تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ٢٤ وقوله تعالى :﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت ايمانكم﴾ اختلف في تأويله :
قال ابن مسعود رضي الله عنه :﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت إيمانكم﴾ قال :( ذوات(١) الأزواج من المشركين ).
وقال علي رضي الله عنه ( ذوات (٢) الأزواج من المشركين ).
ذهب ( عبد الله ) (٣) بن مسعود إلى أن بيع الأمة طلاقها، يحل للمشتري وطأها، وأسر الكتابية والمشركة يحلها لموالها وإن كان لها زوج في دار الحرب، وذهب علي رضي الله عنه إلى أن الآية نزلت في المشركات.
وعن ابن عباس رضي الله عنه ( أنه ) (٤) قال :( كل ذات زوج إتيانها زني إلا ما سبيت ).
وروي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ( أنه ) (٥) قال :( وقعت في سهمي يوم أوطاس(٦) جارية فبينا أنا أسوقها إذ رفعت رأسها إلى الحل فقالت : ذلك زوجي، فأنزل الله سبحانه وتعالى :﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت إيمانكم﴾ الآية، قال أبو سعيد رضي الله عنه : فاستحللنا فروجهن بها )، بين أبو سعيد الخدري رضي الله عنه في حديثه أن الآية نزلت في المشركات ذوات(٧) الأزواج، وكان حديثه يقوي قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومن وافقه.
وقيل أيضا في تأويل الآية :﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾ قيل(٨) :﴿والمحصنات من النساء﴾ حرام على الرجال ﴿إلا ما ملكت أيمانكم﴾ ( أيمانهم قيل(٩) ) ملك يمينه امرأته.
وعن أبي قلابة قال :( ما سبيتم من النساء ) إذا سبيتم المرأة ولها زوج من قومها فلا بأس أن يطأها.
وعن ابن عباس رضي الله عنه :﴿والمحصنات من النساء﴾ قال :( لا يحل له ان يتزوج فوق أربع نسوة، وما زاد عليهن وهو عليه حرام، كأمه وابنته وأخته ﴿إلا ما ملكت إيمانكم﴾ الإماء، فإنه ( زيادة ) (١٠) على أربع ( وأكثر من أربع ) (١١).
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه :﴿إلا ما ملكت إيمانكم﴾ ( هن نساؤكم. ( قال كان النساء يأتينا ) (١٢) يهاجرن ولا يهاجر أزواجهن فمنعناهن في هذه الآية. ثم أنزل الله عز وجل في الممتحنة :﴿ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن﴾ ( الممتحنة ١٠ ) ( فقوله تعالى )(١٣) ﴿إذا آتيتموهن أجورهن﴾ أحلهن(١٤) لنا بعد أن تزوجهن. وفيه نهى عن الزنى، وأباح ( التزوج فجعل ) (١٥) ملك اليمين التزوج. (١٦)
وأصح ( التأويلات وأولاها ) (١٧) ما وري عن علي رضي الله عنه، ولما روي عن النبي ﷺ في ذلك، وظاهر القرآن يدل على أن ذلك هو الحق، لأن الله تعالى قد فصل في غير ( هذا ) (١٨) الموضع بين التزوج وملك اليمين، فجعل ملك اليمين الإماء، ألا ترى إلى قوله تعالى :﴿إلا على أزواجهم أو ما ملكت إيمانهم﴾ ( المؤمنون ٦ والمعارج ٣٠ ) ؟ قال : لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج فهاتان(١٩) الآيتان تدلان على أن قول الله سبحانه وتعالى في آية ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾ على غير الزوجات(٢٠) كما روي عن الجماعة من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين الذين ذكرناهم.
ثم الكلام بين علي وأبي سعيد رضي الله عنه، ونحن نعلم أن أبا مسعود رضي الله عنه أوجب على الأمة إذا باعها مولاها ولها زوج العدة إذا كان قد دخل بها، وأنها عنده لا تحل لمولاها حتى تنقضي عدتها، فلم يجعلها حلالا للمولى الثاني بملكه إياها، فكان قول علي رضي الله عنه أشبه بظاهر الآية، لأنه تأول الآية متزوجة تحل بالملك لمولاها في حال الملك من قول عبد الله ( بن مسعود )، (٢١) إذ جعلها محرمة وإن كانت مملوكة حتى تنقضي(٢٢) عدتها.
