جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَىَ فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النّسَآءِ مَثْنَىَ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَىَ أَلاّ تَعُولُواْ﴾.
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم : معنى ذلك : وإن خفتم يا معشر أولياء اليتامى ألا تقسطوا في صداقهنّ فتعدلوا فيه، وتبلغوا بصداقهنّ صدقات أمثالهنّ، فلا تنكحوهنّ، ولكن انكحوا غيرهنّ من الغرائب اللواتي أحلهنّ الله لكم وطيبهنّ من واحدة إلى أربع. وإن خفتم أن تجوروا إذا نكحتم من الغرائب أكثر من واحدة، فلا تعدلوا، فانكحوا منهنّ واحدة، أو ما ملكت أيمانكم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة :﴿وَإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا في اليَتامَى فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النّساءِ﴾ فقالت : يا ابن أختي، هي اليتيمة تكون في حجر وليها، فيرغب في مالها وجمالها، ويريد أن ينكحها بأدنى من سنة صداقها، فنهوا أن ينكحوهنّ إلا أن يقسطوا لهنّ في إكمال الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما سواهنّ من النساء.
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال : أخبرني عروة بن الزبير، أنه سأل عائشة زوج النبيّ ﷺ، عن قول الله تبارك وتعالى :﴿وَإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا في اليَتامَى فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النّساءِ﴾ قالت : يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها، تشاركه في ماله، فيعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهنّ، ويبلغوا بهنّ أعلى سنتهنّ في الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن. قال يونس بن يزيد : قال ربيعة في قول الله :﴿وَإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا في اليَتامَى﴾ قال : يقول : اتركوهنّ فقد أحللت لكم أربعا.
حدثنا الحسن بن الجنيد وأبو سعيد بن مسلمة، قالا : أنبأنا إسماعيل بن أمية، عن ابن شهاب، عن عروة، قال : سألت عائشة أمّ المؤمنين، فقلت : يا أمّ المؤمنين أرأيت قول الله :﴿وَإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا في اليَتامَى فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النّساءِ﴾ ؟ قالت : يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليها، فيرغب في جمالها ومالها، ويريد أن يتزوّجها بأدنى من سنة صداق نسائها، فنهوا عن ذلك أن ينكحوهنّ إلا أن يقسطوا فيكملوا لهنّ الصداق، ثم أمروا أن ينكحوا سواهنّ من النساء إن لم يكملوا لهنّ الصداق.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني الليث، قال : ثني يونس، عن ابن شهاب، قال : ثني عروة بن الزبير، أنه سأل عائشة زوج النبيّ ﷺ، فذكر مثل حديث يونس، عن ابن وهب.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، مثل حديث ابن حميد، عن ابن المبارك.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت : نزل، يعني قوله :﴿وَإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا في اليَتامَى﴾. . . الآية، في اليتيمة تكون عند الرجل، وهي ذات مال، فلعله ينكحها لمالها، وهي لا تعجبه، ثم يضرّ بها، ويسيء صحبتها، فوعظ في ذلك.
قال أبو جعفر : فعلى هذا التأويل جواب قوله :﴿وَإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا﴾ قوله :﴿فانْكِحُوا﴾.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : النهي عن نكاح ما فوق الأربع، حذرا على أموال اليتامى أن يتلفها أولياؤهم، وذلك أن قريشا، كان الرجل منهم يتزوّج العشر من النساء، والأكثر، والأقلّ، فإذا صار معدما، مال على مال يتيمه الذي في حجره، فأنفقه، أو تزوّج به، فنهوا عن ذلك¹ وقيل لهم : إن أنتم خفتم على أموال أيتامكم أن تنفقوها، فلا تعدلوا فيها من أجل حاجتكم إليها، لما يلزمكم من مؤن نسائكم، فلا تجاوزوا فيما تنكحون من عدد النساء على أربع، وإن خفتم أيضا من الأربع ألا تعدلوا في أموالهم فاقتصروا على الواحدة، أو على ما ملكت أيمانكم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن سماك، قال : سمعت عكرمة يقول في هذه الاَية :﴿وَإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا في اليَتامَى﴾ قال : كان الرجل من قريش يكون عنده النسوة، ويكون عنده الأيتام، فيذهب ماله، فيميل على مال الأيتام. قال : فنزلت هذه الاَية :﴿وَإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا في اليَتامَى فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النّساءِ﴾.
حدثنا هناد بن السريّ، قال : حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة في قوله :﴿وَإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا في اليَتامَى فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النّساءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُباعَ فإنْ خِفْتُمْ ألاّ تَعِدِلُوا فَوَاحِدَةً أوْ ما مَلَكَتْ أيمانُكُمْ﴾ قال : كان الرجل يتزوّج الأربع والخمس والستّ والعشر، فيقول الرجل : ما يمنعني أن أتزوّج كما تزوّج فلان، فيأخذ مال يتيمه فيتزوّج به، فنهوا أن يتزوّجوا فوق الأربع.
حدثنا سفيان بن وكيع، قال : حدثنا أبيّ، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن طاوس، عن ابن عباس، قال : قصر الرجال على أربع من أجل أموال اليتامى.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله :﴿وَإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا في اليَتامَى﴾ فإن الرجل كان يتزوّج بمال اليتيم ما شاء الله تعالى، فنهى الله عن ذلك.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : أن القوم كانوا يتحوّبون في أموال اليتامى ألا يعدلوا فيها، ولا يتحوّبون في النساء ألا يعدلوا فيهنّ، فقيل لهم : كما خفتم أن لا تعدلوا في اليتامى، فكذلك فخافوا في النساء أن لا تعدلوا فيهنّ، ولا تنكحوا منهنّ إلا من واحدة إلى الأربع، ولا تزيدوا على ذلك، وأن خفتم ألا تعدلوا أيضا في الزيادة على الواحدة، فلا تنكحوا إلا ما لا تخافون أن تجوروا فيهنّ من واحدة أو ما ملكت أيمانكم. ذكر من قال ذلك :
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، قال : كان الناس على جاهليتهم، إلا أن يؤمروا بشيء أو ينهوا عنه. قال : فذكروا اليتامى، فنزلت :﴿وَإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا في اليَتامَى فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النّساءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُباعَ فإنْ خِفْتُمْ ألاّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أوْ ما مَلَكَتْ أيمانُكُمْ﴾ قال : فكما خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى، فكذلك فخافوا أن لا تقسطوا في النساء.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :﴿وَإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا في اليَتامَى﴾ إلى :﴿أيمَانُكُمْ﴾ كانوا يشدّدون في اليتامى، ولا يشدّدون في النساء، ينكح أحدهم النسوة، فلا يعدل بينهنّ¹ فقال الله تبارك وتعالى : كما تخافون أن لا تعدلوا بين اليتامى فخافوا في النساء، فانكحوا واحدة إلى الأربع، فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :﴿وَإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا في اليَتامَى فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النّساءِ﴾ حتى بلغ :﴿أدْنَى ألاّ تَعُولُوا﴾ يقول : كما خفتم الجور في اليتامى وهمّكم ذلك، فكذلك فخافوا في جمع النساء. وكان الرجل في الجاهلية يتزوّج العشرة فما دون ذلك، فأحلّ الله جلّ ثناؤه أربعا، ثم الذي صيرهنّ إلى أربع قوله :﴿مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُباعَ فإنْ خِفْتُمْ ألاّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ يقول : إن خفت ألا تعدل في أربع فثلاث، وإلا فثنتين، وإلا فواحدة¹ وإن خفت ألا تعدل في واحدة، فما ملكت يمينك.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، قوله :﴿وَإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا في اليَتامَى فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النّساءِ﴾ يقول : ما أحل لكم من النساء، ﴿مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُباعَ﴾ فخافوا في النساء مثل الذي خفتم في اليتامى ألا تقسطوا فيهن.
حدثني المثنى، قال : حدثنا الحجاج بن المنهال، قال : حدثنا حماد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، قال جاء الإسلام، والناس على جاهليتهم، إلا أن يؤمروا بشيء فيتبعوه أو ينهوا عن شيء فيجتنبوه، حتى سألوا عن اليتامى، فأنزل الله تبارك وتعالى :﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النّساءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُباعَ﴾.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا أبو النعمان عارم، قال : حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، قال : بعث الله تبارك وتعالى محمدا ﷺ، والناس على أمر جاهليتهم، إلا أن يؤمروا بشيء أو ينهوا عنه، وكانوا يسألونه عن اليتامى، فأنزل الله تبارك وتعالى :﴿وَإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا في اليَتامَى فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النّساءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُباعَ﴾ قال : فكما تخافون ألا تقسطوا في اليتامى فخافوا ألا تقسطوا وتعدلوا في النساء.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس : قوله :﴿وَإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا في اليَتامَى﴾ قال : كانوا في الجاهلية ينكحون عشرا من النساء الأيامى، وكانوا يعظمون شأن اليتيم، فتفقدوا من دينهم شأن اليتيم، وتركوا ما كانوا ينكحون في الجاهلية، فقال :﴿وَإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا في اليَتامَى فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النّساءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُباعَ﴾ ونهاهم عما كانوا ينكحون في الجاهلية.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ، قال : حدثنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :﴿وَإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا في اليَتامَى فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النّساءِ﴾ كانوا في جاهليتهم لا يرزءون من مال اليتيم شيئا، وهم ينكحون عشرا من النساء، وينكحون نساء آبائهم، فتفقدوا من دينهم شأن النساء، فوعظهم الله في اليتامى وفي النساء، فقال في اليتامى :﴿وَلا تَتَبَدّلُوا الخَبِيثَ بالطّيّبِ﴾. . . إلى :﴿إنّهُ كانَ حُوبا كَبِيرا﴾ ووعظهم في شأن النساء، فقال :﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النّساءِ﴾. . . الاَية، وقال :﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النّساءِ﴾.
حُدثت عن عمار عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله :﴿وَإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا في اليَتامَى﴾. . . إلى :﴿ما مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ﴾ يقول : فإن خفتم الجور في اليتامى وغمكم ذلك، فكذ

تفسير هذه الآية من كتب أخرى