله تعالى ﴿عَلَيْكُمْ﴾ تحريم هؤلاء كتاباً، ولا ينافيه الإضافة كما توهم، والجملة مؤكدة لما قبلها و ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلق بالفعل المقدر، وقيل :﴿كِتَابٌ﴾ منصوب على الإغراء أي ألزموا كتاب الله، و ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلق إما بالمصدر أو بمحذوف وقع حالاً منه، وقيل : هو إغراء آخر مؤكد لما قبله وقد حذف مفعوله لدلالة ما قبله عليه ؛ وقيل : منصوب بعليكم، واستدلوا به على جواز تقديم المفعول في باب الإغراء وليس بشيء. وقرأ أبو السميقع ( كتب الله ) بالجمع والرفع أي : هذه فرائض الله تعالى عليكم، و كتب الله بلفظ الفعل.
﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ﴾ قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم على البناء للمفعول، والباقون على البناء للمفاعل، وجعله الزمخشري على القراءة الأولى معطوفاً على ﴿حرمات﴾، وعلى الثانية معطوفاً على ( كتب ) المقدر، وتعقبه أبو حيان بأن ما اختاره من التفرقة غير مختار لأن جملة ( كتب ) لتأكيد ما قبلها، وهذه غير مؤكدة فلا ينبغي عطفها على المؤكدة بل على الجملة المؤسسة خصوصاً مع تناسبهما بالتحليل والتحريم، ونظر فيه الحلبي، ولعل وجه النظر أن تحليل ما سوى ذلك مؤكد لتحريمه معنى، وما ذكر أمر استحساني رعاية لمناسبة ظاهرة ﴿مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾ إشارة إلى ما تقدم من المحرمات أي أحل لكم نكاح ما سواهن انفراداً وجمعاً، وفي إيثار اسم الإشارة على الضمير إشارة إلى مشاركة من في معنى المذكورات للمذكورات في حكم الحرمة فلا يرد حرمة الجمع بين المرأة وعمتها وكذا الجمع بين كل امرأتين أيتهما فرضت ذكراً لم تحل لها الأخرى كما بيّن في الفروع لأن تحريم من ذكر داخل فيما تقدم بطريق الدلالة كما مرت إليه الإشارة عن بعض المحققين، وحديث تخصيص هذا العموم بالكتاب والسنة مشهور.
﴿أَن تَبْتَغُواْ﴾ مفعول له لما دل عليه الكلام أي بين لكم تحريم المحرمات المذكورات وإحلال ما سواهن إرادة، وطلب أن تبتغوا والمفعول محذوف أي تبتغوا النساء، أو متروك أي تفعلوا الابتغاء ﴿بأموالكم﴾ بأن تصرفوها إلى مهورهن، أو بدل اشتمال من ﴿مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾ بتقدير المفعول ضميراً. وجوز بعضهم كون ﴿مَا﴾ عبارة عن الفعل كالتزوج والنكاح، وجعل هذا بدل كل من كل، والمروي عن ابن عباس تعميم الكلام بحيث يشمل صرف الأموال إلى المهور والأثمان ﴿مُّحْصِنِينَ﴾ حال من فاعل ﴿تَبْتَغُواْ﴾، والمراد بالإحصان هنا العفة وتحصين النفس عن الوقوع فيما لا يرضي الله تعالى ﴿غَيْرَ مسافحين﴾ حال من الضمير البارز، أو من الضمير المستكن وهي في الحقيقة حال مؤكدة، والسفاح الزنا من السفح وهو صب الماء وسمي الزنا به لأن الزاني لا غرض له إلا صب النطفة فقط لا النسل، وعن الزجاج المسافحة والمسافح : الزانيان اللذان لا يمتنعان من أحد، ويقال للمرأة إذا كانت تزني بواحد : ذات خدن، ومفعول الوصفين محذوف أي محصنين فروجكم أو نفوسكم غير مسافحين الزواني، وظاهر الآية حجة لمن ذهب إلى أن المهر لا بدّ وأن يكون مالاً كالإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه، وقال بعض الشافعية : لا حجة في ذلك لأن تخصيص المال لكونه الأغلب المتعارف فيجوز النكاح على ما ليس بمال، ويؤيد ذلك ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن سهل بن سعد " أن رسول الله ﷺ سأل رجلاً خطب الواهبة نفسها للنبي ﷺ ماذا معك من القرآن ؟ قال : معي سورة كذا وكذا وعددهن قال : تقرأهن على ظهر قلبك ؟ قال : نعم قال : اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن " ووجه التأييد أنه لو كان في الآية حجة لما خالفها رسول الله ﷺ. وأجيب بأن كون القرآن معه لا يوجب كونه بدلاً والتعليم ليس له ذكر في الخبر فيجوز أن يكون مراده ﷺ زوجتك تعظيماً للقرآن ولأجل ما معك منه قاله بعض المحققين ولعل في الخبر إشارة إليه.
