محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي
عن الكتاب
( والمحصنات من النساء الا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة ان الله كان عليما حكيما٢٤ ).
( والمحصنات ) أي وحرمت عليكم المزوجات ( من النساء ) حرائر واماء، مسلمات، أو لا. لئلا تختلط المياه فيضيع النسب ( الا ما ملكت أيمانكم ) أي من اللائي سبين ولهن أزواج في دار الكفر. فهن حلال لغزاة المسلمين، وان كن محصنات. لأن السبي لهن يرفع نكاحهن ويفيد الحل بعد الاستبراء. روى الإمام أحمد ومسلم(١) وأبو داود والترمذي / والنسائي وابن ماجة عن أبي سعيد الخدري قال :" أصبنا سبايا من سبي أوطاس. ولهن أزواج. فكرهنا أن نقع عليهن ولهن أزواج. فسألنا النبي ﷺ، فنزلت هذه الآية ( والمحصنات من النساء الا ما ملكت أيمانكم ) فاستحللنا فروجهن ".
تنبيه :
استدل بعموم الآية من قال : ان انتقال الملك ببيع أو ارث أو غير ذلك يقطع النكاح. عن ابن مسعود قال :" اذا بيعت الأمة ولها زوج فسيدها أحق ببضعها ". وعنه :" بيع الأمة طلاقها ". وروي ذلك أيضا عن أبي بن كعب وجابر وابن عباس رضي الله عنهم قالوا :" بيعها طلاقها ". وروى ابن جرير عن ابن عباس قال :" طلاق الأمة ست : بيعها طلاقها، وعتقها طلاقها، وهبتها طلاقها، وبراءتها طلاقها، وطلاق زوجها طلاقها ".
كذا قرأته في ( تفسير ابن كثير ). ولا يخفى أن المعدود خمسة. ولعل السادس بيع زوجها. حيث قال بعد ذلك : وروى عوف عن الحسن :" بيع الأمة طلاقها وبيعه طلاقها ". فهذا قول هؤلاء من السلف. وحجتهم عموم الاستثناء في قوله تعالى :( الا ما ملكت أيمانكم ) والجمهور على أن بيع الأمة ليس طلاقا لها. واحتجوا بحديث بريرة المخرج في ( الصحيحين ) (٢) وغيرهما. فان عائشة أم المؤمنين اشترتها وأعتقتها ولم ينفسخ نكاحها من زوجها مغيث. بل خيرها رسول الله ﷺ بين الفسخ والبقاء، فاختارت الفسخ، وقصتها مشهورة. فلو كان / بيع الأمة طلاقها لما خيرت. وتخييرها دال على أن المراد من الآية المسبيات فقط. وبالجملة، فالجمهور قصروا الآية على السبب الذي نزلت فيه.
قال الرازي : وهو يرجع إلى تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد. أي وهو مقبول ومعمول به في غير ما موضع. كنصاب السرقة. وفي التنبيه الآتي زيادة لهذا فتأثره.
فائدة :
اتفق القراء على فتح الصاد في ( المحصنات ) هنا. ويقرأ بالفتح والكسر في غير هذا الموضع. وكلاهما مشهور. فالفتح على أنهن أحصن بالأزواج أو بالإسلام. والكسر على أنهن أحصن فروجهن أو أزواجهن. واشتقاق الكلمة من الاحصان وهو المنع ( كتاب الله ) مصدر مؤكد. أي كتب الله ( عليكم ) تحريم هؤلاء كتابا وفرضه فرضا، فالزموا كتابه ولا تخرجوا عن حدوده وشرعه ( وأحل لكم ) عطف على ( حرمت عليكم ) ( ما وراء ذلكم ) اشارة إلى ما ذكر من المحرمات المعدودة. أي أحل لكم نكاح ما سواهن ( أن تبتغوا ) مفعول له. أي أحل لكم ارادة أن تبتغوا. أو بدل من ( ما ) أي ابتغاء النساء ( بأموالكم ) أي بصرفها إلى مهورهن ( محصنين ) حال من فاعل ( تبتغوا ) والاحصان : العفة، وتحصين النفس عن الوقوع فيما يوجب اللوم ( غير مسافحين ) غير زانين، والسفاح الزنى والفجور. من السفح وهو الصب. لأنه لا غرض للزاني الا سفح النطفة. وكان أهل الجاهلية، إذا خطب الرجل المرأة، قال : انكحيني. فاذا أراد الزنى قال : سافحيني. قال الزجاج : المسافحة أن تقيم امرأة مع رجل على الفجور من غير تزويج صحيح.