وفي ذلك وجه آخر وهو أن الله تعالى ( في قوله ) (٢٣) :﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت إيمانكم﴾ يحرمها(٢٤) على البائع ويحللها للمشتري، ولم يخص الله تعالى أحدا من المالكين. روي عن علي رضي الله عنه حمل الآية على امرأة كافرة متزوجة سبيت فأحلها / ٨٨- أ / فلم تعزل، من احل المملوكة هذا مع موافقة الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه.
وظاهر الآية يدل على أن المأسورة ذات الزوج لا عدة عليها، وهو قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات﴾ إلى قوله :﴿ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن﴾ ( الممتحنة ١٠ ) فأمر ألا يردوهن(٢٥) وينكحن فلما جاز أن يتزوج الحرة إذا خرجت مسلمة ولا عدة عليها حلت إذا سبيت فملكت.
قيل :( فيه وجوه :
أحدها ) (٢٦) تعتد.
والثاني : إنما كانت حرة فأبطل السبي حكم الزوجية فكذلك يبطل حكم العدة. هذا كله إذا سبيت ولم يكن معها زوجها، فإما سبيت وزجها معها فإن الفرقة لا تقع بينهما، لأنها لو ( بانت من زوجها ) (٢٧) بانت للرق، والرق لا يمنع ابتداء النكاح، كيف يعمل في فسخ نكاح ثابت ؟ ولكن اختلاف الدارين هو الموقع في ما بينهما الفرقة لفوت الاجتماع بينهما، وإذا فات الاجتماع بين الزوجين والإياس من الانتفاع وقعت الفرقة في ما بينهما. وهذا يبطل قول من يقول : تقع(٢٨) الفرقة في ما بينهما للرق.
والثالث : إن العدة حق من حقوق الزوج، يبين ذلك قوله تعالى :﴿فما لكم عليهن من عدة تعتدونها﴾ ( الأحزاب ٤٩ ) فلا يجوز ان يبقى للحربي على أن المسلمة الخارجة إلى ادر الإسلام حق. فإذا لم يكن عليها العدة لها أن تتزوج، وسبيل الأمة المسبية تزوجها ووطؤها، لولاها إن رسل الله ﷺ تزوج صيفة بنة حيي بن أخطب في رجوعه من خيبر قبل أن يصل إلى المدينة، ومعلوم أنها كان لها زوج كبير، وأن عدتها منه لو كانت واجبة لم تنقض في تلك المدة، فهذا يبين أن لا عدة على مسبية من زوجها المقيم دار الحرب، ولا على مسلمة إذا خرجت من دار الحرب وأقام زوجها هنالك.
وقوله تعالى :﴿والمحصنات من النساء﴾ الآية قيل فيه بأوجه أربعة(٢٩) :
أحدها : في ( المسبيات ذوات ) (٣٠) الأزواج، وكذلك روي عن علي وأبي سعد الخدري رضي الله عنهما، فيكون فيه أمر ان :
أحدهما الحرمة على الأزواج.
والثاني : ارتفاع العدة، إذ هما حقان للحربي، وحقه في نفسه لا يمنع الاسترقاق، ولو كانت حرمة الاستمتاع فمثله في زوجته لكن يدخل على سبي الزوج : أن الرق قد يثبت فيهما ولم يبطل النكاح، فيجاب لهذا بوجهين :
أحدهما : الاستحسان من حيث يلزم المولى حق الإنكاح بقوله :﴿وانكحوا الأيامى منكم والصالحين﴾ الآية ( النور ٣٢ ) ولم يبطل عليه التجديد. ليس هذا في سبي الزوجة، إذ لا تعفف لها به ( وهو )(٣١) في دار الحرب.
والثاني : ان يكون الزوج وحق الرق إنما يجب إذا خرج المرء من يد نفسه، والمملوك قد يكون له يد في النكاح، فكأنها لم تخرج من يده إذا سبي معها، وإذا لم يسب(٣٢) لا يكون لمن في دار الحرب يد في دار الإسلام.