﴿فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ﴾ ( ما ) إما عبارة عن النساء أو عما يتعلق بهن من الأفعال وعليهما فهي إما شرطية أو موصولة وأياً مّا كان فهي مبتدأ وخبرها على تقدير الشرطية فعل الشرط أو جوابه أو كلاهما وعلى تقدير الموصولية قوله تعالى :﴿فَئَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ والفاء لتضمن الموصول معنى الشرط ثم على تقدير
وحكي عن الأزهري مثله، وقال ثعلب : كل امرأة عفيفة محصنة ومحصنة، وكل امرأة متزوجة محصنة بالفتح لا غير، ويقال : حصنت المرأة بالضم حصناً أي عفت فهي حاصن وحصنان بالفتح وحصناء أيضاً بينة الحصانة، وفرس حصان بالكسر بيّنُ التحصين والتحصن، ويقال : إنه سمي حصاناً لأنه ضن بمائه فلم ينز إلا على كريمة، ثم كثر ذلك حتى سموا كل ذكر من الخيل حصاناً، والإحصان في المرأة ورد في اللغة واستعمل في القرآن بأربعة معان : الإسلام والحرية والتزوج والعفة، وزاد الرافعي العقل لمنعه من الفواحش. والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع حالاً من المحصنات أي حرمت عليكم المحصنات كائنات من النساء، وفائدته تأكيد عمومها، وقيل : دفع توهم شمولها للرجال بناءاً على كونها صفة للأنفس وهي شاملة للذكور والإناث وليس بشيء كما لا يخفى، وفي المراد بالآية غموض حتى قال مجاهد : لو كنت أعلم من يفسرها لي لضربت إليه أكباد الإبل أخرجه عنه ابن جرير، وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي السوداء قال : سألت عكرمة عن هذه الآية ﴿والمحصنات﴾ الخ فقال : لا أدري، وللعلماء المتقدمين فيها أقوال : أحدها : أن المراد بها المزوجات كما قدمنا.
والمراد بالمِلْكِ المِلْكُ بالسبي خاصة فإنه المقتضي لفسخ النكاح وحلها للسابي دون غيره، وهو قول عمر وعثمان وجمهور الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة، لكن وقع الخلاف هل مجرد السبي محل لذلك أو سبيها وحدها ؟ فعند الشافعي رحمه الله تعالى مجرد السبي موجب للفرقة ومحل للنكاح، وعند أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه سبيها وحدها حتى لو سبيت معه لم تحل للسابي، واحتج أهل هذا القول بما أخرجه مسلم عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه أنه قال : أصبنا سبياً يوم أوطاس ولهن أزواج فكرهنا أن نقع عليهن فسألنا النبي ﷺ فنزلت الآية فاستحللناهن، وهذه الرواية عنه أصح من الرواية الأخرى أنها نزلت في المهاجرات، واعترض بأن هذا من قصر العام على سببه وهو مخالف لما تقرر في الأصول من أنه لا يعتبر خصوص السبب، وأجيب بأنه ليس من ذاك القصر في شيء وإنما خص لمعارضة دليل آخر وهو الحديث المشهور عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها لما اشترت بريرة وكانت مزوجة(١) أعتقتها وخيرها ﷺ فلو كان بيع الأمة طلاقاً ما خيرها فاقتصر بالعام حينئذٍ على سببه الوارد عليه لما كان غير البيع من أنواع الانتقالات كالبيع في أنه مِلْكٌ اختياري مترتب على مِلك متقدم بخلاف السباء فإنه ملك جديد قهري فلا يلحق به غيره كذا قيل، واعترض أصحاب الشافعي بإطلاق الآية والخبر على الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه وجعلوا ذلك حجة عليه فيما ذهب إليه، وأجاب الشهاب بأن الإطلاق غير مسلم ففي الأحكام المروي أنه لما كان يوم أوطاس لحقت الرجال بالجبال وأخذت النساء فقال المسلمون : كيف نصنع ولهن أزواج ؟ فأنزل الله تعالى الآية، وكذا في حنين كما ذكره أهل المغازي فثبت أنه لم يكن معهن أزواج.
فإن احتجوا بعموم اللفظ قيل لهم : قد اتفقنا على أنه ليس بعام وأنه لا تجب الفرقة بتجدد الملك فإذا لم يكن كذلك علمنا أن الفرقة لمعنى آخر وهو اختلاف الدارين فلزم تخصيصها بالمسبيات وحدهن، وليس السبي سبب الفرقة بدليل أنها لو خرجت مسلمة أو ذمية ولم يلحق بها زوجها وقعت الفرقة بلا خلاف.