تنبيه :
قوله تعالى :( وأحل لكم ما وراء ذلكم –عام مخصوص بمحرمات أخر دلت عليها دلائل أخر. فمن ذلك، ما صح عن النبي ﷺ من النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها. وقد حكى الترمذي المنع من ذلك عن كافة أهل العلم. وقال : لا نعلم بينهم اختلافا / في ذلك. ومن ذلك، نكاح المعتدة. ومن ذلك، أن من كان في نكاحه حرة، لا يجوز له نكاح الأمة. ومن ذلك، القادر على الحرة لا يجوز له نكاح الأمة. ومن ذلك، من عنده أربع زوجات لا يجوز له نكاح خامسة. ومن ذلك، الملاعنة فانها محرمة على الملاعن أبدا. فالآية مما نزل عاما ودلت السنة ومواضع من التنزيل على أنها مخصصة بغيرها.
قال الإمام الشافعي في ( الرسالة ) :
فرض الله عز وجل على الناس اتباع وحيه وسنن رسوله ﷺ.
فقال في كتابه :( ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم انك أنت العزيز الحكيم ).
وقال :( وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم * وكان فضل الله عليك عظيما ).
في آيات نظائرها.
قال الشافعي :
فذكر الله عز وجل الكتاب وهو القرآن. وذكر الحكمة. فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول : الحكمة سنة رسول الله ﷺ.
وهذا يشبه ما قال. والله أعلم.
لأن القرآن ذكر وأتبعته الحكمة، وذكر الله جل ثناؤه منّه على خلقه بتعليمهم الكتاب والحكمة. فلم يجز، والله أعلم، أن يقال : الحكمة ههنا الا سنة رسول الله ﷺ.
وذلك أنها مقرونة مع كتاب الله، وأن الله افترض طاعة رسوله ﷺ، وحتم على الناس اتباع أمره –فلا يجوز أن يقال لقول : فرض، الا لكتاب الله ثم سنة رسوله ﷺ.
لما وصفنا من أن الله تعالى جل ثناؤه جعل الإيمان برسوله ﷺ مقرونا بالايمان به.
وسنة رسول الله ﷺ مبينة عن الله عز وجل معنى ما أراد –دليلا على خاصه وعامه. ثم قرن الحكمة بها بكتابه، فأتبعها اياه. ولم يجعل هذا لأحد من خلقه، غير رسوله ﷺ. انتهى.
وانما أوردنا هذا تزييفا لزعم الخوارج أن حديث " لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها(٣) " المروي في ( الصحيحين ) وغيرهما، خبر واحد. وتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد لا يجوز. كما نقله عنهم الرازي. وأورد من حججهم أن عموم الكتاب مقطوع المتن ظاهر الدلالة. وخبر الواحد مظنون المتن ظاهر الدلالة. فكان خبر الواحد أضعف من عموم القرآن. فترجيحه عليه بمقتضى تقديم الأضعف على الأقوى. وأنه لا يجوز. انتهى.
وقد توسع الرازي هنا في الجواب عن شبهتهم. ومما قيل فيه : ان تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها مأخوذ من قوله تعالى :( وأن تجمعوا بين الأختين ).
