زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي
عن الكتاب
قوله :﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النّسَاء﴾ أما سبب نزولها، فروى أبو سعيد الخدري قال : أصبنا سبايا يوم أوطاس لهن أزواج، فكرهنا أن نقع عليهن، فسألنا النبي ﷺ، فنزلت هذه الآية، فاستحللناهن.
وأما خلاف القراء، فقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر، وحمزة بفتح الصاد في كل القرآن، وفتح الكسائي الصاد في هذه وحدها، وقرأ سائر القرآن بالكسر، و " المحصِنات " و " محصِنات ". قال ابن قتيبة : والإحصان : أن يحمي الشيء، ويمنع منه، فالمحصنات : ذوات الأزواج، لأن الأزواج أحصنوهن، ومنعوا منهن : والمحصنات : الحرائر وإن لم يكنّ متزوجات، لأن الحرة تُحصن وتَحصن، وليست كالأمة.
وفي المراد بالمحصنات هاهنا ثلاثة أقوال :
أحدها : ذوات الأزواج، وهذا قول ابن عباس، وسعيد بن المسيب، والحسن، وابن جبير، والنخعي، وابن زيد، والفراء، وابن قتيبة، والزجاج.
والثاني : العفائف : فإنهن حرام على الرجال إلا بعقد نكاح، أو ملك يمين. وهذا قول عمر بن الخطاب، وأبي العالية، وعطاء، وعبيدة، والسدي.
والثالث : الحرائر، فالمعنى : أنهن حرام بعد الأربع اللواتي ذكرن في أول السورة، روي عن ابن عباس، وعبيدة.
فعلى القول الأول في معنى قوله ﴿إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ﴾ قولان :
أحدهما : أن معناه : إلا ما ملكت أيمانكم من السبايا في الحروب، وعلى هذا تأول الآية عليّ، وعبد الرحمن بن عوف، وابن عمر، وابن عباس، وكان هؤلاء لا يرون بيع الأمة طلاقا.
والثاني : إلا ما ملكت أيمانكم من الإماء ذوات الأزواج، بسبي أو غير سبي، وعلى هذا تأول الآية ابن مسعود، وأبيّ بن كعب، وجابر، وأنس، وكان هؤلاء يرون بيع الأمة طلاقا. وقد ذكر ابن جرير، عن ابن عباس، وسعيد بن المسيب، والحسن : أنهم قالوا : بيع الأمة طلاقها، والأول أصح، لأن النبي ﷺ خيّر بريرة إذ أعتقتها عائشة، بين المقام مع زوجها الذي زوجها منه سادتها في حال رقّها، وبين فراقه، ولم يجعل النبي ﷺ عتق عائشة إياها طلاقا، ولو كان طلاقا لم يكن لتخييره إياها معنى. ويدل على صحة القول الأول ما ذكرناه من سبب نزول الآية.
وعلى القول الثاني : العفائف حرام إلا بملك، والملك يكون عقدا، ويكون ملك يمين.
وعلى القول الثالث : الحرائر حرام بعد الأربع إلا ما ملكت أيمانكم من الإماء، فإنهن لم يُحصرن بعدد.
قوله تعالى :﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ قال الزجاج : هو منصوب على التوكيد، محمول على المعنى، لأن معنى ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ : كتب الله عليكم هذا كتابا، قال : ويجوز أن ينتصب على جهة الأمر، ويكون " عليكم " مفسرا له، فيكون المعنى : الزموا كتاب الله. قال :﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾ أي : ما بعد هذه الأشياء، إلا أن السنة، قد حرمت تزويج المرأة على عمتها، وتزويجها على خالتها. وقرأ ابن السميفع، وأبو عمران :﴿كتب الله عليكم﴾ بفتح الكاف، والتاء، والباء، من غير ألف، ورفع الهاء. وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر : وأحل بفتح الحاء، وقرأ حمزة، والكسائي : بضم الألف.
فصل : قال شيخنا علي بن عبيد الله : وعامة العلماء ذهبوا إلى أن قوله :﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾ تحليل ورد بلفظ العموم، وأنه عموم دخله التخصيص، والمخصص له نهي النبي ﷺ أن تنكح المرأة على عمتها، أو على خالتها. وليس هذا على سبيل النسخ. وذهب طائفة إلى أن التحليل المذكور في الآية منسوخ بهذا الحديث.
قوله تعالى :﴿أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوالِكُمْ﴾ أي : تطلبوا إما بصداق في نكاح، أو ثمن في ملك ﴿مُّحْصِنِينَ﴾ قال ابن قتيبة : متزوجين، وقال الزجاج : عاقدين التزويج، وقال غيرهما : متعففين غير زانين.