وقد حكم الله تعالى به في المهاجرات في قوله سبحانه :﴿وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكوافر﴾ [الممتحنة: ١٠] فلا يرد ما أورد، وثانيها : أن المراد بالمحصنات ما قدمنا، وبالمِلكِ مطلق ملك اليمين فكل من انتقل إليه ملك أمة ببيع أو هبة أو سباء أو غير ذلك وكانت مزوجة كان ذلك الانتقال مقتضياً لطلاقها وحلها لمن انتقلت إليه وهو قول ابن مسعود وجماعة من الصحابة وإليه ذهب جمهور الإمامية. وثالثها : أن المحصنات أعم من العفائف والحرائر وذوات الأزواج، والملك أعم من ملك اليمين وملك الاستمتاع بالنكاح فيرجع معنى الآية إلى تحريم الزنا وحرمة كل أجنبية إلا بعقد أو ملك يمين، وإلى ذلك ذهب ابن جبير وعطاء والسدي، وحكي عن بعض الصحابة، واختاره مالك في «لموطأ » ورابعها : كون المراد من المحصنات الحرائر، ومن الملك المطلق والمقصود تحريم الحرائر بعد الأربع. أخرج عبد الرزاق وغيره عن عبيدة أنه قال في هذه الآية :«أحل الله تعالى لك أربعاً في أول السورة وحرم نكاح كل محصنة بعد الأربع إلا ما ملكت يمينك » وروي مثله عن كثير.
وقال شيخ الإسلام : المراد من المحصنات ذوات الأزواج والموصول إما عام حسب عموم صلته، والاستثناء ليس لإخراج جميع الأفراد من حكم التحريم بطريق شمول النفي بل بطريق نفي الشمول المستلزم لإخراج البعض أي حرمت عليكم المحصنات على الإطلاق إلا المحصنات اللاتي ملكتموهن فإنهن لسن من المحرمات على الإطلاق بل فيهن من لا يحرم نكاحهن في الجملة وهن المسبيات بغير أزواجهن أو مطلقاً على اختلاف المذهبين، وإما خاص بالمسبيات فالمعنى حرمت عليكم المحصنات إلا اللاتي سبين فإن نكاحهن مشروع في الجملة أي لغير ملاكهن، وأما حلهن لهم بحكم ملك اليمين فمفهوم بدلالة النص لاتحاد المناط لا بعبارته لأن مساق النظم الكريم لبيان حرمة التمتع بالمحرمات المعدودة بحكم ملك النكاح، وإنما ثبوت حرمة التمتع بهن بحكم ملك اليمين بطريق دلالة النص وذلك مما لا يجري فيه الاستثناء قطعاً، وأما عدهن من ذوات الأزواج مع تحقق الفرقة بينهن وبين أزواجهن قطعاً بتباين الدارين أو بالسباء فمبني على اعتقاد الناس حيث كانوا غافلين عن الفرقة كما ينبي عن ذلك خبر أبي سعيد، وليس في ترتب ما فيه من الحكم على نزول الآية الكريمة ما يدل على كونها مسوقة له فإن ذلك إنما يتوقف على إفادتها له بوجه من وجوه الدلالات لا على إفادتها بطريق العبارة أو نحوها.
واعترض بأن فيه ارتكاب خلاف الظاهر من غير ما وجه ولا مانع على تقدير تسليم أن يكون مساق النظم الكريم لبيان حرمة التمتع بالمحرمات المعدودة بحكم ملك النكاح فقط من أن يكون الاستثناء باعتبار لازم تحريم النكاح وهو تحريم الوطء فكأنه قيل : يحرم عليكم نكاح المحصنات فلا يجوز لكم وطؤهن إلا ما ملكت أيمانكم فإنه يجوز لكم وطؤهن فتدبر.
﴿كتاب الله﴾ مصدر مؤكد أى كتب الله تعالى ﴿عَلَيْكُمْ﴾ تحريم هؤلاء كتاباً، ولا ينافيه الإضافة كما توهم، والجملة مؤكدة لما قبلها و ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلق بالفعل المقدر، وقيل :﴿كِتَابٌ﴾ منصوب على الإغراء أي ألزموا كتاب الله، و ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلق إما بالمصدر أو بمحذوف وقع حالاً منه، وقيل : هو إغراء آخر مؤكد لما قبله وقد حذف مفعوله لدلالة ما قبله عليه ؛ وقيل : منصوب بعليكم، واستدلوا به على جواز تقديم المفعول في باب الإغراء وليس بشيء. وقرأ أبو السميقع ( كتب الله ) بالجمع والرفع أي : هذه فرائض الله تعالى عليكم، و كتب الله بلفظ الفعل.
﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ﴾ قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم على البناء للمفعول، والباقون على البناء للمفاعل، وجعله الزمخشري على القراءة الأولى معطوفاً على ﴿حرمات﴾، وعلى الثانية معطوفاً على ( كتب ) المقدر، وتعقبه أبو حيان بأن ما اختاره من التفرقة غير مختار لأن جملة ( كتب ) لتأكيد ما قبلها، وهذه غير مؤكدة فلا ينبغي عطفها على المؤكدة بل على الجملة المؤسسة خصوصاً مع تناسبهما بالتحليل والتحريم، ونظر فيه الحلبي، ولعل وجه النظر أن تحليل ما سوى ذلك مؤكد لتحريمه معنى، وما ذكر أمر استحساني رعاية لمناسبة ظاهرة ﴿مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾ إشارة إلى ما تقدم من المحرمات أي أحل لكم نكاح ما سواهن انفراداً وجمعاً، وفي إيثار اسم الإشارة على الضمير إشارة إلى مشاركة من في معنى المذكورات للمذكورات في حكم الحرمة فلا يرد حرمة الجمع بين المرأة وعمتها وكذا الجمع بين كل امرأتين أيتهما فرضت ذكراً لم تحل لها الأخرى كما بيّن في الفروع لأن تحريم من ذكر داخل فيما تقدم بطريق الدلالة كما مرت إليه الإشارة عن بعض المحققين، وحديث تخصيص هذا العموم بالكتاب والسنة مشهور.
﴿أَن تَبْتَغُواْ﴾ مفعول له لما دل عليه الكلام أي بين لكم تحريم المحرمات المذكورات وإحلال ما سواهن إرادة، وطلب أن تبتغوا والمفعول محذوف أي تبتغوا النساء، أو متروك أي تفعلوا الابتغاء ﴿بأموالكم﴾ بأن تصرفوها إلى مهورهن، أو بدل اشتمال من ﴿مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾ بتقدير المفعول ضميراً. وجوز بعضهم كون ﴿مَا﴾ عبارة عن الفعل كالتزوج والنكاح، وجعل هذا بدل كل من كل، والمروي عن ابن عباس تعميم الكلام بحيث يشمل صرف الأموال إلى المهور والأثمان ﴿مُّحْصِنِينَ﴾ حال من فاعل ﴿تَبْتَغُواْ﴾، والمراد بالإحصان هنا العفة وتحصين النفس عن الوقوع فيما لا يرضي الله تعالى ﴿غَيْرَ مسافحين﴾ حال من الضمير البارز، أو من الضمير المستكن وهي في الحقيقة حال مؤكدة، والسفاح الزنا من السفح وهو صب الماء وسمي الزنا به لأن الزاني لا غرض له إلا صب النطفة فقط لا النسل، وعن الزجاج المسافحة والمسافح : الزانيان اللذان لا يمتنعان من أحد، ويقال للمرأة إذا كانت تزني بواحد : ذات خدن، ومفعول الوصفين محذوف أي محصنين فروجكم أو نفوسكم غير مسافحين الزواني، وظاهر الآية حجة لمن ذهب إلى أن المهر لا بدّ وأن يكون مالاً كالإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه، وقال بعض الشافعية : لا حجة في ذلك لأن تخصيص المال لكونه الأغلب المتعارف فيجوز النكاح على ما ليس بمال، ويؤيد ذلك ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن سهل بن سعد " أن رسول الله ﷺ سأل رجلاً خطب الواهبة نفسها للنبي ﷺ ماذا معك من القرآن ؟ قال : معي سورة كذا وكذا وعددهن قال : تقرأهن على ظهر قلبك ؟ قال : نعم قال : اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن " ووجه التأييد أنه لو كان في الآية حجة لما خالفها رسول الله ﷺ. وأجيب بأن كون القرآن معه لا يوجب كونه بدلاً والتعليم ليس له ذكر في الخبر فيجوز أن يكون مراده ﷺ زوجتك تعظيماً للقرآن ولأجل ما معك منه قاله بعض المحققين ولعل في الخبر إشارة إليه.
﴿فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ﴾ ( ما ) إما عبارة عن النساء أو عما يتعلق بهن من الأفعال وعليهما فهي إما شرطية أو موصولة وأياً مّا كان فهي مبتدأ وخبرها على تقدير الشرطية فعل الشرط أو جوابه أو كلاهما وعلى تقدير الموصولية قوله تعالى :﴿فَئَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ والفاء لتضمن الموصول معنى الشرط ثم على تقدير
١ - اختلفوا هل كان الزوج عبداً أو حراً؟ فذهب الحنفيون إلى أنه كان حراً، والأئمة الثلاث إلى أنه كان عبداً، وأكثر الروايات على ذلك فتدبر اهـ منه..