قال العلامة أبو السعود : ويشترك في هذا الحكم الجمع بين المرأة وعمتها ونظائرها. فان مدار حرمة الجمع بين الأختين إفضاؤه إلى قطع ما أمر الله بوصله. وذلك متحقق في الجمع بين هؤلاء. بل أولى. فان العمة والخالة بمنزلة الأم. فقوله ﷺ :" لا تنكح المرأة ". الخ، من قبيل بيان التفسير. لا بيان التغيير. وقيل : هو مشهور يجوز به الزيادة على الكتاب.
وقال أيضا : ولعل ايثار اسم الاشارة ( يعني في قوله :( ما وراء ذلكم ) المتعرض لوصف المشار إليه وعنوانه، على الضمير المتعرض للذات فقط –لتذكير ما في كل واحدة منهن من العنوان الذي عليه يدور حكم الحرمة. فيفهم مشاركة من في معناهن لهن فيها بطريق الدلالة. فان حرمة الجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها، ليست بطريق العبارة، بل بطريق الدلالة، كما سلف. انتهى.
وفي ( تنوير الاقتباس ) : ويقال في قوله تعالى :( أن تبتغوا بأموالكم ) أن تطلبوا بأموالكم تزوجهن وهي المتعة. وقد نسخت الآن. انتهى. وسيأتي الكلام على ذلك. ( فما استمتعتم به منهن ) أي من تمتعتم به من المنكوحات بالجماع ( فآتوهن ) فأعطوهن ( أجورهن ) مهورهن كاملة ( فريضة ) أي من الله عليكم أن تعطوا المهر تاما. و ( فريضة ) حال من الأجور. بمعنى مفروضة. أو نعت لمصدر محذوف. أي ايتاء مفروضا. أو مصدر مؤكد أي فرض ذلك فريضة ( ولا جناح عليكم ) لا حرج عليكم ( فيما تراضيتم به ) أنتم وهن ( من بعد الفريضة ) أي من حطها أو بعضها أو زيادة عليها بالتراضي ( ان الله كان عليما حكيما ) فيما شرع من الأحكام.
تنبيه :
حمل قوم الآية على نكاح المتعة. قالوا : معنى قوله تعالى :( فما استمتعتم به منهن ) أي فمن جامعتموهن ممن نكحتموهن نكاح المتعة، فآتوهن أجورهن.
قال الحافظ ابن كثير : وقد استدل بعموم هذه الآية على نكاح المتعة. ولا شك أنه كان مشروعا في ابتداء الإسلام ثم نسخ بعد ذلك. وقد روي عن ابن عباس وطائفة من الصحابة القول بإباحتها للضرورة. وهو رواية عن الإمام أحمد. وكان ابن عباس وأبي بن كعب وسعيد بن جبير والسدي يقرؤون : فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى، فآتوهن أجورهن فريضة. وقال مجاهد : نزلت في نكاح المتعة. ولكن الجمهور على خلاف ذلك. والعمدة ما ثبت في ( الصحيحين ) (٤) عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قال :" نهى رسول الله ﷺ عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر ". وفي ( صحيح مسلم ) (٥) عن الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه " أنه كان مع رسول الله ﷺ فقال : يا أيها الناس ! اني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء. وان الله حرم ذلك إلى يوم القيامة. فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله. ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا ". انتهى.
وفي ( الكشاف ) : قيل نزلت هذه الآية في المتعة. كان الرجل ينكح المرأة وقتا معلوما. ليلة أو ليلتين أو أسبوعا. بثبوت أو غير ذلك. ويقضي منها وطره ثم يسرحها. سميت متعة لاستمتاعه بها، أو لتمتيعه لها بما يعطيها.
وقال الخفاجي : روي أن سعيد بن جبير قال لابن عباس رضي الله عنهما :" أتدري ما صنعت بفتواك ؟ فقد سارت بها الركبان وقيل فيها الشعر. كقوله :
فقال : انا لله وانا إليه راجعون. والله ! ما بهذا أفتيت ولا أحللت، الا مثل ما أحل الله الميتة والدم ".
وقال الإمام شمس الدين بن القيم رضوان الله عليه في ( زاد المعاد ) في الكلام على ما في غزوة الفتح من الفقه، ما نصه : ومما وقع في هذه الغزوة اباحة متعة النساء. ثم حرمها ﷺ قبل خروجه من مكة. واختلف في الوقت الذي حرمت فيه المتعة على أربعة أقوال :
أحدها : انه يوم خيبر. وهذا قول طائفة من العلماء. منهم الشافعي وغيره.
والثاني : انه عام فتح مكة. وهذا قول ابن عيينة وطائفة.
والثالث : انه عام حنين. وهذا في الحقيقة هو القول الثاني –لاتصال غزاة حنين بالفتح.
والرابع : انه عام حجة الوداع. وهو وهم من بعض الرواة. سافر فيه وهمه من فتح مكة إلى حجة الوداع. وسفر الوهم من زمان إلى زمان ومن مكان إلى مكان ومن واقعة إلى واقعة، كثيرا ما يعرض للحفاظ فمن / دونهم. والصحيح أن المتعة انما حرمت عام الفتح. لأنه قد ثبت في ( صحيح مسلم ) (٦) أنهم استمتعوا عام الفتح مع النبي ﷺ باذنه. ولو كان التحريم زمن خيبر لزم النسخ مرتين. وهذا لا عهدة بمثله في الشريعة البتة. ولا يقع مثله فيها. وأيضا، فان خيبر لم يكن فيها مسلمات. وانما كن يهوديات. واباحة نساء أهل الكتاب لم تكن ثبتت بعد. انما أبحن بعد ذلك في سورة المائدة لقوله :( اليوم أحل لكم الطيبات * وطعام الذي
( والمحصنات ) أي وحرمت عليكم المزوجات ( من النساء ) حرائر واماء، مسلمات، أو لا. لئلا تختلط المياه فيضيع النسب ( الا ما ملكت أيمانكم ) أي من اللائي سبين ولهن أزواج في دار الكفر. فهن حلال لغزاة المسلمين، وان كن محصنات. لأن السبي لهن يرفع نكاحهن ويفيد الحل بعد الاستبراء. روى الإمام أحمد ومسلم(١) وأبو داود والترمذي / والنسائي وابن ماجة عن أبي سعيد الخدري قال :" أصبنا سبايا من سبي أوطاس. ولهن أزواج. فكرهنا أن نقع عليهن ولهن أزواج. فسألنا النبي ﷺ، فنزلت هذه الآية ( والمحصنات من النساء الا ما ملكت أيمانكم ) فاستحللنا فروجهن ".
تنبيه :
استدل بعموم الآية من قال : ان انتقال الملك ببيع أو ارث أو غير ذلك يقطع النكاح. عن ابن مسعود قال :" اذا بيعت الأمة ولها زوج فسيدها أحق ببضعها ". وعنه :" بيع الأمة طلاقها ". وروي ذلك أيضا عن أبي بن كعب وجابر وابن عباس رضي الله عنهم قالوا :" بيعها طلاقها ". وروى ابن جرير عن ابن عباس قال :" طلاق الأمة ست : بيعها طلاقها، وعتقها طلاقها، وهبتها طلاقها، وبراءتها طلاقها، وطلاق زوجها طلاقها ".
كذا قرأته في ( تفسير ابن كثير ). ولا يخفى أن المعدود خمسة. ولعل السادس بيع زوجها. حيث قال بعد ذلك : وروى عوف عن الحسن :" بيع الأمة طلاقها وبيعه طلاقها ". فهذا قول هؤلاء من السلف. وحجتهم عموم الاستثناء في قوله تعالى :( الا ما ملكت أيمانكم ) والجمهور على أن بيع الأمة ليس طلاقا لها. واحتجوا بحديث بريرة المخرج في ( الصحيحين ) (٢) وغيرهما. فان عائشة أم المؤمنين اشترتها وأعتقتها ولم ينفسخ نكاحها من زوجها مغيث. بل خيرها رسول الله ﷺ بين الفسخ والبقاء، فاختارت الفسخ، وقصتها مشهورة. فلو كان / بيع الأمة طلاقها لما خيرت. وتخييرها دال على أن المراد من الآية المسبيات فقط. وبالجملة، فالجمهور قصروا الآية على السبب الذي نزلت فيه.
