تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى ( إن تجتنبوا كبائر ماتنهون عنه ) سئل رسول الله ﷺ فقيل له :«أي الكبائر أكبر ؟ فقال : أن تدعو لله ندا وهو خلقك، قيل : ثم أي ؟ قال : أن تقتل ولدك مخافة أن يأكل معك، قيل : ثم أي ؟ قال : أن تزني بحليلة جارك، ثم قرأ ( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ) (١) » (٢) وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال :«أكبر الكبائر : الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف، وكان متكئا فاستوى جالسا، وقال : وشهادة الزور، وشهادة الزور، فما زال يردده حتى قلنا : ليته سكت »(٣).
وقال ابن مسعود : الكبائر : ما ذكر الله تعالى في هذه السورة إلى هذه الآية :( إن تجتنبوا كبائر ).
وعن ابن مسعود أيضا أنه قال : الكبائر أربعة : الإشراك بالله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله. وقال ابن عباس : الكبائر سبع : الإشراك بالله، وقتل النفس بغير نفس، وقذف المحصنة، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف، والتعرب بعد الهجرة، يعني : إلى دار الحرب.
وقال ابن عمر : الكبائر تسع فذكر هذه السبع وزاد شيئين أحدهما : السحر، والثاني : الإلحاد في الحرم بالميل والظلم. وسئل ابن عباس، فقيل له : الكبائر سبع ؟ فقال : هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع، وقال المغيرة بن مقسم الضبي : شتم أبي بكر، وعمر من الكبائر.
والجملة أن الكبائر : كل جريمة أوعد الله تعالى عليها النار، وقال أبو صالح : الكبيرة كل ما أوجب الحد ؛ غير أنه لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار.
وقوله :( نكفر عنكم سيئاتكم ) قال السدى : أراد بالسيئات : الصغائر ( نكفر عنكم سيئاتكم ) إن شئت ؛ فالمشيئة مضمرة فيه، وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال :«الجمعة إلى الجمعة، والصلوات الخمس، كفارة لما بينهن ما اجتنبت الكبائر »(٤). وروى أبو سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ قال :«ما من مسلم يصيبه وصب، أو نصب، إلا كفر عنه خطاياه حتى الشوكة يشاكها »(٥).
وقيل : باجتناب الكبائر، تقع الصغائر مكفرة، ومذهب أهل السنة : أن تكفير الصغائر معلقة بالمشيئة ؛ فيجوز أن يعفو الله عن الكبائر، ويأخذ بالصغائر، ويجوز أن يجتنب الرجل الكبائر، فيؤخذ بالصغائر. ( وندخلكم مدخلا كريما ) وتقرأ :" مدخلا " (٦)- بفتح الميم فالمدخل : الجنة والمدخل بضم الميم : الإدخال، يعني : إدخالا كريما.
١ - الفرقان: ٦٨..
٢ - متفق عليه من حديث ابن مسعود، فرواه البخاري (١٢/١١٦ رقم ٦٨١١ وأطرافه في ٤٧٦١، ٦٠٠١، ٦٨٦١، ٧٥٢٠، ٧٥٣٢)، ومسلم (٢/١٠٥-١٠٦ رقم ١٤١)..
٣ - متفق عليه من حديث أبي بكرة، فرواه البخاري (١٠/٤١٩ رقم ٥٩٧٦ وأطرافه في ٢٦٥٤، ٢٦٧٣، ٦٢٧٤، ٦٩١٩) ومسلم (٢/١٠٨ رقم ١٤٣) وليس عندهما "الفرار من الزحف"..
٤ - رواه مسلم في صحيحه (٣/١٤٧-١٤٨ رقم ٢٣٣)، والترمذي (١/٤١٨ رقم ٢١٤)، وأحمد (٢/٣٥٩) من حديث أبي هريرة.
وقال الترمذي حسن صحيح، وفي الباب عن جابر، وأنس، وحنظلة الأسدي..

٥ - متفق عليه من حديث أبي سعيد، وأبي هريرة، رواه البخاري (١٠/١٠٧ رقم ٥٦٤١) ومسلم (١٦/١٩٦ رقم ٢٥٧٣)..
٦ - قرأ نافع، وأبو جعفر المدنيان: بفتح الميم، وقرأ الباقون بالضم. انظر النشر (٢/٢٤٩)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى