فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿والمحصنات مِنَ النساء﴾ عطف على المحرّمات المذكورات. وأصل التحصن التمنع، ومنه قوله تعالى :﴿لِتُحْصِنَكُمْ من بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] أي : لتمنعكم، ومنه الحصان بكسر الحاء للفرس ؛ لأنه يمنع صاحبه من الهلاك. والحصان بفتح الحاء : المرأة العفيفة لمنعها نفسها، ومنه قول حسان :
حصان رزان ما تزنّ بريبةوتصبح غرثى من لحوم الغوافل
والمصدر الحصانة بفتح الحاء. والمراد بالمحصنات هنا : ذوات الأزواج. وقد ورد الإحصان في القرآن لمعان، هذا أحدها. والثاني يراد به الحرّة، ومنه قوله تعالى :﴿وَمَن لمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المحصنات﴾ [النساء: ٢٥] وقوله :﴿والمحصنات مِنَ المؤمنات والمحصنات مِنَ الذين أُوتُوا الكتاب مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]. والثالث يراد به : العفيفة ومنه قوله تعالى :﴿محصنات غَيْرَ مسافحات﴾ [النساء: ٢٥]، ﴿محْصِنِينَ غَيْرَ مسافحين﴾ [ النساء : ٢٤، المائدة : ٥ ]. والرابع المسلمة، ومنه قوله تعالى :﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾.
وقد اختلف أهل العلم في تفسير هذه الآية، أعني قوله :﴿والمحصنات مِنَ النساء إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم﴾ فقال ابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وأبو قلابة، ومكحول، والزهري : المراد بالمحصنات هنا : المسبيات ذوات الأزواج خاصة، أي : هنّ محرّمات عليكم إلا ما ملكت أيمانكم بالسبي من أرض الحرب، فإن تلك حلال، وإن كان لها زوج، وهو قول الشافعي : أي : أن السباء يقطع العصمة، وبه قال ابن وهب، وابن عبد الحكم، وروياه عن مالك، وبه قال أبو حنيفة، وأصحابه، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. واختلفوا في استبرائها بماذا يكون ؟ كما هو مدوّن في كتب الفروع. وقالت طائفة : المحصنات في هذه الآية العفائف، وبه قال أبو العالية، وعبيدة السلماني، وطاوس، وسعيد بن جبير، وعطاء، ورواه عبيدة، عن عمر. ومعنى الآية عندهم : كل النساء حرام إلا ما ملكت أيمانكم، أي : تملكون عصمتهنّ بالنكاح، وتملكون الرقبة بالشراء. وحكى ابن جرير الطبري أن رجلاً قال لسعيد بن جبير : أما رأيت ابن عباس حين سئل عن هذه الآية، فلم يقل فيها شيئاً ؟ فقال : كان ابن عباس لا يعلمها. وروى ابن جرير أيضاً عن مجاهد أنه قال : لو أعلم من يفسر لي هذه الآية لضربت إليه أكباد الإبل انتهى. ومعنى الآية، والله أعلم واضح لا سترة به، أي : وحرّمت عليكم المحصنات من النساء، أي : المزوجات أعمّ من أن يكنّ مسلمات، أو كافرات إلا ما ملكت أيمانكم منهنّ، أما بسبي، فإنها تحلّ، ولو كانت ذات زوج، أو بشراء، فإنها تحلّ، ولو كانت مزوجة، وينفسخ النكاح الذي كان عليها بخروجها عن ملك سيدها الذي زوّجها. وسيأتي ذكر سبب نزول الآية إن شاء الله، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقد قرئ :﴿المحصنات﴾ بفتح الصاد وكسرها، فالفتح على أن الأزواج أحصنوهنّ ؛ والكسر على أنهنّ أحصنّ فروجهن من غير أزواجهنّ، أو أحصنّ أزواجهنّ.
قوله :﴿كتاب الله عَلَيْكُمْ﴾ منصوب على المصدرية، أي : كتب الله ذلك عليكم كتاباً. وقال الزجاج، والكوفيون : إنه منصوب على الإغراء، أي : الزموا كتاب الله، أو عليكم كتاب الله، واعترضه أبو عليّ الفارسي بأن الإغراء لا يجوز فيه تقديم المنصوب، وهذا الاعتراض إنما يتوجه على قول من قال : إنه منصوب بعليكم المذكور في الآية، وروي عن عبيدة السلماني أنه قال : إن قوله :﴿كتاب الله عَلَيْكُمْ﴾ إشارة إلى قوله تعالى :﴿مثنى وثلاث وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] وهو بعيد، بل هو إشارة إلى التحريم المذكور في قوله :﴿حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ﴾ إلى آخر الآية.
