جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿وَلِكُلّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ وَالّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنّ اللّهَ كَانَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ شَهِيداً﴾. .
يعني جلّ ثناؤه بقوله :﴿وَلِكُلّ جَعَلْنا مَوَالِيَ﴾ : ولكلكم أيها الناس جعلنا موالي، يقول : ورثة من بني عمه وإخوته وسائر عصبته غيرهم. والعرب تسمي ابن العمّ المولى، ومنه قول الشاعر :
| وَمَوْلًى رَمَيْنا حَوْلَهُ وَهُوَ مُدْغِلٌ | بِأعْرَاضِنا والمُنْدِياتُ سُرُوعُ |
| مَهْلاً بِنَى عَمّنا مَهْلاً مَوالِينا | لا تُظْهرِنّ لنَا ما كانَ مَدْفُونا |
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا أبو أسامة، قال : حدثنا إدريس، قال : حدثنا طلحة بن مصرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله :﴿وَلِكُلّ جَعَلْنا مَوَالِيَ﴾ قال : ورثة.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثنى معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس :﴿وَلِكُلّ جَعَلنا مَوَالِيَ مِمّا تَرَكَ الوَالِدَانِ﴾ قال : الموالي : العصبة، يعني : الورثة.
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا مؤمل، قال : حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، في قوله :﴿وَلِكُلّ جَعَلنا مَوَالِيَ﴾ قال : الموالي : العصبة.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوري، عن منصور، عن مجاهد قوله :﴿وَلِكُلّ جَعَلنا مَوَالِيَ﴾ قال : هم الأولياء.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿وَلِكُلّ جَعَلنا مَوَالِيَ﴾ يقول : عصبة.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله :﴿وَلِكُلّ جَعَلْنا مَوَالِيَ﴾ قال : الموالي : أولياء الأب أو الأخ أو ابن الأخ أو غيرهما من العصبة.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :﴿وَلِكُلّ جَعَلْنا مَوَالِيَ﴾ أما موالي : فهم أهل الميراث.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :﴿وَلِكُلّ جَعَلْنا مَوَالِيَ﴾ قال : الموالي : العصبة هم كانوا في الجاهلية الموالي، فلما دخلت العجم على العرب لم يجدوا لهم أسما، فقال الله تبارك وتعالى :﴿فإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فإخْوَانُكُمْ فِي الدّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ فسموا الموالي. قال : والمولى اليوم موليان : مولى يرث ويورث فهؤلاء ذوو الأرحام، ومولى يورث ولا يرث فهؤلاء العَتَاقة¹ وقال : ألا ترون قول زكرياء :﴿وَإنّي خِفْتُ المَوَالِيَ مِنْ وَرَائي﴾ ؟ فالموالي ههنا : الورثة ويعني بقوله :﴿مِمّا تَرَكَ الوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ﴾ : مما تركه والده وأقرباؤه من الميراث.
فتأويل الكلام : ولكلكم أيها الناس جعلنا عصبة يرثون به مما ترك والده وأقرباؤه من ميراثهم.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَالّذِينَ عَقَدَتْ أيمَانُكُمْ فآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾.
اختلفت القراءة في قراءة ذلك، فقرأه بعضهم :﴿وَالّذِينَ عَقَدَتْ أيمَانُكُمْ﴾ بمعنى : والذين عقدت أيمانكم الحلف بينكم وبينهم، وهي قراءة عامة قراء الكوفيين. وقرأ ذلك آخرون :«وَالّذِينَ عاقَدَتْ أيمَانُكُمْ » بمعنى : والذين عاقدت أيمانكم وأيمانهم الحلِف بينكم وبينهم.
قال أبو جعفر : والذي نقول به في ذلك أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في قراءة أمصار المسلمين بمعنى واحد وفي دلالة قوله :﴿أيمَانُكُمْ﴾ على أنها أيمان العاقدين والمعقود عليهم الحلف، مستغنى عن الدلالة على ذلك بقراءة قوله «عقدت »، «عاقدت »، وذلك أن الذين قرأوا ذلك «عاقدت »، قالوا : لا يكون عقد الحلف إلا من فريقين، ولا بدّ لنا من دلالة في الكلام على أن ذلك كذلك، وأغفلوا موضع دلالة قوله :«أيمانكم »، على أن معنى ذلك : أيمانكم وأيمان المعقود عليهم، وأن العقد إنما هو صفة للأيمان دون العاقدين الحلف، حتى زعم بعضهم أن ذلك إذا قرىء :﴿عَقَدَتْ أيمَانُكُمْ﴾ فالكلام محتاج إلى ضمير صلة في الكلام حتى يكون الكلام معناه : والذين عقدت لهم أيمانكم ذهابا منه عن الوجه الذي قلنا في ذلك من أن الأيمان معنىّ بها أيمان الفريقين وأما «عاقدت أيمانكم »، فإنه في تأويل : عاقدت أيمان هؤلاء أيمان هؤلاء الحلف، فهما متقاربان في المعنى، وإن كانت قراءة من قرأ ذلك :﴿عَقَدَتْ أيمَانُكُمْ﴾ بغير ألف، أصحّ معنى من قراءة من قرأه :«عَاقَدَتْ » للذي ذكرنا من الدلالة على المعنىّ في صفة الأيمان بالعقد على أنها أيمان الفريقين من الدلالة على ذلك بغيره. وأما معنى قوله :﴿عَقَدَتْ أيمَانُكُمْ﴾ فإنه وصلت وشدّتْ ووكّدت أيمانكم، يعني : مواثيقكم التي واثق بعضهم بعضا، فآتوهم نصيبهم.
ثم اختلف أهل التأويل في معنى النصيب الذي أمر الله أهل الحلف أن يؤتي بعضهم بعضا في الإسلام، فقال بعضهم : هو نصيبه من الميراث لأنهم في الجاهلية كانوا يتوارثون، فأوجب الله في الإسلام من بعضهم لبعض بذلك الحلف، وبمثله في الإسلام من الموارثة مثل الذي كان لهم في الجاهلية، ثم نسخ ذلك بما فرض من الفرائض لذوي الأرحام والقرابات. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسن بن واقد، عن يزيد النحويّ، عن عكرمة والحسن البصريّ، في قوله :﴿وَالّذِينَ عَاقَدَتْ أيمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إنّ اللّهَ كانَ على كُلّ شَيْءٍ شَهِيدا﴾ قال : كان الرجل يحالف الرجل، ليس بنيهما نسب، فيرث أحدهما الآخر، فنسخ الله ذلك في الأنفال، فقال :﴿وأُولُوا الأرْحامِ بَعْضُهُمْ أوْلَى بِبَعضٍ في كِتابِ اللّهِ﴾.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في قول الله :«وَالّذِينَ عاقَدَتْ أيمَانُكُمْ » قال : كان الرجال يعاقد الرجل فيرثه، وعاقد أبو بكر رضي الله عنه مولى فورثه.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، ثني معاوية، عن علي بن طلحة، عن ابن عباس، قوله :«وَالّذِينَ عاقَدَتْ أيمَانُكُمْ فآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ » فكان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات ورثه الاَخر، فأنزل الله :﴿وأُلُوا الأرْحَامِ بَعْضَهُمُ أوْلَى بِبَعْضِ في كِتَابِ اللّهِ مِنَ المُؤْمِنينَ وَالمُهَاجِرِينَ إلاّ أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكُم مَعْرُوفا﴾ يقول : إلا أن يوصوا لأوليائهم الذين عاقدوا وصية فهو لهم جائز ن ثلث مال الميت، وذلك هو المعروف.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :«وَالّذِينَ عاقَدَتْ أيمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إنّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ شَهِيدا » كان الرجل يعاقد الرجلَ في الجاهلية، فيقول : دمى دمك، وهَدَمي هَدَمُ، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك. فجعل له السدس من جميع المال في الإسلاك، ثم يقسم أهل الميرات ميراثهم، فنسخ ذلك بعد في سورة الأنفال، فقال الله :﴿وأولُوا الأرْحَامِ بَعْضَهُمُ أوْلَى بِبَعْضِ في كِتَابِ اللّهِ﴾.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة :«وَالّذِينَ عَاقَدَتْ أيمَانُكُمْ » قال : كان الرجل في الجاهلية يعاقد الرجل فيقول : دمى دمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك¹ فلما جاء الإسلام، بقي منهم ناس، فأمروا أن يؤتوهم نصيبهم من الميراث وهو السدس، ثم نسخ ذلك بالميراث، فقال :﴿وأولُوا الأرْحَامِ بَعْضَهُمُ أوْلَى بِبَعْضِ﴾.
حدثني المثنى، قال : حدثنا الحجاج بن المنهال، قال : حدثنا همام بن يحيى، قال : سمعت قتادة يقول في قوله :«وَالّذِينَ عاقَدَتْ أيمَانُكُمْ فآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ » وذلك أن الرجل كان يعاقد الرجل في الجاهلية، فيقول : هدمى هدمك، ودمي دمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك. فجعل له السدس من جميع المال، ثم يقتسم أهل الميراث ميراثهم، فنسخ ذلك بعد الأنفال، فقال :﴿وأولُوا الأرْحَامِ بَعْضَهُمُ أوْلَى بِبَعْضِ في كِتَابِ اللّهِ﴾ فصارت المواريث لذوي الأرحام.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة، قال : هذا حلف كان في الجاهلية، كان الرجل يقول للرجل : ترثني وأرثك، وتنصرني وأنصرك، وتعقل عني وأعقل عنك.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :«وَالّذِينَ عاقَدَتْ أيمَانُكُمْ » كان الرجل يتبع الرجل فيعاقده : إن متّ فلك مثل ما يرث بعض ولدي وهذا منسوخ.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثنى أبي، قال : ثنى عمي، قال : ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله :«وَلِكُلّ جَعَلْنا مَوَالِيَ مِمّا تَرَكَ الوَالِدانِ والأقْرَبُونَ وَالّذِينَ عاقَدَتْ أيمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصيبَهُمْ » فإن الرجل في الجاهلية قد كان يلحق به الرجل، فيكون تابعه، فإذا مات الرجل صار لأهله وأقاربه الميراث، وبقي تابعه ليس له شيء، فأنزل الله :«وَالّذِينَ عاقَدَتْ أيمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ » فكان يعطَى من ميراثه، فأنزل الله بعد ذلك :﴿وأُولُوا الأرْحامٍ بَعْضُهُمْ أوْلَى بِبَعْضٍ في كِتاب اللّهِ﴾.
وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية في الذين آخى بينهم رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار، فكان بعضهم يرث بعضا بتلك المؤاخاة ثم نسخ الله ذلك بالفرائض، وبقوله :﴿وَلِكُلّ جَعَلْنا مَوَالِىَ ممّا تَرَكَ الوَالِدَانِ والأقْرَبُونَ﴾. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا أبو أسامة، قال : حدثنا إدريس بن يزيد، قال : حدثنا طلحة بن مصرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله :«وَالّذِينَ عاقَدَتْ أيمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ » قال : كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه، للأخوّة التي آخى رسول الله ﷺ بينهم، فلما نزلت هذه الاَية :﴿وَلِكُلّ جَعَلْنا مَوَالِيَ﴾ نسخت.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :«وَالّذِينَ عاقَدَتْ أيمَانُكْم » الذين عقد رسول الله ﷺ، ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ إذا لم يأت رحم يحول بينهم، قال : وهو لا يكون اليوم، إنما كان في نفر آخى بينهم رسول الله ﷺ، وانقطع ذلك، ولا يكون هذا لأحد إلا للنبيّ ﷺ، كان آخى بين المهاجرين والأنصار واليوم لا يؤاخي بين أحد.
وقال آخرون : بل نزلت هذه الاَية في أهل العقد بالحلف، ولكنهم أمروا أن يؤتي بعضهم بعضا أنصباءهم من النصرة والنصيحة وما أشبه ذلك دون الميراث. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا أبو أسا