قال الرازي : وهو يرجع إلى تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد. أي وهو مقبول ومعمول به في غير ما موضع. كنصاب السرقة. وفي التنبيه الآتي زيادة لهذا فتأثره.
فائدة :
اتفق القراء على فتح الصاد في ( المحصنات ) هنا. ويقرأ بالفتح والكسر في غير هذا الموضع. وكلاهما مشهور. فالفتح على أنهن أحصن بالأزواج أو بالإسلام. والكسر على أنهن أحصن فروجهن أو أزواجهن. واشتقاق الكلمة من الاحصان وهو المنع ( كتاب الله ) مصدر مؤكد. أي كتب الله ( عليكم ) تحريم هؤلاء كتابا وفرضه فرضا، فالزموا كتابه ولا تخرجوا عن حدوده وشرعه ( وأحل لكم ) عطف على ( حرمت عليكم ) ( ما وراء ذلكم ) اشارة إلى ما ذكر من المحرمات المعدودة. أي أحل لكم نكاح ما سواهن ( أن تبتغوا ) مفعول له. أي أحل لكم ارادة أن تبتغوا. أو بدل من ( ما ) أي ابتغاء النساء ( بأموالكم ) أي بصرفها إلى مهورهن ( محصنين ) حال من فاعل ( تبتغوا ) والاحصان : العفة، وتحصين النفس عن الوقوع فيما يوجب اللوم ( غير مسافحين ) غير زانين، والسفاح الزنى والفجور. من السفح وهو الصب. لأنه لا غرض للزاني الا سفح النطفة. وكان أهل الجاهلية، إذا خطب الرجل المرأة، قال : انكحيني. فاذا أراد الزنى قال : سافحيني. قال الزجاج : المسافحة أن تقيم امرأة مع رجل على الفجور من غير تزويج صحيح.
تنبيه :
قوله تعالى :( وأحل لكم ما وراء ذلكم –عام مخصوص بمحرمات أخر دلت عليها دلائل أخر. فمن ذلك، ما صح عن النبي ﷺ من النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها. وقد حكى الترمذي المنع من ذلك عن كافة أهل العلم. وقال : لا نعلم بينهم اختلافا / في ذلك. ومن ذلك، نكاح المعتدة. ومن ذلك، أن من كان في نكاحه حرة، لا يجوز له نكاح الأمة. ومن ذلك، القادر على الحرة لا يجوز له نكاح الأمة. ومن ذلك، من عنده أربع زوجات لا يجوز له نكاح خامسة. ومن ذلك، الملاعنة فانها محرمة على الملاعن أبدا. فالآية مما نزل عاما ودلت السنة ومواضع من التنزيل على أنها مخصصة بغيرها.
قال الإمام الشافعي في ( الرسالة ) :
فرض الله عز وجل على الناس اتباع وحيه وسنن رسوله ﷺ.
فقال في كتابه :( ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم انك أنت العزيز الحكيم ).
وقال :( وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم * وكان فضل الله عليك عظيما ).
في آيات نظائرها.
قال الشافعي :
فذكر الله عز وجل الكتاب وهو القرآن. وذكر الحكمة. فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول : الحكمة سنة رسول الله ﷺ.
وهذا يشبه ما قال. والله أعلم.
لأن القرآن ذكر وأتبعته الحكمة، وذكر الله جل ثناؤه منّه على خلقه بتعليمهم الكتاب والحكمة. فلم يجز، والله أعلم، أن يقال : الحكمة ههنا الا سنة رسول الله ﷺ.
وذلك أنها مقرونة مع كتاب الله، وأن الله افترض طاعة رسوله ﷺ، وحتم على الناس اتباع أمره –فلا يجوز أن يقال لقول : فرض، الا لكتاب الله ثم سنة رسوله ﷺ.
لما وصفنا من أن الله تعالى جل ثناؤه جعل الإيمان برسوله ﷺ مقرونا بالايمان به.
وسنة رسول الله ﷺ مبينة عن الله عز وجل معنى ما أراد –دليلا على خاصه وعامه. ثم قرن الحكمة بها بكتابه، فأتبعها اياه. ولم يجعل هذا لأحد من خلقه، غير رسوله ﷺ. انتهى.
وانما أوردنا هذا تزييفا لزعم الخوارج أن حديث " لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها(٣) " المروي في ( الصحيحين ) وغيرهما، خبر واحد. وتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد لا يجوز. كما نقله عنهم الرازي. وأورد من حججهم أن عموم الكتاب مقطوع المتن ظاهر الدلالة. وخبر الواحد مظنون المتن ظاهر الدلالة. فكان خبر الواحد أضعف من عموم القرآن. فترجيحه عليه بمقتضى تقديم الأضعف على الأقوى. وأنه لا يجوز. انتهى.
وقد توسع الرازي هنا في الجواب عن شبهتهم. ومما قيل فيه : ان تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها مأخوذ من قوله تعالى :( وأن تجمعوا بين الأختين ).
قال العلامة أبو السعود : ويشترك في هذا الحكم الجمع بين المرأة وعمتها ونظائرها. فان مدار حرمة الجمع بين الأختين إفضاؤه إلى قطع ما أمر الله بوصله. وذلك متحقق في الجمع بين هؤلاء. بل أولى. فان العمة والخالة بمنزلة الأم. فقوله ﷺ :" لا تنكح المرأة ". الخ، من قبيل بيان التفسير. لا بيان التغيير. وقيل : هو مشهور يجوز به الزيادة على الكتاب.
وقال أيضا : ولعل ايثار اسم الاشارة ( يعني في قوله :( ما وراء ذلكم ) المتعرض لوصف المشار إليه وعنوانه، على الضمير المتعرض للذات فقط –لتذكير ما في كل واحدة منهن من العنوان الذي عليه يدور حكم الحرمة. فيفهم مشاركة من في معناهن لهن فيها بطريق الدلالة. فان حرمة الجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها، ليست بطريق العبارة، بل بطريق الدلالة، كما سلف. انتهى.
وفي ( تنوير الاقتباس ) : ويقال في قوله تعالى :( أن تبتغوا بأموالكم ) أن تطلبوا بأموالكم تزوجهن وهي المتعة. وقد نسخت الآن. انتهى. وسيأتي الكلام على ذلك. ( فما استمتعتم به منهن ) أي من تمتعتم به من المنكوحات بالجماع ( فآتوهن ) فأعطوهن ( أجورهن ) مهورهن كاملة ( فريضة ) أي من الله عليكم أن تعطوا المهر تاما. و ( فريضة ) حال من الأجور. بمعنى مفروضة. أو نعت لمصدر محذوف. أي ايتاء مفروضا. أو مصدر مؤكد أي فرض ذلك فريضة ( ولا جناح عليكم ) لا حرج عليكم ( فيما تراضيتم به ) أنتم وهن ( من بعد الفريضة ) أي من حطها أو بعضها أو زيادة عليها بالتراضي ( ان الله كان عليما حكيما ) فيما شرع من الأحكام.
تنبيه :
حمل قوم الآية على نكاح المتعة. قالوا : معنى قوله تعالى :( فما استمتعتم به منهن ) أي فمن جامعتموهن ممن نكحتموهن نكاح المتعة، فآتوهن أجورهن.
قال الحافظ ابن كثير : وقد استدل بعموم هذه الآية على نكاح المتعة. ولا شك أنه كان مشروعا في ابتداء الإسلام ثم نسخ بعد ذلك. وقد روي عن ابن عباس وطائفة من الصحابة القول بإباحتها للضرورة. وهو رواية عن الإمام أحمد. وكان ابن عباس وأبي بن كعب وسعيد بن جبير والسدي يقرؤون : فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى، فآتوهن أجورهن فريضة. وقال مجاهد : نزلت في نكاح المتعة. ولكن الجمهور على خلاف ذلك. والعمدة ما ثبت في ( الصحيحين ) (٤) عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قال :" نهى رسول الله ﷺ عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر ". وفي ( صحيح مسلم ) (٥) عن الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه " أنه كان مع رسول الله ﷺ فقال : يا أيها الناس ! اني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء. وان الله حرم ذلك إلى يوم القيامة. فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله. ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا ". انتهى.
وفي ( الكشاف ) : قيل نزلت هذه الآية في المتعة. كان الرجل ينكح المرأة وقتا معلوما. ليلة أو ليلتين أو أسبوعا. بثبوت أو غير ذلك. ويقضي منها وطره ثم يسرحها. سميت متعة لاستمتاعه بها، أو لتمتيعه لها بما يعطيها.
وقال الخفاجي : روي أن سعيد بن جبير قال لابن عباس رضي الله عنهما :" أتدري ما صنعت بفتواك ؟ فقد سارت بها الركبان وقيل فيها الشعر. كقوله :
| قد قلت للشيخ لما طال مجلسه | يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس ؟ |
| هل لك في رخصة الأطراف آنسة | تكون مثواك حتى مصدر الناس ؟ |
وقال الإمام شمس الدين بن القيم رضوان الله عليه في ( زاد المعاد ) في الكلام على ما في غزوة الفتح من الفقه، ما نصه : ومما وقع في هذه الغزوة اباحة متعة النساء. ثم حرمها ﷺ قبل خروجه من مكة. واختلف في الوقت الذي حرمت فيه المتعة على أربعة أقوال :
أحدها : انه يوم خيبر. وهذا قول طائفة من العلماء. منهم الشافعي وغيره.
والثاني : انه عام فتح مكة. وهذا قول ابن عيينة وطائفة.
والثالث : انه عام حنين. وهذا في الحقيقة هو القول الثاني –لاتصال غزاة حنين بالفتح.
والرابع : انه عام حجة الوداع. وهو وهم من بعض الرواة. سافر فيه وهمه من فتح مكة إلى حجة الوداع. وسفر الوهم من زمان إلى زمان ومن مكان إلى مكان ومن واقعة إلى واقعة، كثيرا ما يعرض للحفاظ فمن / دونهم. والصحيح أن المتعة انما حرمت عام الفتح. لأنه قد ثبت في ( صحيح مسلم ) (٦) أنهم استمتعوا عام الفتح مع النبي ﷺ باذنه. ولو كان التحريم زمن خيبر لزم النسخ مرتين. وهذا لا عهدة بمثله في الشريعة البتة. ولا يقع مثله فيها. وأيضا، فان خيبر لم يكن فيها مسلمات. وانما كن يهوديات. واباحة نساء أهل الكتاب لم تكن ثبتت بعد. انما أبحن بعد ذلك في سورة المائدة لقوله :( اليوم أحل لكم الطيبات * وطعام الذي
١ أخرجه مسلم في: ١٧ –كتاب الرضاع، ٩ –باب جواز وطء المسبية بعد الاستبراء، وان كان لها زوج انفسخ نكاحها بالسبي، حديث ٣٣ (طبعتنا) ونصه:
عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم حنين، بعث جيشا الى أوطاس. فلقوا عدوا. فقاتلوهم. فظهروا عليهم. وأصابوا لهم سبايا. فكأن ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ تحرجوا من غشيانهن، من أجل أزواجهن من المشركين. فأنزل الله عز وجل في ذلك: (والمحصنات من النساء الا ما ملكت أيمانكم). أي فهن لكم حلال اذا انقضت عدتهن..
٢ أخرجه البخاري في: ٨٥ –كتاب الفرائض، ٢٢ –باب اذا أسلم على يديه الرجل، حديث ٣٠٢ ونصه:
عن عائشة رضي الله عنها قالت: اشتريت بريرة. فاشترط أهلها ولاءها. فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: "أعتقيها فان الولاء لمن أعطى الورق".
قالت: فأعتقتها. قالت فدعاها رسول الله ﷺ فخيرها في زوجها، فقالت: لو أعطاني كذا وكذا ما بت عنده. فاختارت نفسها..
٣ أخرجه البخاري في: ٦٧ –كتاب النكاح، ٢٧ –باب لا تنكح المرأة على عمتها، حديث ٢١١٢ ونصه: عن جابر رضي الله عنه قال: "نهى رسول الله ﷺ أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها"..
٤ أخرجه البخاري في: ٧٢ –كتاب الذبائح والصيد، ٢٨ –باب لحوم الحمر الإنسية، حديث ١٩٠٨ ونصه: عن علي رضي الله عنه قال: "نهى رسول الله ﷺ عن المتعة، عام خيبر، ولحوم الإنسية"..
٥ أخرجه في: ١٦ –كتاب النكاح، ٣ –باب نكاح المتعة، حديث ٢١ (طبعتنا)..
٦ أخرجه في صحيحه في: ١٦ –كتاب النكاح، ٣ –باب نكاح المتعة، حديث ١٣ (طبعتنا) ونصه: عن جابر وسلمة بن الأكوع قالا: "خرج علينا منادي رسول الله ﷺ فقال: ان رسول الله ﷺ قد أذن لكم أن تستمتعوا. يعني متعة النساء"..
عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم حنين، بعث جيشا الى أوطاس. فلقوا عدوا. فقاتلوهم. فظهروا عليهم. وأصابوا لهم سبايا. فكأن ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ تحرجوا من غشيانهن، من أجل أزواجهن من المشركين. فأنزل الله عز وجل في ذلك: (والمحصنات من النساء الا ما ملكت أيمانكم). أي فهن لكم حلال اذا انقضت عدتهن..
٢ أخرجه البخاري في: ٨٥ –كتاب الفرائض، ٢٢ –باب اذا أسلم على يديه الرجل، حديث ٣٠٢ ونصه:
عن عائشة رضي الله عنها قالت: اشتريت بريرة. فاشترط أهلها ولاءها. فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: "أعتقيها فان الولاء لمن أعطى الورق".
قالت: فأعتقتها. قالت فدعاها رسول الله ﷺ فخيرها في زوجها، فقالت: لو أعطاني كذا وكذا ما بت عنده. فاختارت نفسها..
٣ أخرجه البخاري في: ٦٧ –كتاب النكاح، ٢٧ –باب لا تنكح المرأة على عمتها، حديث ٢١١٢ ونصه: عن جابر رضي الله عنه قال: "نهى رسول الله ﷺ أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها"..
٤ أخرجه البخاري في: ٧٢ –كتاب الذبائح والصيد، ٢٨ –باب لحوم الحمر الإنسية، حديث ١٩٠٨ ونصه: عن علي رضي الله عنه قال: "نهى رسول الله ﷺ عن المتعة، عام خيبر، ولحوم الإنسية"..
٥ أخرجه في: ١٦ –كتاب النكاح، ٣ –باب نكاح المتعة، حديث ٢١ (طبعتنا)..
٦ أخرجه في صحيحه في: ١٦ –كتاب النكاح، ٣ –باب نكاح المتعة، حديث ١٣ (طبعتنا) ونصه: عن جابر وسلمة بن الأكوع قالا: "خرج علينا منادي رسول الله ﷺ فقال: ان رسول الله ﷺ قد أذن لكم أن تستمتعوا. يعني متعة النساء"..