قوله :﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَرَاء ذَلِكُمْ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم في رواية حفص، ﴿وأحلّ﴾ على البناء للمجهول، وقرأ الباقون على البناء للمعلوم عطفاً على الفعل المقدّر في قوله :﴿كتاب الله عَلَيْكُمْ﴾ وقيل على قوله :﴿حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ﴾ ولا يقدح في ذلك اختلاف الفعلين، وفيه دلالة على أنه يحل لهم نكاح ما سوى المذكورات، وهذا عام مخصوص بما صح عن النبي ﷺ من تحريم الجمع بين المرأة، وعمتها، وبين المرأة وخالتها. وقد أبعد من قال : إن تحريم الجمع بين المذكورات مأخوذ من الآية هذه ؛ لأنه حرّم الجمع بين الأختين، فيكون ما في معناه في حكمه، وهو الجمع بين المرأة، وعمتها، وبين المرأة، وخالتها، وكذلك تحريم نكاح الأمة لمن يستطيع نكاح حرّة، كما سيأتي، فإنه يخصص هذا العموم. قوله :﴿أَن تَبْتَغُوا بأموالكم﴾ في محل نصب على العلة، أي : حرّم عليكم ما حرّم، وأحلّ لكم ما أحلّ لأجل أن تبتغوا بأموالكم النساء اللاتي أحلهنّ الله لكم، ولا تبتغوا بها الحرام، فتذهب حال كونكم :﴿محْصِنِينَ﴾ أي : متعففين عن الزنا :﴿غَيْرَ مسافحين﴾ أي : غير زانين. والسفاح : الزنا، وهو مأخوذ من سفح الماء، أي : صبه وسيلانه، فكأنه سبحانه أمرهم بأن يطلبوا بأمولهم النساء على وجه النكاح، لا على وجه السفاح وقيل : إن قوله :﴿أَن تَبْتَغُوا بأموالكم﴾ بدل من «ما » في قوله :﴿ما وَرَاء ذَلِكُمْ﴾ أي : وأحلّ لكم الابتغاء بأموالكم.
والأوّل أولى، وأراد سبحانه بالأموال المذكورة ما يدفعونه في مهور الحرائر وأثمان الإماء.
قوله :﴿فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَئَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ «ما » موصولة فيها معنى الشرط، والفاء في قوله :﴿فَئَاتُوهُنَّ﴾ لتضمن الموصول معنى الشرط، والعائد محذوف، أي : فآتوهنّ أجورهنّ عليه.
وقد اختلف أهل العلم في معنى الآية : فقال الحسن، ومجاهد، وغيرهما : المعنى فما انتفعتم، وتلذذتم بالجماع من النساء بالنكاح الشرعي ﴿فآتوهن أجورهن﴾ أي : مهورهنّ. وقال الجمهور : إن المراد بهذه الآية : نكاح المتعة الذي كان في صدر الإسلام، ويؤيد ذلك قراءة أبيّ بن كعب، وابن عباس، وسعيد بن جبير :" فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ إلى أَجَلٍ مسَمًّى فآتوهن أجورهن } ثم نهى عنها النبي ﷺ، كما صحّ ذلك من حديث عليّ قال : نهى النبي ﷺ، عن نكاح المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر، وهو في الصحيحين وغيرهما، وفي صحيح مسلم من حديث سبرة بن معبد الجهني، عن النبي ﷺ : أنه قال يوم فتح مكة " يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، والله قد حرّم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهنّ شيء، فليخلّ سبيلها، ولا تأخذوا مما آتيتموهنّ شيئاً " وفي لفظ لمسلم أن ذلك كان في حجة الوداع، فهذا هو الناسخ. وقال سعيد بن جبير : نسختها آيات الميراث إذ المتعة لا ميراث فيها. وقالت عائشة، والقاسم بن محمد : تحريمها، ونسخها في القرآن، وذلك قوله تعالى :﴿والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافظون إِلاَّ على أزواجهم أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٥، ٦] وليست المنكوحة بالمتعة من أزواجهم، ولا مما ملكت أيمانهم، فإن من شأن الزوجة أن ترث، وتورث، وليست المستمتع بها كذلك. وقد روي عن ابن عباس أنه قال بجواز المتعة، وأنها باقية لم تنسخ. وروي عنه أنه رجع عن ذلك عند أن بلغه الناسخ. وقد قال بجوازها جماعة من الروافض، ولا اعتبار بأقوالهم. وقد أتعب نفسه بعض المتأخرين بتكثير الكلام على هذه المسألة، وتقوية ما قاله المجوّزون لها، وليس هذا المقام مقام بيان بطلان كلامه.
وقد طوّلنا البحث، ودفعنا الشبه الباطلة التي تمسك بها المجوّزون لها في شرحنا للمنتقى، فليرجع إليه. قوله :﴿فَرِيضَةً﴾ منتصب على المصدرية المؤكدة، أو على الحال، أي : مفروضة. قوله :﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفريضة﴾ أي : من زيادة، أو نقصان في المهر، فإن ذلك سائغ عند التراضي، هذا عند من قال بأن الآية في النكاح الشرعي، وأما عند الجمهور القائلين بأنها في المتعة، فالمعنى التراضي في زيادة مدّة المتعة، أو نقصانها، أو في زيادة ما دفعه إليها إلى مقابل الاستمتاع بها، أو نقصانه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج البخاري، وغيره عن ابن عباس قال : حرم من النسب سبع، ومن الصهر سبع، ثم قرأ :﴿حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم﴾ إلى قوله :﴿وَبَنَاتُ الأخت﴾ هذا من النسب. وباقي الآية من الصهر، والسابعة :﴿وَلاَ تَنكِحُوا مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ منَ النساء﴾. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي، عن عمران بن حصين في قوله :﴿وأمهات نِسَائِكُمْ﴾ قال : هي مبهمة. وأخرج هؤلاء، عن ابن عباس قال : هي مبهمة إذا طلق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها، أو ماتت لم تحلّ له أمها. وأخرج هؤلاء إلا البيهقي، عن علي في الرجل يتزوج المرأة ثم يطلقها، أو ماتت قبل أن يدخل بها هل تحل له أمها ؟ قال : هي بمنزلة الربيبة. وأخرج هؤلاء عن زيد بن ثابت أنه كان يقول : إذا ماتت عنده، فأخذ ميراثها كره أن يخلف على أمها، وإذا طلقها قبل أن يدخل بها، فلا بأس أن يتزوج أمها.
وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد قال في قوله :﴿وأمهات نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتى فِى حُجُورِكُمْ﴾ اللاتي أريد بهما الدخول جميعاً. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن عبد الله بن الزبير قال : الربيبة والأم سواء لا بأس بها إذا لم يدخل بالمرأة. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي حاتم، بسند صحيح، عن مالك بن أوس بن الحدثان قال : كانت عندي امرأة، فتوفيت، وقد ولدت لي فوجدت عليها، فلقيني عليّ بن أبي طالب، فقال : مالك ؟ فقلت : توفيت المرأة، فقال عليّ : لها ابنة ؟ قلت : نعم، وهي بالطائف، قال : كانت في حجرك ؟ قلت لا، قال : فانكحها، قلت : فأين قول الله :﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتى فِى حُجُورِكُمْ﴾ ؟ قال : إنها لم تكن في حجرك.
وقد قدّمنا قول من قال : إنه إسناد ثابت على شرط مسلم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس قال : الدخول الجماع.
وأخرج عبد الرزاق في المصنف، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عطاء قال : كنا نتحدث أن محمداً ﷺ لما نكح امرأة زيد قال المشركون بمكة في ذلك، فأنزل الله :﴿وحلائل أَبْنَائِكُمُ الذين مِنْ أصلابكم﴾ ونزلت :﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤] ونزلت :﴿ما كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ من رجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠].
وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس في قوله :﴿وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأختين﴾ قال يعني في النكاح.