وفي حق الآية عبارة(٣٣) أخرى ؛ أنها إذا سبيت دونه انقطعت عنها عصمة بسبب حل غيره بقوله(٣٤) تعالى :﴿إذا جاءكم المؤمنات﴾ إلى قوله :﴿ولا جناح عليكم أن تنكحوهن﴾ ( الممتحنة ١٠ )، وقد جعل ذلك في الزوج سببا لقطع عصمته بقوله :﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ ( الممتحنة ١٠ )، وعصمة الزوجين عصمة مشركة، أيهما(٣٥) خرج مسلما خرج لئلا يعود، وكذلك المختلف يختلف لئلا يخرج، فتبطل العصمة بينهما، فأحل التناكح، ولو خرجا معا لا، فمثله أمر السبي.
وتأويل آخر(٣٦) أن قوله تعالى :﴿والمحصنات من النساء﴾ الآية قوله :﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ الآية ( النساء ٣ ) على ألا يحل وراء الأربع إلا ما ملك يمين. وعلى هذا في غير ذوات(٣٧) الأزواج، وقد روي مثله عن ابن عباس رضي الله عنه، ويكون في ذلك بيان ما كانت حرمته من حيث كانت حرمة العدد يختص في النكاح. فإن كان النكاح وملك اليمين في ما كانت الحرمة من حيث المنكوحة يستوي من حيث كانت العدد بحيث العقد بما فيه من الحقوق التي لا يقوم لها إلا بشر قد عصم وقد ملك اليمين وما كانت الحرمة بحيث نفس امرأة يستوي لاستواء الملكين في حق الحل والحرمة.
ووجه آخر(٣٨) : قيل : المحصنات هن الحرائر وما ملكت أيمانكم بالنكاح، فذهب من يقول بهذا إلى ما لو يذكر أيمان وبكن قال :﴿والمحصنات من النساء إلا ( ما ملكت أيمانكم﴾ ) (٣٩) فيكون التحريم في غير النكاح، لكنه بعيد على المعهود من الكلام : أنه لا يتكلم به إلا في ملك اليمين خاصة، ويجوز الأمرين في الإماء على حظر وطء الزانيات على المولى واختيار المتعففات منهن لمكان الأولاد.
وقوله تعالى :﴿كتاب الله عليكم﴾ قيل :﴿كتاب الله عليكم﴾ ما ذكر مما هؤلاء الإناث. وقال الكسائي نصب ﴿كتاب الله﴾ على قوله : حرم كذا وأحل كذا :﴿كتاب الله﴾ ﴿عليكم﴾ على الأمر ( يقول ) (٤٠) عليكم كتاب الله دونكم كتاب الله اتبعوا كتاب الله في نحو هذا المعنى وقيل :﴿كتاب الله عليكم﴾ يقول : هذا حرام الله عليكم في الكتاب. وقيل : هذا التحريم من النكاح قضاء الله عليكم في الكتاب.
وقوله تعالى :﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ اختلف فيه :
قيل :﴿ما وراء ذلكم﴾ أي : ما سوى ذلكم، وهو قول ابن عباس رضي الله عنه، دليله قوله :﴿ويكفرون بما وراء﴾ ( البقرة ٩١ ) أي سواه.
وقيل : ما وراء ذلكم } أي ما قبله وأمامه، وهو كقوله :﴿وكان وراءهم ملك﴾ ( الكهف ٧٩ ) وهو كان أمامهم.
وقيل : وراء ذلك أي : بعد ذلك وخلفه، وهو ظاهر. وقال : من سوى ذلكم الذي حرم عليكم ما لم يسم لكم.
ومن قال :﴿ما وراء ذلكم﴾ أمام ذلك وقبله، وهو ما ذكر قبل هذه المحرمات، قوله :﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ ( النساء ٣ ).
ومن قال :﴿ما وراء﴾ بعد أي : بعد أربعة الأصناف المحرمة بالنسب والمحرمات بالرضاع والمحرمات بالصهر والمحرمات بالجمع، يقول : أحل لكم ما بعد هؤلاء أربعة الأصناف.
وقيل : في قوله :﴿والمحصنات من النساء﴾ هن المتعففات من الإماء :﴿إلا ما ملكت إيمانكم﴾ من الإماء المسافحات الزانيات كأنه قال : فاستمتعوا بالمتعففات منهن ولا تستمتعوا بالزانيات، لأنه يلبس عليكم النسب، وهم كقوله :﴿ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن محصنا﴾ ( النور ٣٣ ).
