جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿الرّجَالُ قَوّامُونَ عَلَى النّسَآءِ بِمَا فَضّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىَ بَعْضٍ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ وَاللاّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنّ فَعِظُوهُنّ وَاهْجُرُوهُنّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنّ سَبِيلاً إِنّ اللّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً﴾. .
يعني بقوله جلّ ثناؤه :﴿الرّجالُ قَوّامُونَ على النّساء﴾ : الرجال أهل قيام على نسائهم في تأديبهن والأخذ على أيديهن، فيما يجب عليهنّ لله ولأنفسهم¹ ﴿بِمَا فَضّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ﴾ : يعني بما فضل الله به الرجال على أزواجهم من سوقهم إليهنّ مهورهنّ، وإنفاقهم عليهنّ أموالهم، وكفايتهم إياهن مؤنهن. وذلك تفضيل الله تبارك وتعالى إياهنّ عليهن، ولذلك صاروا قوّاما عليهنّ، نافذي الأمر عليهنّ فيما جعل الله إليهم من أمورهنّ.
وبما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله :﴿الرّجالُ قَوّامُونَ على النّساءِ﴾ يعني : أمراء عليها أن تطيعه فيما أمرها الله به من طاعته، وطاعته أن تكون محسنة إلى أهله حافظة لماله وفضله عليها بنفقته وسعيه.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك في قوله :﴿الرّجالُ قَوّامُونَ على النّساءِ بِمَا فَضّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ على بَعْض﴾ يقول : الرجل قائم على المرأة يأمرها بطاعة الله، فإن أبت، فله أن يضربها ضربا غير مبرّح، وله عليها الفضل بنفقته وسعيه.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :﴿الرّجالُ قَوّامونَ على النّساءِ﴾ قال : يأخذون على أيديهن ويؤدبونهنّ.
حدثني المثنى، قال : حدثنا حبان بن موسى، قال : أخبرنا ابن المبارك، قال : سمعت سفيان، يقول :﴿بِمَا فَضّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ قال : بتفضيل الله الرجال على النساء.
وذكر أن هذه الآية نزلت في رجل لطم امرأته، فخوصم إلى النبيّ ﷺ في ذلك، فقضى لها بالقصاص. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا عبد الأعلى، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : حدثنا الحسن : أن رجلاً لطم امرأته، فأتت النبيّ ﷺ، فأراد أن يقصها منه، فأنزل الله :﴿الرّجالُ قَوّامُونَ على النساءِ بِمَا فَضّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ وبِمَا أنْفَقُوا مِنْ أمْوَالِهِمْ﴾ فدعاه النبيّ ﷺ، فتلاها عليه وقال :«أرَدْتُ أمْرا وأرَادَ اللّه غَيْرَهُ ».
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :﴿الرّجالُ قَوّامُونَ على النّساءِ بِمَا فَضّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ وبِمَا أنْفَقُوا مِنْ أمْوَالِهِمْ﴾ ذكر لنا أن رجلاً لطم امرأّه، فأتت النبيّ ﷺ، ثم ذكر نحوه.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله :﴿الرّجالُ قَوّامُونَ على النّساءِ﴾ قال : صكّ رجل امرأته، فأتت النبيّ ﷺ، فأراد أن يقيدَها منه، فأنزل الله :﴿الرّجالُ قَوّامُونَ على النّساءِ﴾.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن جرير بن حازم، عن الحسن، أن رجلاً من الأنصار لطم امرأته، فجاءت تلتمس القصاص، فجعل النبيّ ﷺ بينهما القصاص، فنزلت : قوله :﴿وَلا تَعْجَلْ بالقُرآنِ مِنْ قَبْل أنْ يُقْضَى إلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ ونزلت :﴿الرّجالُ قَوّامُونَ على النّساءِ بِمعا فَضّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ على بَعْض﴾.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : لطم رجل امرأته، فأراد النبيّ ﷺ القصاص، فبينما هم كذلك، نزلت الاَية.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السدي، أما :﴿الرّجالُ قَوّامُونَ على النّساءِ﴾ فإن رجلاً من الأنصار كان بينه وبين امرأته كلام، فلطمها، فانطلق أهلها، فذكروا ذلك للنبيّ ﷺ، فأخبرهم :﴿الرّجالُ قَوّامُونَ على النّساءِ﴾. . . الاَية.
وكان الزهري يقول : ليس بين الرجل وامرأته قصاص فيما دون النفس.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، سمعت الزهري، يقول : لو أن رجلاً شجّ امرأته، أو جرحها، لم يكن عليه في ذلك قود وكان عليه العقل، إلا أن يعدو عليها فيقتلها، فيقتل بها.
وأما قوله :﴿وبِمَا أنْفَقُوا مِنْ أمْوَالِهِمْ﴾ فإنه يعني : وبما ساقوا إليهنّ من صداق، وأنفقوا عليهن من نفقة. كما :
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال : فضله علها بنفقته وسعيه.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك، مثله.
حدثني المثنى، قال : حدثنا حبان بن موسى، قال : أخبرنا ابن المبارك، قال : سمعت سفيان يقول :﴿وبِمَا أنْفَقُوا مِنْ أمْوَالِهِمْ﴾ بما ساقوا من المهر.
فتأويل الكلام إذًا : الرجال قوّامون على نسائهم بتفضيل الله إياهم عليهنّ وبإنفاقهم عليهنّ من أموالهم. و«ما » التي في قوله :﴿بِمَا فَضّلَ اللّهُ﴾ والتي في قوله :﴿وبِمَا أنْفَقُوا﴾ في معنى المصدر.

القول في تأويل قوله تعالى :﴿فالصّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ للْغَيْب بِما حَفِظَ اللّهُ﴾.


يعني بقوله جلّ ثناؤه :﴿فالصّالِحاتُ﴾ : المستقيمات الدين، العاملات بالخير. كما :
حدثني المثنى، قال : حدثنا حبان بن موسى، قال : حدثنا عبد الله بن المبارك، قال : سمعت سفيان، يقول : فالصالحات يعملن بالخير.
وقوله :﴿قانِتاتٌ﴾ يعني : مطيعات لله ولأزواجهن. كما :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : قوله :﴿قانِتاتٌ﴾ قال : مطيعات.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :﴿قانِتاتٌ﴾ قال : مطيعات.
حدثني عليّ عن داود، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس :﴿قانِتاتٌ﴾ : مطيعات.
حدثنا الحسن بن معاذ، قال : ثا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿قانِتاتٌ﴾ : أي مطيعات لله ولأزواجهنّ.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، قال : مطيعات.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : القانتات : المطيعات.
حدثني المثنى، قال : حدثنا حبان بن موسى، قال : أخبرنا ابن المبارك، قال : سمعت سفيان يقول في قوله :﴿قانِتاتٌ﴾ قال : مطيعات لأزواجهن.
وقد بينا معنى القنوت فيما مضى وأنه الطاعة، ودللنا على صحة ذلك من الشواهد بما أغنى عن إعادته.
وأما قوله :﴿حافِظاتٌ للغَيْب﴾ فإنه يعني : حافظات لأنفسهنّ عند غيبة أزواجهنّ عنهنّ في فروجهن وأموالهم، وللواجب عليهنّ من حقّ الله في ذلك وغيره. كما :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿حافِظاتٌ للغَيْبِ﴾ يقول : حافِظات لما استودعهنّ الله من حقه، وحافظات لغيب أزواجهن.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السدي :﴿حافِظاتٌ للغَيْبِ بِمعا حَفِظَ اللّهُ﴾ يقول : تحفظ على زوجها ماله وفرجها، حتى يرجع كما أمرها الله.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قلت لعطاء : ما قوله :﴿حافِظاتٌ للغَيْبِ﴾ ؟ قال : حافظات للزوج.
حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال : حدثنا حجاج، قال : قال ابن جريج : سألت عطاء، عن﴿حافِظاتٌ للغَيْبِ﴾ قال : حافظات للأزواج.
حدثني المثنى، قال : حدثنا حبان بن موسى، قال : أخبرنا ابن المبارك، قال : سمعت سفيان يقول :﴿حافِظاتٌ للغَيْبِ﴾ : حافظات لأزواجهن لما غاب من شأنهنّ.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو صالح، قال : حدثنا أبو معشر، قال : حدثنا سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال : قال رسول الله ﷺ :«خَيْرُ النّساءِ امْرأةٌ إذَا نَظَرْتَ إلَيْها سَرّتْكَ، وإذَا أمَرْتَها أطاعَتْكَ، وَإذَا غِبْتَ عَنْها حَفِظَتْكَ فِي نَفْسِها وَمالِكَ » قال : ثم قرأ رسول الله ﷺ :﴿الرّجالُ قَوّامُونَ على النّساءِ﴾. . . الاَية.
قال أبو جعفر : وهذا الخبر عن رسول الله ﷺ يدلّ على صحة ما قلنا في تأويل ذلك، وأن معناه : صالحات في أديانهنّ، مطيعات لأزواجهنّ، حافظات لهم في أنفسهنّ وأموالهم.
وأما قوله :﴿بِمَا حَفظَ اللّهُ﴾ فإن القرّاء اختلفت في قراءته، فقرأته عامة القراء في جميع أمصار الإسلام :﴿بِما حَفِظَ اللّهُ﴾ برفع اسم الله على معنى : بحفظ الله إياهنّ إذ صيرهن كذلك. كما :
حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال : حدثنا حجاج، قال : قال ابن جريج : سألت عطاء، عن قوله :﴿بِمَا حَفِظَ اللّهُ﴾ قال : يقول : حفظهنّ الله.
حدثني المثنى، قال : حدثنا حبان بن موسى، قال : أخبرنا ابن المبارك، قال : سمعت سفيان يقول في قوله :﴿بِمَا حَفِظَا اللّهُ﴾ قال : بحفظ الله إياها أنه جعلها كذلك.
وقرأ ذلك أبو جعفر يزيد بن القعقاع المدني :«بِمَا حَفِظَ اللّهَ » يعني : بحفظهنّ الله في طاعته، وأداء حقه بما أمرهنّ من حفظ غيب أزواجهنّ، كقول الرجل للرجل : ما حفظت الله في كذا وكذا، بمعنى : راقبته ولاحظته.
قال أبو جعفر : والصواب من القراءة في ذلك ما جاءت به قراءة المسلمين من القراءة مجيئا يقطع عذر من بلغه ويثبت عليه حجته، دون ما انفرد به أبو جعفر فشذّ عنهم، وتلك القراءة ترفع اسم الله تبارك وتعالى :﴿بِمَا حَفِظَ اللّهُ﴾ مع صحة ذلك في العربية وكلام العرب، وقبح نصبه في العربية لخروجه عن المعروف من منطق العرب. وذلك أن العرب لا تحذف الفاعل مع المصادر من أجل أن الفاعل إذا حذف معها لم يكّن للفعل صاحب معروف. وفي الكلام متروك استغني بدلالة الظاهر من الكلام عليه من ذكره ومعناه :﴿فالصّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ للغَيْب بِمَا حَفِظَ اللّهُ﴾ فأحسنوا إليهنّ وأصلحوا، وكذلك هو فيما ذكر في قراءة ابن مسعود.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد، قال : حدثنا عيسى الأعمى، عن طلحة بن مصرف، قال : في قراءة عبد الله :«فالصّالِحاتُ قانِتاتٌ للْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ فأصلحوا إليهنّ واللاّتِي تخافُونَ نُشُوزَه

تفسير هذه الآية من كتب أخرى