الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا﴾ : فيه ستة أوجه، وذلك يستدعي مقدمة قبله، وهو أن " كل " لا بُدَّ لها من شيءٍ تُضاف إليه. واختلفوا في تقديره : قيل : تقديرُه :" ولكلِّ إنسانٍ "، وقيل : لكل مال، وقيل : لكل قوم، فإنْ كان التقدير :" لكلِّ إنسان " ففيه ثلاثةُ أوجه، أحدها :" ولكلِّ إنسانٍ موروثٍ جعلنا مواليَ " أي : وُرَّاثاً مِمَّا ترك، ففي " ترك " ضمير عائد على " كل " وهنا تم الكلام، ويتعلق " مِمَّا ترك " ب " مواليَ " لِما فيه من معنى الوراثة، أو بفعل مقدَّرٍ أي : يَرِثون مما. " مواليَ " مفعول أول ل " جعل " بمعنى صَيَّر، و " لكل " جارٌ ومجرور هو المفعول الثاني قُدِّم على عامِلِه، ويرتفع " الوالدان " على خبر مبتدأ محذوف، أو بفعل مقدر أي : يَرِثون مما، كأنه قيل : ومَنْ الوارث ؟ فقيل : هم الوالدان والأقربون، والأصل :" وجعلنا لكلِّ ميتٍ وُرَّاثاً يَرِثون ممَّا تركه هم الوالدان والأقربون.
والثاني : أنَّ التقديرَ :" ولكلِّ إنسانٍ موروثٍ جَعَلنا وُرَّاثاً مما ترك ذلك الإِنسان " ثم بَيَّن الإِنسانَ المضافَ إليه " كل " بقوله : الوالدان، كأنه قيل : ومَنْ هو هذا الإِنسانُ الموروث ؟ فقيل : الوالدان والأقربون. والإِعرابُ كما تقدَّم في الوجهِ قبله. وإنما الفرق بينهما أن الوالدين في الأول وارثون، وفي الثاني مَوْروثون، وعلى هذين الوجهين فالكلام جملتان، ولا ضمير محذوف في " جعلنا "، و " موالي " مفعول أول، و " لكل " مفعول ثان.
الثالث : أن يكون التقدير : ولكل إنسان وارثٍ مِمَّنْ تركه الوالدان والأقربون جعلنا موالي أي : موروثين، فيُراد بالمَوْلى الموروثُ، ويرتفع " الوالدان " ب " ترك "، وتكون " ما " بمعنى " مَن "، والجار والمجرور صفةٌ للمضافِ إليه " كل "، والكلامُ على هذا جملةٌ واحدة، وفي هذا بُعْدٌ كبير.
الرابع : وإنْ كان التقدير :" ولكل قوم " فالمعنى : ولكل قوم جعلناهم مواليَ نصيبٌ مِمَّا تركه والدُهم وأقربوهم، ف " لكل " خبر مقدم، و " نصيب " مبتدأٌ مؤخر، و " جَعَلْناهم " صفةٌ لقوم، والضمير العائد عليهم مفعولُ " جَعَل " و " مواليَ " : إمَّا ثانٍ وإمَّا حالٌ، على أنها بمعنى " خلقنا، و " مِمَّا ترك " صفة للمبتدأ، ثم حُذِف المبتدأ وبقيت صفتُه، وحُذِف المضاف إليه " كل " وبقيت صفتُه أيضاً، وحُذِف العائد على الموصوفِ. ونظيرُه :" لكلِّ خلقه الله إنساناً مِنْ رزق الله " أي : لكل أحد خلقه الله إنساناً نصيبٌ من رزق الله.
الخامس : وإنْ كان التقدير :" ولكلِّ مال " فقالوا : يكون المعنى : ولكلِّ مال مِمَّا تركه الولدان والأقربون جعلنا مواليَ أي : وُرَّاثاً يَلُونه ويَحُوزونه، وجعلوا " لكل " متعلقةً ب " جعل "، و " مما ترك " صفة ل " كل "، الوالدان فاعلٌ ب " ترك " فيكون الكلام على هذا وعلى الوجهين قبله كلاماً واحداً، وهذا وإن كان حسناً إلا أن فيه الفصلَ بين الصفة والموصوف بجملةٍ عاملةٍ في الموصوف. قال الشيخ :" وهو نظير قولك :" بكلِّ رجلٍ مررت تميميٍ " وفي جواز ذلك نظر ". قلت : ولا يحتاج إلى نظر ؛ لأنه قد وُجد الفصلُ بين الموصوف وصفته بالجملة العاملة في المضاف إلى الموصوف، كقوله تعالى :﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ﴾ [الأنعام: ١٤] ف " فاطر " صفةٌ ل " الله "، وقد فُصِل بينهما ب " أتَّخِذُ " العامل في " غير " فهذا أولى.
السادس : أَنْ يكونَ " لكلِّ مال " مفعولاً ثانياً ل " جعل " على أنها تصييرية، و " مواليَ " مفعول أول، والإِعراب على ما تقدم. وهذا نهايةُ ما قيل في هذه الآية فلله الحمد.
قوله :﴿وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ﴾ في مَحَلِّه أربعةُ أوجه، أحدها : أنه مبتدأ والخبر قوله :" فآتوهم ". الثاني : أنه منصوب على الاشتغال بإضمار فعل، وهذا أرجحُ من حيث إنَّ بعده طَلَباً. والثالث : أنه مرفوعٌ عطفاً على " الوالدان والأقربون " فإنْ أريد بالوالدين أنهم موروثون عادَ الضميرُ مِنْ " فآتوهم " على " موالي "، وإنْ أُريد أنهم وارثون جازَ عَوْدُه على " مواليَ " وعلى الوالدين وما عُطف عليهم. الرابع : أنه منصوبٌ عطفاً على " مواليَ "، قال أبو البقاء :" أي وَجَعَلْنا الذين عاقَدَتْ وُرَّاثاً، وكان ذلك ونُسِخ "، وَردَّ عليه الشيخ بفساد العطفِ، قال :" إذ يصير التقدير : ولكلِّ إنسان، أو لكل شيءٍ من المالِ جَعَلْنا وُرَّاثاً والذين عاقَدَتْ أَيْمانكم " ثم قال :" فإنْ جُعِل من عطفِ الجمل وحًُذِفَ المفعولُ الثاني لدلالة المعنى عليه أمكن ذلك أي : جَعَلْنا وُرَّاثاً لكلِّ شيء من المالِ، أو لكلِّ إنسانٍ، وجَعَلْنا الذين عاقَدَتْ أيمانكم وراثاً، وفيه بعد ذلك تكلفٌ ". انتهى.
وقرأ الكوفيون :" عَقَدَتْ " والباقون :" عاقَدَتْ " بألف، ورُويَ عن حمزة التشديد في " عَقَّدت ". والمفاعلة هنا ظاهرة لأن المراد المحالفةُ. والمفعولُ محذوفٌ على كلٍّ من القراءات، أي : عاقَدْتَهم أو عَقَدْتَ حِلْفهم ونسبةُ المعاقدةِ أو العقدِ إلى الأيمان مجازٌ، سواءً أُريد بالأيمان الجارحةُ أم القَسَم. وقيل : ثَمَّ مضاف محذوف أي : عقدت ذوو أيمانكم.
والثاني : أنَّ التقديرَ :" ولكلِّ إنسانٍ موروثٍ جَعَلنا وُرَّاثاً مما ترك ذلك الإِنسان " ثم بَيَّن الإِنسانَ المضافَ إليه " كل " بقوله : الوالدان، كأنه قيل : ومَنْ هو هذا الإِنسانُ الموروث ؟ فقيل : الوالدان والأقربون. والإِعرابُ كما تقدَّم في الوجهِ قبله. وإنما الفرق بينهما أن الوالدين في الأول وارثون، وفي الثاني مَوْروثون، وعلى هذين الوجهين فالكلام جملتان، ولا ضمير محذوف في " جعلنا "، و " موالي " مفعول أول، و " لكل " مفعول ثان.
الثالث : أن يكون التقدير : ولكل إنسان وارثٍ مِمَّنْ تركه الوالدان والأقربون جعلنا موالي أي : موروثين، فيُراد بالمَوْلى الموروثُ، ويرتفع " الوالدان " ب " ترك "، وتكون " ما " بمعنى " مَن "، والجار والمجرور صفةٌ للمضافِ إليه " كل "، والكلامُ على هذا جملةٌ واحدة، وفي هذا بُعْدٌ كبير.
الرابع : وإنْ كان التقدير :" ولكل قوم " فالمعنى : ولكل قوم جعلناهم مواليَ نصيبٌ مِمَّا تركه والدُهم وأقربوهم، ف " لكل " خبر مقدم، و " نصيب " مبتدأٌ مؤخر، و " جَعَلْناهم " صفةٌ لقوم، والضمير العائد عليهم مفعولُ " جَعَل " و " مواليَ " : إمَّا ثانٍ وإمَّا حالٌ، على أنها بمعنى " خلقنا، و " مِمَّا ترك " صفة للمبتدأ، ثم حُذِف المبتدأ وبقيت صفتُه، وحُذِف المضاف إليه " كل " وبقيت صفتُه أيضاً، وحُذِف العائد على الموصوفِ. ونظيرُه :" لكلِّ خلقه الله إنساناً مِنْ رزق الله " أي : لكل أحد خلقه الله إنساناً نصيبٌ من رزق الله.
الخامس : وإنْ كان التقدير :" ولكلِّ مال " فقالوا : يكون المعنى : ولكلِّ مال مِمَّا تركه الولدان والأقربون جعلنا مواليَ أي : وُرَّاثاً يَلُونه ويَحُوزونه، وجعلوا " لكل " متعلقةً ب " جعل "، و " مما ترك " صفة ل " كل "، الوالدان فاعلٌ ب " ترك " فيكون الكلام على هذا وعلى الوجهين قبله كلاماً واحداً، وهذا وإن كان حسناً إلا أن فيه الفصلَ بين الصفة والموصوف بجملةٍ عاملةٍ في الموصوف. قال الشيخ :" وهو نظير قولك :" بكلِّ رجلٍ مررت تميميٍ " وفي جواز ذلك نظر ". قلت : ولا يحتاج إلى نظر ؛ لأنه قد وُجد الفصلُ بين الموصوف وصفته بالجملة العاملة في المضاف إلى الموصوف، كقوله تعالى :﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ﴾ [الأنعام: ١٤] ف " فاطر " صفةٌ ل " الله "، وقد فُصِل بينهما ب " أتَّخِذُ " العامل في " غير " فهذا أولى.
السادس : أَنْ يكونَ " لكلِّ مال " مفعولاً ثانياً ل " جعل " على أنها تصييرية، و " مواليَ " مفعول أول، والإِعراب على ما تقدم. وهذا نهايةُ ما قيل في هذه الآية فلله الحمد.
قوله :﴿وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ﴾ في مَحَلِّه أربعةُ أوجه، أحدها : أنه مبتدأ والخبر قوله :" فآتوهم ". الثاني : أنه منصوب على الاشتغال بإضمار فعل، وهذا أرجحُ من حيث إنَّ بعده طَلَباً. والثالث : أنه مرفوعٌ عطفاً على " الوالدان والأقربون " فإنْ أريد بالوالدين أنهم موروثون عادَ الضميرُ مِنْ " فآتوهم " على " موالي "، وإنْ أُريد أنهم وارثون جازَ عَوْدُه على " مواليَ " وعلى الوالدين وما عُطف عليهم. الرابع : أنه منصوبٌ عطفاً على " مواليَ "، قال أبو البقاء :" أي وَجَعَلْنا الذين عاقَدَتْ وُرَّاثاً، وكان ذلك ونُسِخ "، وَردَّ عليه الشيخ بفساد العطفِ، قال :" إذ يصير التقدير : ولكلِّ إنسان، أو لكل شيءٍ من المالِ جَعَلْنا وُرَّاثاً والذين عاقَدَتْ أَيْمانكم " ثم قال :" فإنْ جُعِل من عطفِ الجمل وحًُذِفَ المفعولُ الثاني لدلالة المعنى عليه أمكن ذلك أي : جَعَلْنا وُرَّاثاً لكلِّ شيء من المالِ، أو لكلِّ إنسانٍ، وجَعَلْنا الذين عاقَدَتْ أيمانكم وراثاً، وفيه بعد ذلك تكلفٌ ". انتهى.
وقرأ الكوفيون :" عَقَدَتْ " والباقون :" عاقَدَتْ " بألف، ورُويَ عن حمزة التشديد في " عَقَّدت ". والمفاعلة هنا ظاهرة لأن المراد المحالفةُ. والمفعولُ محذوفٌ على كلٍّ من القراءات، أي : عاقَدْتَهم أو عَقَدْتَ حِلْفهم ونسبةُ المعاقدةِ أو العقدِ إلى الأيمان مجازٌ، سواءً أُريد بالأيمان الجارحةُ أم القَسَم. وقيل : ثَمَّ مضاف محذوف أي : عقدت ذوو أيمانكم.