وقوله تعالى :﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم﴾ بين الله تعالى أن النكاح لا يكون إلا ( ببدل يكون مالا ) (٤١) لأنه قال :﴿بأموالكم﴾ وفي الآية دلالة أيضا أم ما يملك لا يقع عليه اسم المال لا يكفين مهرا لأنه قال : إن تبتغوا بأموالكم } ولا يسمى الدانق والحبة مالا ولو كانت الحبة ما لا كانت(٤٢) التمرة مالا، فثبت بما وصفنا من دلالة الآية أن المهور لا تكون إلا من الأملاك فإن قيل : روي أن النبي ﷺ قال لرجل : " قد زوجتكما بما معك من القرآن " ( البخاري ٥٠٢٩ ) فقل(٤٣) : تأويله عندنا والله أعلم " بما معك " بسبب ما معك من القرآن ولا يجوز أن تكون السورةمهرا بدليل الكتاب لأنها ليست بمال. وكذلك كل شيء ليس بمال ولا يكون له قيمة فلا يجوز أن يكون مهرا وكذلك قوله سبحانه وتعالى :﴿فنصف ما فرض تم﴾ ( البقرة ٢. ٧ ) يدل على أن السورة وما ( لا ) (٤٤) لا يتمول لا يكون مهرا.
وروي عن أنس أن عبد الرحمن ابن ع وف رضي الله عنه تزوج على وزن نوا ة من الذهب يكون دينارا فإن قيل : قد بين في الخبر فقيمتها : ثلاثة دراهم وثلث لكن لا ندري من كان المقيم للنواة ؟ ولا يجوز أن يجعل تقييم ذلك المقيم وتفسيره(٤٥) حجة على علمائنا حتى نعلم ذلك ما ق
١ في الأصل و م: ذات..
٢ في الأصل و م: ذات..
٣ ساقطة من الأصل و م.
٤ ساقطة من الأصل و م..
٥ ساقطة من الأصل و م..
٦ أوطاس: واد بديار هوازن..
٧ في الأصل و م: ذات..
٨ في الأصل و م: قال..
٩ في الأصل و م: يمينك..
١٠ ساقطة من الأصل و م..
١١ من م ساقطة من الأصل..
١٢ من م في الأصل: يصبن. نظر تفسير الطبري (٨/١٦٤)..
١٣ ساقطة من الأصل و م..
١٤ في الأصل و م: فاحللن..
١٥ في الأصل و م: التزويج فجعلوا..
١٦ في الأصل و م: التزويج..
١٧ في الأصل و م: التأويلين وأولاهما..
١٨ ساقطة من الأصل و م..
١٩ في الأصل فهذان..
٢٠ في الأصل و م: الأزواج..
٢١ ساقطة من الأصل و م.
٢٢ في الأصل و م: تبقى..
٢٣ ساقطة من الأصل و م..
٢٤ أدرج قبلها في الأصل و م: وعند الله..
٢٥ في الأصل و م يردهن..
٢٦ ساقطة من الأصل و م:.
٢٧ ساقطة من الأصل و م:.
٢٨ أدرج قبلها في الأصل و م: إنه..
٢٩ في الأصل و م: ثلاثة..
٣٠ في الأصل و م: المسبية ذات..
٣١ ساقطة من الأصل و م..
٣٢ في الأصل و م: مسبيا..
٣٣ هذا هو الوجه الثاني من الوجوه الأربعة التي أ شار إليها المؤلف في قوله تعالى ﴿والمحصنات من النساء﴾..
٣٤ في الأصل و م: لقوله..
٣٥ في الأصل و م: أيها..
٣٦ هذا هو الوجه الثالث من الوجوه الأربعة الآنفة الذكر..
٣٧ في الأصل و م: ذات..
٣٨ هذا هو الوجه الرابع والأخير من الوجوه الأربعة السابقة الذكر..
٣٩ في الأصل و م: ما ملكتم..
٤٠ من م ساقطة من الأصل..
٤١ من م ساقطة من الأصل..
٤٢ في الأصل و م: وكان..
٤٣ في الأصل و م: قيل..
٤٤ من م، ساقطة من الأصل..
٤٥ في الأصل و م: وتفسير..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى