مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾.
فيه مسائل :
المسألة الأولى : الإحصان في اللغة المنع، وكذلك الحصانة، يقال : مدينة حصينة ودرع حصينة، أي مانعة صاحبها من الجراحة. قال تعالى :﴿وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم﴾ معناه لتمنعكم وتحرزكم، والحصن الموضع الحصين لمنعه من يريده بالسوء، والحصان بالكسر الفرس الفحل، لمنعه صاحبه من الهلاك، والحصان بالفتح المرأة العفيفة لمنعها فرجها من الفساد، قال تعالى :﴿ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها﴾.
واعلم أن لفظ الإحصان جاء في القرآن على وجوه : أحدها : الحرية كما في قوله تعالى :﴿والذين يرمون المحصنات﴾ يعني الحرائر، ألا ترى أنه لو قذف غير حر لم يجلد ثمانين، وكذلك قوله :﴿فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ يعني الحرائر، وكذلك قوله :﴿ومن لم يستطيع منكم طولا أن ينكح المحصنات﴾ أي الحرائر، وثانيها : العفاف، وهو قوله ﴿محصنات غير مسافحات﴾ وقوله :﴿محصنين غير مسافحين﴾ وقوله :﴿والتي أحصنت فرجها﴾ أي أعفته، وثالثها الإسلام : من ذلك قوله :﴿فإذا أحصن﴾ قيل في تفسيره : إذا أسلمن، ورابعها : كون المرأة ذات زوج يقال : امرأة محصنة إذا كانت ذات زوج، وقوله :﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾ يعني ذوات الأزواج، والدليل على أن المراد ذلك أنه تعالى عطف المحصنات على المحرمات، فلا بد وأن يكون الإحصان سببا للحرمة، ومعلوم أن الحرية والعفاف والإسلام لا تأثير له في ذلك، فوجب أن يكون المراد منه المزوجة، لأن كون المرأة ذات زوج له تأثير في كونها محرمة على الغير.
واعلم أن الوجوه الأربعة مشتركة في المعنى الأصلي اللغوي، وهو المنع، وذلك لأنا ذكرنا أن الإحصان عبارة عن المنع، فالحرية سبب لتحصين الإنسان من نفاذ حكم الغير فيه، والعفة أيضا مانعة للإنسان عن الشروع فيما لا ينبغي، وكذلك الإسلام مانع من كثير مما تدعو إليه النفس والشهوة، والزوج أيضا مانع للزوجة من كثير من الأمور، والزوجة مانعة للزوج من الوقوع في الزنا، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام :«من تزوج فقد حصن ثلثي دينه » فثبت أن المرجع بكل هذه الوجوه إلى ذلك المعنى اللغوي والله أعلم.
المسألة الثانية : قال الواحدي : اختلف القراء في ﴿المحصنات﴾ فقرؤا بكسر الصاد وفتحها في جميع القرآن إلا التي في هذه الآية فإنهم أجمعوا على الفتح فيها، فمن قرأ بالكسر جعل الفعل لهن يعني : أسلمن واخترن العفاف، وتزوجن وأحصن أنفسهن بسبب هذه الأمور. ومن قرأ بالفتح جعل الفعل لغيرهن، يعني أحصنهن أزواجهن، والله أعلم.
المسألة الثالثة : قال الشافعي- رحمة الله عليه- : الثيب الذمي إذا زنى يرجم، وقال أبو حنيفة -رضي الله عنه- : لا يرجم. حجة الشافعي أنه حصل الزنا مع الإحصان وذلك علة لإباحة الدم، فوجب أن يثبت إباحة الدم، وإذا ثبت ذلك وجب أن يكون ذلك بطريق الرجم. أما قولنا : حصل الزنا مع الإحصان، فهذا يعتمد إثبات قيدين : أحدهما : حصول الزنا ولا شك فيه. الثاني : حصول الإحصان وهو حاصل، لأن قوله تعالى :﴿والمحصنات من النساء﴾ يدل على أن المراد من المحصنة : المزوجة، وهذه المرأة مزوجة فهي محصنة، فثبت أنه حصل الزنا مع الإحصان، وإنما قلنا : إن الزنا مع الإحصان علة لإباحة الدم لقوله عليه الصلاة والسلام :
«لا يحل دم امرئ مسلم إلا لإحدى معان ثلاثة » ومنها قوله :«وزنا بعد إحصان » جعل الزنا بعد الإحصان علة لإباحة الدم في حق المسلم، والمسلم محل لهذا الحكم، أما العلة فهي مجرد الزنا بعد الإحصان، بدليل أن لام التعليل إنما دخل عليه. أقصى ما في الباب أنه حكم في حق المسلم، أن الزنا بعد الإحصان علة لإباحة الدم، إلا أن كونه مسلما محل الحكم، وخصوص محل الحكم لا يمنع من التعدية إلى غير ذلك المحل، وإلا لبطل القياس بالكلية. وأما العلة فهي ما دخل عليه لام التعليل، وهي ماهية الزنا بعد الإحصان، وهذه الماهية لما حصلت في حق الثيب الذمي، وجب أن يحصل في حقه إباحة الدم، فثبت أنه مباح الدم. ثم ههنا طريقان : إن شئنا اكتفينا بهذا القدر، فإنا ندعي كونه مباح الدم والخصم لا يقول به، فصار محجوجا، أو نقول : لما ثبت أنه مباح الدم وجب أن يكون ذلك بطريق الرجم لأنه لا قائل بالفرق.
فإن قيل : ما ذكرتم إن دل على أن الذمي محصن، فههنا ما يدل على أنه غير محصن، وهو قوله عليه الصلاة والسلام :«من أشرك بالله فليس بمحصن ».
قلنا : ثبت بالدليل الذي ذكرناه أن الذمي محصن، وثبت بهذا الخبر الذي ذكرتم أنه ليس بمحصن، فنقول : إنه محصن بمعنى أنه ذات زوج، وغير محصن بمعنى أنه لا يحد قاذفه، وقوله : من أشرك بالله فليس بمحصن يجب حمله على أنه لا يحد قاذفه، لا على أنه لا يحد على الزنا، لأنه وصفه بوصف الشرك وذلك جناية، والمذكور عقيب الجناية لا بد وأن يكون أمرا يصلح أن يكون عقوبة، وقولنا : أنه لا يجد قاذفه يصلح أن يكون عقوبة، أما قولنا : لا يحد على الزنا، لا يصلح أن يكون عقوبة له، فكان المراد من قوله : من أشرك بالله فليس بمحصن ما ذكرناه والله أعلم.
المسألة الرابعة : في قوله :﴿والمحصنات من النساء﴾ قولان : أحدهما : المراد منها ذوات الأزواج، وعلى هذا التقدير ففي قوله :﴿إلا ما ملكت أيمانكم﴾ وجهان : الأول : أن المرأة إذا كانت ذات زوج حرمت على غير زوجها، إلا إذا صارت ملكا لإنسان فإنها تحل للمالك، الثاني : أن المراد بملك اليمين ههنا ملك النكاح، والمعنى أن ذوات الأزواج حرام عليكم إلا إذا ملكتموهن بنكاح جديد بعد وقوع البينونة بينهن وبين أزواجهن، والمقصود من هذا الكلام الزجر عن الزنا والمنع من وطئهن إلا بنكاح جديد، أو بملك يمين إن كانت المرأة مملوكة، وعبر عن ذلك بملك اليمين لأن ملك اليمين حاصل في النكاح وفي الملك.
القول الثاني : أن المراد ههنا بالمحصنات الحرائر، والدليل عليه قوله تعالى بعد هذه الآية :﴿ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فما ملكت أيمانكم﴾ ذكر ههنا المحصنات ثم قال بعده :﴿ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات﴾ كان المراد بالمحصنات ههنا ما هو المراد هناك، ثم المراد من المحصنات هناك الحرائر، فكذا ههنا. وعلى هذا التقدير ففي قوله :﴿إلا ما ملكت أيمانكم﴾ وجهان : الأول : المراد منه إلا العدد الذي جعله الله ملكا لكم وهو الأربع، فصار التقدير : حرمت عليكم الحرائر إلا العدد الذي جعله الله ملكا لكم وهو الأربع، الثاني : الحرائر محرمات عليكم إلا ما أثبت الله لكم ملكا عليهن، وذلك عند حضور الولي والشهود وسائر الشرائط المعتبرة في الشريعة، فهذا الأول في تفسير قوله :﴿إلا ما ملكت أيمانكم﴾ هو المختار، ويدل عليه قوله تعالى :﴿والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾ جعل ملك اليمين عبارة عن ثبوت الملك فيها، فوجب أن يكون ههنا مفسرا بذلك، لأن تفسير كلام الله تعالى بكلام الله أقرب الطرق إلى الصدق والصواب، والله أعلم.
المسألة الخامسة : اتفقوا على أنه إذا سبى أحد الزوجين قبل الآخر وأخرج إلى دار الإسلام وقعت الفرقة. أما إذا سبيا معا فقال الشافعي رضي الله عنه : ههنا تزول الزوجية، ويحل للمالك أن يستبرئها بوضع الحمل إن كانت حاملا من زوجها، أو بالحيض. وقال أبو حنيفة رحمة الله عليه : لا تزول. حجة الشافعي رضي الله عنه أن قوله :﴿والمحصنات من النساء﴾ يقتضي تحريم ذات الأزواج ثم قوله :﴿إلا ما ملكت أيمانكم﴾ يقتضي أن عند طريان الملك ترفع الحرمة ويحصل الحل، قال أبو بكر الرازي : لو حصلت الفرقة بمجرد طريان الملك لوجب أن تقع الفرقة بشراء الأمة واتهابها وإرثها، ومعلوم أنه ليس كذلك، فيقال له : كأنك ما سمعت أن العام بعد التخصيص حجة في الباقي، وأيضا : فالحاصل عند السبي إحداث الملك فيها، وعند البيع نقل الملك من شخص إلى شخص فكان الأول أقوى، فظهر الفرق.
المسألة السادسة : مذهب علي وعمر وعبد الرحمن بن عوف أن الأمة المنكوحة إذا بيعت لا يقع عليها الطلاق، وعليه إجماع الفقهاء اليوم، وقال أبي بن كعب وابن مسعود وابن عباس وجابر وأنس : إنها إذا بيعت طلقت. حجة الجمهور : أن عائشة لما اشترت بريرة وأعتقها خيرها النبي ﷺ وكانت مزوجة، ولو وقع الطلاق بالبيع لما كان لذلك التخيير فائدة. ومنهم من روى في قصة بريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال :" بيع الأمة طلاقها " وحجة أبي كعب وابن مسعود عموم الاستثناء في قوله :﴿إلا ما ملكت أيمانكم﴾ وحاصل الجواب عنه يرجع إلى تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد والله أعلم. ثم إنه تعالى ختم ذكر المحرمات بقوله :﴿كتاب الله عليكم﴾ وفيه وجهان : الأول : أنه مصدر مؤكد من غير لفظ الفعل فإن قوله :﴿حرمت عليكم﴾ يدل على معنى الكتبة فالتقدير : كتب عليكم تحريم ما تقدم ذكره من المحرمات كتابا من الله، ومجيء المصدر من غير لفظ الفعل كثير نظيره ﴿وترى الجبال تحسبها جامدة وهى تمر مر السحاب صنع الله﴾ الثاني : قال الزجاج : ويجوز أن يكون منصوبا على جهة الأمر، ويكون «عليكم » مفسرا له فيكون المعنى : الزموا كتاب الله.
ثم قال :﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ﴿وأحل لكم﴾ على ما لم يسم فاعله، عطفا على قوله :﴿حرمت عليكم﴾ والباقون بفتح الألف والحاء عطفا على ﴿كتاب الله﴾ يعني كتب الله عليكم تحريم هذه الأشياء وأحل لكم ما وراءها.
المسألة الثانية : اعلم أن ظاهر قوله تعالى :﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ يقتضي حل كل من سوى الأصناف المذكورة. إلا أنه دل الدليل على تحريم أصناف أخر سوى هؤلاء المذكورين ونحن نذكرها.
الصنف الأول : لا يجمع بين المرأة وبين عمتها وخالتها، قال النبي ﷺ :" لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها " وهذا خبر مشهور مستفيض، وربما قيل : إنه بلغ مبلغ التواتر، وزعم الخوارج أن هذا خبر واحد، وتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد لا يجوز، واحتجوا عليه بوجوه : الأول : أن عموم الكتاب مقطوع المتن ظاهر الدلالة، وخبر الواحد مظنون المتن ظاهر الدلالة، فكان خبر الواحد أضعف من عموم القرآن، فترجيحه عليه بمقتضى تقديم الأضعف على الأقوى وإنه لا يجوز. الثاني : من جملة الأحاديث المشهورة خبر معاذ، وإنه يمنع من تقديم خبر الواحد على عموم القرآن من وجهين لأنه قال : بم تحكم ؟ قال بكتاب الله، قال : فإن لم تجد قال : بسنة رسول الله ﷺ، فقدم التمسك بكتاب الله على التمسك بالسنة، وهذا يمنع من تقديم السنة على الكتاب، وأيضا فإنه قال : فإن لم تجد قال : بسنة رسول الله ﷺ، علق جواز التمسك بالسنة على عدم الكتاب بكلمة «إن » وهي للاشتراط، والمعلق على الشرط عدم عند عدم الشرط.
الثالث : أن من الأحاديث المشهورة قوله عليه الصلاة والسلام :«إذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فاقبلوه وإلا فردوه » فهذا الخبر يقتضي أن لا يقبل خبر الواحد إلا عند موافقة الكتاب،

تفسير هذه الآية من كتب أخرى