وأخرج عبد بن حميد عنه في الآية قال : ذلك في الحرائر، فأما المماليك، فلا بأس. وأخرج ابن المنذر عنه نحوه من طريق أخرى. وأخرج مالك، والشافعي، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد ابن حميد، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن عثمان بن عفان : أن رجلاً سأله عن الأختين في ملك اليمين هل يجمع بينهما ؟ قال : أحلتهما آية وحرّمتهما آية، وما كنت لأصنع ذلك، فخرج من عنده، فلقي رجلاً من أصحاب النبي ﷺ أراه علي بن أبي طالب، فسأله عن ذلك، فقال : لو كان لي من الأمر شيء، ثم وجدت أحداً فعل ذلك لجعلته نكالاً.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، والبيهقي عن علي : أنه سئل عن رجل له أمتان أختان، وطىء إحداهما، وأراد أن يطأ الأخرى، فقال : لا حتى يخرجها من ملكه. وقيل : فإن زوجها عبده ؟ قال : لا حتى يخرجها من ملكه. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والطبراني، عن ابن مسعود أنه سئل عن الرجل يجمع بين الأختين الأمتين، فكرهه، فقيل : يقول الله :﴿إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم﴾ فقال : وبعيرك أيضاً مما ملكت يمينك. وأخرج ابن أبي شيبة، والبيهقي، من طريق أبي صالح، عن عليّ بن أبي طالب قال في الأختين المملوكتين : أحلتهما آية، وحرّمتهما آية، ولا آمر، ولا أنهى، ولا أحلّ، ولا أحرّم، ولا أفعل أنا، وأهل بيتي. وأخرج أحمد عن قيس قال : قلت لابن عباس : أيقع الرجل على المرأة، وابنتها مملوكتين له ؟ فقال : أحلتهما آية، وحرّمتهما آية، ولم أكن لأفعله. وأخرج عبد الرزاق، والبيهقي عنه في الأختين من ملك اليمين : أحلتهما آية، وحرّمتهما آية. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والبيهقي، عن ابن عمر قال : إذا كان للرجل جاريتان أختان، فغشى إحداهما، فلا يقرب الأخرى حتى يخرج التي غشي من ملكه. وأخرج البيهقي، عن مقاتل بن سليمان قال : إنما قال الله في نساء الآباء :﴿إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ لأن العرب كانوا ينكحون نساء الآباء، ثم حرم النسب والصهر، فلم يقل إلا ما قد سلف ؛ لأن العرب كانت لا تنكح النسب، والصهر. وقال في الأختين :﴿إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ لأنهم كانوا يجمعون بينهما، فحرم جمعهما جميعاً إلا ما قد سلف قبل التحريم :﴿إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رحِيماً﴾ لما كان من جماع الأختين قبل التحريم.
وأخرج أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وغيرهم، عن أبي سعيد الخدري : أن رسول الله ﷺ بعث يوم حنين جيشاً إلى أوطاس، فلقوا عدواً، فقاتلوهم، فظهروا عليهم، وأصابوا لهم سبايا، فكأن ناساً من أصحاب النبيّ ﷺ تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل الله في ذلك :﴿والمحصنات مِنَ النساء إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم﴾ يقول : إلا ما أفاء الله عليكم.
وأخرج الطبراني عن ابن عباس أن ذلك سبب نزول الآية. وأخرج ابن أبي شيبة، عن سعيد بن جبير مثله. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي عن ابن عباس في قوله :﴿والمحصنات مِنَ النساء﴾ قال : كل ذات زوج إتيانها زنا إلا ما سبيت. وأخرج الفريابي، وابن أبي شيبة، والطبراني، عن عليّ، وابن مسعود في قوله :﴿والمحصنات مِنَ النساء إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم﴾ قال : على المشركات إذا سبين حلت له. وقال ابن مسعود : المشركات والمسلمات. وأخرج ابن جرير، عن ابن مسعود قال : إذا بيعت الأمة، ولها زوج، فسيدها أحق ببضعها. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿والمحصنات مِنَ النساء﴾ قال : ذوات الأزواج. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن أنس بن مالك مثله. وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن مسعود مثله.
وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله :﴿والمحصنات﴾ قال : العفيفة العاقلة من مسلمة، أو من أهل الكتاب. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عنه في الآية قال : لا يحل له أن يتزوج فوق الأربع، فما زاد، فهو عليه حرام، كأمه وأخته. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن أبي العالية في قوله :﴿والمحصنات مِنَ النساء﴾ قال : يقول انكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى، وثلاث، ورباع، ثم حرّم ما حرّم من النسب، والصهر، ثم قال :﴿والمحصنات مِنَ النساء﴾ فرجع إلى أول السورة، فقال : هنّ حرام أيضاً، إلا لمن نكح بصداق وسنة وشهود. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن جرير، عن عبيدة قال : أحلّ الله لك أربعاً في أوّل السورة، وحرّم نكاح كل محصنة بعد الأربع إلا ما ملكت يمينك. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي هريرة قال : قال النبي ﷺ :«الإحصان إحصانان : إحصان نكاح، وإحصان عفاف» فمن قرأها والمحصنات بكسر الصاد، فهن العفائف، ومن قرأها والمحصنات بالفتح، فهنّ المتزوجات. قال ابن أبي حاتم : قال أبيّ هذا حديث منكر.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَرَاء ذَلِكُمْ﴾ قال : ما وراء هذا النسب. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدّي قال : ما دون الأربع. وأخرج ابن جرير، عن عطاء قال : ما وراء ذات القرابة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة في قوله :﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَرَاء ذَلِكُمْ﴾ قال : ما ملكت أيمانكم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عبيدة السلماني نحوه.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله :﴿محْصِنِينَ غَيْرَ مسافحين﴾ قال غير زانين. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿فآتوهن أجورهن﴾ يقول : إذا تزوج الرجل منكم المرأة، ثم نكحها مرة واحدة، فقد وجب صداقها كله، والاستمتاع هو : النكاح، وهو قوله :﴿وَآتُوا النساء صدقاتهن﴾ [النساء: ٤].
وأخرج الطبراني، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس قال : كانت المتعة في أوّل الإسلام، وكانوا يقرءون هذه الآية :﴿فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ إلى أَجَلٍ مسَمًّى﴾ [النساء: ٢٤] الآية، فكان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة، فيتزوج بقدر ما يرى أنه يفرغ من حاجته ؛ ليحفظ متاعه، ويصلح شأنه. حتى نزلت هذه الآية :﴿حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم﴾ فنسخت الأولى، فحرّمت المتعة، وتصديقها من القرآن :﴿إِلاَّ على أزواجهم أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم﴾ [المؤمنون: ٦] وما سوى هذا الفرج فهو حرام.
وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن الأنباري في المصاحف، والحاكم وصححه : أن ابن عباس قرأ :﴿فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ إلى أَجَلٍ مسَمًّى﴾ [النساء: ٢٤] وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن أبيّ بن كعب أنه قرأها كذلك. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد، أن هذه الآية في نكاح المتعة، وكذلك أخرج ابن جرير، عن السدّي، والأحاديث في تحليل المتعة، ثم تحريمها، وهل كان نسخها مرة، أو مرّتين ؟ مذكورة في كتب الحديث. وقد أخرج ابن جرير في تهذيبه، وابن المنذر، والطبراني، والبيهقي، عن سعيد بن جبير قال : قلت لابن عباس : ماذا صنعت ؟ ذهبت الركاب بفتياك، وقالت فيها الشعراء قال : وما قالوا ؟ قلت : قالوا :
أقول للشيخ لما طال مجلسهيا صاح هل لك في فتيا ابن عباس
هل لك في رحضة الأعطاف آنسةتكون مثواك حتى مصدر الناس
فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون، لا والله ما بهذا أفتيت، ولا هذا أردت، ولا أحللتها إلا للمضطر وفي لفظ، ولا أحللت منها إلا ما أحل الله من الميتة، والدم، ولحم الخنزير. وأخرج ابن جرير، عن حضرمي أن رجالاً كانوا يفرضون المهر، ثم عسى أن تدرك أحدهم العسرة، فقال الله :﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفريضة﴾. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ﴾ قال : الراضي أن يوفى لها صداقها، ثم يخيرها. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد في الآية قال : إن وضعت لك منه شيئاً، فهو سائغ.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن ابن عباس :﴿وَمَن لمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً﴾ يقول : من لم يكن له سعة ﴿أَن يَنكِحَ المحصنات﴾ يقول الحرائر :﴿فما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ فلينكح من إماء المؤمنين ﴿محصنات غَيْرَ مسافحات﴾ يعني عفائف غير زواني في سرّ.
ولا علانية ﴿وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ يعني أخلاء ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ ثم إذا تزوجت حراً، ثم زنت ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات مِنَ العذاب﴾ قال : من الجلد ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ العنت مِنْكُمْ﴾ هو : الزنا، فليس لأحد من ال

تفسير هذه الآية من كتب أخرى