والسفاح : الزنى، قال ابن قتيبة : أصله من سفحت القربة : إذا صببتها، فسمي الزنى سفاحا، لأنه يصب النطفة، وتصب المرأة النطفة. وقال ابن فارس : السفاح : صب الماء بلا عقد، ولا نكاح، فهو كالشيء يسفح ضياعا.
قوله تعالى :﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ فيه قولان :
أحدهما : أنه الاستمتاع في النكاح بالمهور، قاله ابن عباس، والحسن، ومجاهد، والجمهور.
والثاني : أنه الاستمتاع إلى أجل مسمى من غير عقد نكاح. وقد روي عن ابن عباس : أنه كان يفتي بجواز المتعة، ثم رجع عن ذلك وقد تكلف قوم من مفسري القراء، قالوا : المراد بهذه الآية نكاح المتعة، ثم نسخت بما روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن متعة النساء، وهذا تكلف لا يُحتاج إليه، لأن النبي ﷺ أجاز المتعة، ثم منع منها، فكان قوله منسوخا بقوله. وأما الآية، فإنها لم تتضمن جواز المتعة. لأنه تعالى قال فيها :﴿أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوالِكُمْ مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ فدل ذلك على النكاح الصحيح. قال الزجاج : ومعنى قوله :
﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ فما نكحتموهن على الشريطة التي جرت، وهو قوله ﴿مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ أي : عاقدين التزويج ﴿فآتوهن أجورهن﴾ أي : مهورهن. ومن ذهب في الآية إلى غير هذا، فقد أخطأ، وجهل اللغة.
قوله تعالى :﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ فيه ستة أقوال :
أحدها : أن معناه : لا جناح عليكم فيما تركته المرأة من صداقها، ووهبته لزوجها، هذا مروي عن ابن عباس، وابن زيد.
والثاني : ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من مقام، أو فرقة بعد أداء الفريضة، روي عن ابن عباس أيضا.
والثالث : ولا جناح عليكم أيها الأزواج إذا أعسرتم بعد الفرض لنسائكم فيما تراضيتم به من أن ينقصنكم أو يبرئنكم، قاله أبو سليمان التيمي.
والرابع : لا جناح عليكم إذا انقضى أجل المتعة أن يزدنكم في الأجل، وتزيدونهن في الأجر من غير استبراء، قاله السدي، وهو يعود إلى قصة المتعة.
والخامس : لا جناح عليكم أن تهب المرأة للرجل مهرها، أو يهب هو للتي لم يدخل بها نصف المهر الذي لا يجب عليه. قاله الزجاج.
والسادس : أنه عام في الزيادة، والنقصان، والتأخير، والإبراء، قاله القاضي أبو يعلى.
وأما خلاف القراء، فقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر، وحمزة بفتح الصاد في كل القرآن، وفتح الكسائي الصاد في هذه وحدها، وقرأ سائر القرآن بالكسر، و " المحصِنات " و " محصِنات ". قال ابن قتيبة : والإحصان : أن يحمي الشيء، ويمنع منه، فالمحصنات : ذوات الأزواج، لأن الأزواج أحصنوهن، ومنعوا منهن : والمحصنات : الحرائر وإن لم يكنّ متزوجات، لأن الحرة تُحصن وتَحصن، وليست كالأمة.
وفي المراد بالمحصنات هاهنا ثلاثة أقوال :
أحدها : ذوات الأزواج، وهذا قول ابن عباس، وسعيد بن المسيب، والحسن، وابن جبير، والنخعي، وابن زيد، والفراء، وابن قتيبة، والزجاج.
والثاني : العفائف : فإنهن حرام على الرجال إلا بعقد نكاح، أو ملك يمين. وهذا قول عمر بن الخطاب، وأبي العالية، وعطاء، وعبيدة، والسدي.
والثالث : الحرائر، فالمعنى : أنهن حرام بعد الأربع اللواتي ذكرن في أول السورة، روي عن ابن عباس، وعبيدة.
فعلى القول الأول في معنى قوله ﴿إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ﴾ قولان :
أحدهما : أن معناه : إلا ما ملكت أيمانكم من السبايا في الحروب، وعلى هذا تأول الآية عليّ، وعبد الرحمن بن عوف، وابن عمر، وابن عباس، وكان هؤلاء لا يرون بيع الأمة طلاقا.
والثاني : إلا ما ملكت أيمانكم من الإماء ذوات الأزواج، بسبي أو غير سبي، وعلى هذا تأول الآية ابن مسعود، وأبيّ بن كعب، وجابر، وأنس، وكان هؤلاء يرون بيع الأمة طلاقا. وقد ذكر ابن جرير، عن ابن عباس، وسعيد بن المسيب، والحسن : أنهم قالوا : بيع الأمة طلاقها، والأول أصح، لأن النبي ﷺ خيّر بريرة إذ أعتقتها عائشة، بين المقام مع زوجها الذي زوجها منه سادتها في حال رقّها، وبين فراقه، ولم يجعل النبي ﷺ عتق عائشة إياها طلاقا، ولو كان طلاقا لم يكن لتخييره إياها معنى. ويدل على صحة القول الأول ما ذكرناه من سبب نزول الآية.
وعلى القول الثاني : العفائف حرام إلا بملك، والملك يكون عقدا، ويكون ملك يمين.
وعلى القول الثالث : الحرائر حرام بعد الأربع إلا ما ملكت أيمانكم من الإماء، فإنهن لم يُحصرن بعدد.
قوله تعالى :﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ قال الزجاج : هو منصوب على التوكيد، محمول على المعنى، لأن معنى ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ : كتب الله عليكم هذا كتابا، قال : ويجوز أن ينتصب على جهة الأمر، ويكون " عليكم " مفسرا له، فيكون المعنى : الزموا كتاب الله. قال :﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾ أي : ما بعد هذه الأشياء، إلا أن السنة، قد حرمت تزويج المرأة على عمتها، وتزويجها على خالتها. وقرأ ابن السميفع، وأبو عمران :﴿كتب الله عليكم﴾ بفتح الكاف، والتاء، والباء، من غير ألف، ورفع الهاء. وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر : وأحل بفتح الحاء، وقرأ حمزة، والكسائي : بضم الألف.
فصل : قال شيخنا علي بن عبيد الله : وعامة العلماء ذهبوا إلى أن قوله :﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾ تحليل ورد بلفظ العموم، وأنه عموم دخله التخصيص، والمخصص له نهي النبي ﷺ أن تنكح المرأة على عمتها، أو على خالتها. وليس هذا على سبيل النسخ. وذهب طائفة إلى أن التحليل المذكور في الآية منسوخ بهذا الحديث.
قوله تعالى :﴿أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوالِكُمْ﴾ أي : تطلبوا إما بصداق في نكاح، أو ثمن في ملك ﴿مُّحْصِنِينَ﴾ قال ابن قتيبة : متزوجين، وقال الزجاج : عاقدين التزويج، وقال غيرهما : متعففين غير زانين.
والسفاح : الزنى، قال ابن قتيبة : أصله من سفحت القربة : إذا صببتها، فسمي الزنى سفاحا، لأنه يصب النطفة، وتصب المرأة النطفة. وقال ابن فارس : السفاح : صب الماء بلا عقد، ولا نكاح، فهو كالشيء يسفح ضياعا.
قوله تعالى :﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ فيه قولان :
أحدهما : أنه الاستمتاع في النكاح بالمهور، قاله ابن عباس، والحسن، ومجاهد، والجمهور.
والثاني : أنه الاستمتاع إلى أجل مسمى من غير عقد نكاح. وقد روي عن ابن عباس : أنه كان يفتي بجواز المتعة، ثم رجع عن ذلك وقد تكلف قوم من مفسري القراء، قالوا : المراد بهذه الآية نكاح المتعة، ثم نسخت بما روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن متعة النساء، وهذا تكلف لا يُحتاج إليه، لأن النبي ﷺ أجاز المتعة، ثم منع منها، فكان قوله منسوخا بقوله. وأما الآية، فإنها لم تتضمن جواز المتعة. لأنه تعالى قال فيها :﴿أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوالِكُمْ مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ فدل ذلك على النكاح الصحيح. قال الزجاج : ومعنى قوله :
﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ فما نكحتموهن على الشريطة التي جرت، وهو قوله ﴿مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ أي : عاقدين التزويج ﴿فآتوهن أجورهن﴾ أي : مهورهن. ومن ذهب في الآية إلى غير هذا، فقد أخطأ، وجهل اللغة.
قوله تعالى :﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ فيه ستة أقوال :
أحدها : أن معناه : لا جناح عليكم فيما تركته المرأة من صداقها، ووهبته لزوجها، هذا مروي عن ابن عباس، وابن زيد.
والثاني : ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من مقام، أو فرقة بعد أداء الفريضة، روي عن ابن عباس أيضا.
والثالث : ولا جناح عليكم أيها الأزواج إذا أعسرتم بعد الفرض لنسائكم فيما تراضيتم به من أن ينقصنكم أو يبرئنكم، قاله أبو سليمان التيمي.
والرابع : لا جناح عليكم إذا انقضى أجل المتعة أن يزدنكم في الأجل، وتزيدونهن في الأجر من غير استبراء، قاله السدي، وهو يعود إلى قصة المتعة.
والخامس : لا جناح عليكم أن تهب المرأة للرجل مهرها، أو يهب هو للتي لم يدخل بها نصف المهر الذي لا يجب عليه. قاله الزجاج.
والسادس : أنه عام في الزيادة، والنقصان، والتأخير، والإبراء، قاله القاضي أبو يعلى.