محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٣٣ من سورة النساء في ١٢٢ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٥٨ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٣٣ من سورة النساء

١٢٢ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿وَلِكُلّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ وَالّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنّ اللّهَ كَانَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ شَهِيداً﴾. .
يعني جلّ ثناؤه بقوله :﴿وَلِكُلّ جَعَلْنا مَوَالِيَ﴾ : ولكلكم أيها الناس جعلنا موالي، يقول : ورثة من بني عمه وإخوته وسائر عصبته غيرهم. والعرب تسمي ابن العمّ المولى، ومنه قول الشاعر :
وَمَوْلًى رَمَيْنا حَوْلَهُ وَهُوَ مُدْغِلٌبِأعْرَاضِنا والمُنْدِياتُ سُرُوعُ
يعني بذلك : وابن عمّ رمينا حوله. ومنه قول الفضل بن العباس :
مَهْلاً بِنَى عَمّنا مَهْلاً مَوالِينالا تُظْهرِنّ لنَا ما كانَ مَدْفُونا
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا أبو أسامة، قال : حدثنا إدريس، قال : حدثنا طلحة بن مصرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله :﴿وَلِكُلّ جَعَلْنا مَوَالِيَ﴾ قال : ورثة.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثنى معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس :﴿وَلِكُلّ جَعَلنا مَوَالِيَ مِمّا تَرَكَ الوَالِدَانِ﴾ قال : الموالي : العصبة، يعني : الورثة.
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا مؤمل، قال : حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، في قوله :﴿وَلِكُلّ جَعَلنا مَوَالِيَ﴾ قال : الموالي : العصبة.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوري، عن منصور، عن مجاهد قوله :﴿وَلِكُلّ جَعَلنا مَوَالِيَ﴾ قال : هم الأولياء.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿وَلِكُلّ جَعَلنا مَوَالِيَ﴾ يقول : عصبة.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله :﴿وَلِكُلّ جَعَلْنا مَوَالِيَ﴾ قال : الموالي : أولياء الأب أو الأخ أو ابن الأخ أو غيرهما من العصبة.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :﴿وَلِكُلّ جَعَلْنا مَوَالِيَ﴾ أما موالي : فهم أهل الميراث.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :﴿وَلِكُلّ جَعَلْنا مَوَالِيَ﴾ قال : الموالي : العصبة هم كانوا في الجاهلية الموالي، فلما دخلت العجم على العرب لم يجدوا لهم أسما، فقال الله تبارك وتعالى :﴿فإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فإخْوَانُكُمْ فِي الدّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ فسموا الموالي. قال : والمولى اليوم موليان : مولى يرث ويورث فهؤلاء ذوو الأرحام، ومولى يورث ولا يرث فهؤلاء العَتَاقة¹ وقال : ألا ترون قول زكرياء :﴿وَإنّي خِفْتُ المَوَالِيَ مِنْ وَرَائي﴾ ؟ فالموالي ههنا : الورثة ويعني بقوله :﴿مِمّا تَرَكَ الوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ﴾ : مما تركه والده وأقرباؤه من الميراث.
فتأويل الكلام : ولكلكم أيها الناس جعلنا عصبة يرثون به مما ترك والده وأقرباؤه من ميراثهم.

القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَالّذِينَ عَقَدَتْ أيمَانُكُمْ فآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾.


اختلفت القراءة في قراءة ذلك، فقرأه بعضهم :﴿وَالّذِينَ عَقَدَتْ أيمَانُكُمْ﴾ بمعنى : والذين عقدت أيمانكم الحلف بينكم وبينهم، وهي قراءة عامة قراء الكوفيين. وقرأ ذلك آخرون :«وَالّذِينَ عاقَدَتْ أيمَانُكُمْ » بمعنى : والذين عاقدت أيمانكم وأيمانهم الحلِف بينكم وبينهم.
قال أبو جعفر : والذي نقول به في ذلك أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في قراءة أمصار المسلمين بمعنى واحد وفي دلالة قوله :﴿أيمَانُكُمْ﴾ على أنها أيمان العاقدين والمعقود عليهم الحلف، مستغنى عن الدلالة على ذلك بقراءة قوله «عقدت »، «عاقدت »، وذلك أن الذين قرأوا ذلك «عاقدت »، قالوا : لا يكون عقد الحلف إلا من فريقين، ولا بدّ لنا من دلالة في الكلام على أن ذلك كذلك، وأغفلوا موضع دلالة قوله :«أيمانكم »، على أن معنى ذلك : أيمانكم وأيمان المعقود عليهم، وأن العقد إنما هو صفة للأيمان دون العاقدين الحلف، حتى زعم بعضهم أن ذلك إذا قرىء :﴿عَقَدَتْ أيمَانُكُمْ﴾ فالكلام محتاج إلى ضمير صلة في الكلام حتى يكون الكلام معناه : والذين عقدت لهم أيمانكم ذهابا منه عن الوجه الذي قلنا في ذلك من أن الأيمان معنىّ بها أيمان الفريقين وأما «عاقدت أيمانكم »، فإنه في تأويل : عاقدت أيمان هؤلاء أيمان هؤلاء الحلف، فهما متقاربان في المعنى، وإن كانت قراءة من قرأ ذلك :﴿عَقَدَتْ أيمَانُكُمْ﴾ بغير ألف، أصحّ معنى من قراءة من قرأه :«عَاقَدَتْ » للذي ذكرنا من الدلالة على المعنىّ في صفة الأيمان بالعقد على أنها أيمان الفريقين من الدلالة على ذلك بغيره. وأما معنى قوله :﴿عَقَدَتْ أيمَانُكُمْ﴾ فإنه وصلت وشدّتْ ووكّدت أيمانكم، يعني : مواثيقكم التي واثق بعضهم بعضا، فآتوهم نصيبهم.
ثم اختلف أهل التأويل في معنى النصيب الذي أمر الله أهل الحلف أن يؤتي بعضهم بعضا في الإسلام، فقال بعضهم : هو نصيبه من الميراث لأنهم في الجاهلية كانوا يتوارثون، فأوجب الله في الإسلام من بعضهم لبعض بذلك الحلف، وبمثله في الإسلام من الموارثة مثل الذي كان لهم في الجاهلية، ثم نسخ ذلك بما فرض من الفرائض لذوي الأرحام والقرابات. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسن بن واقد، عن يزيد النحويّ، عن عكرمة والحسن البصريّ، في قوله :﴿وَالّذِينَ عَاقَدَتْ أيمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إنّ اللّهَ كانَ على كُلّ شَيْءٍ شَهِيدا﴾ قال : كان الرجل يحالف الرجل، ليس بنيهما نسب، فيرث أحدهما الآخر، فنسخ الله ذلك في الأنفال، فقال :﴿وأُولُوا الأرْحامِ بَعْضُهُمْ أوْلَى بِبَعضٍ في كِتابِ اللّهِ﴾.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في قول الله :«وَالّذِينَ عاقَدَتْ أيمَانُكُمْ » قال : كان الرجال يعاقد الرجل فيرثه، وعاقد أبو بكر رضي الله عنه مولى فورثه.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، ثني معاوية، عن علي بن طلحة، عن ابن عباس، قوله :«وَالّذِينَ عاقَدَتْ أيمَانُكُمْ فآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ » فكان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات ورثه الاَخر، فأنزل الله :﴿وأُلُوا الأرْحَامِ بَعْضَهُمُ أوْلَى بِبَعْضِ في كِتَابِ اللّهِ مِنَ المُؤْمِنينَ وَالمُهَاجِرِينَ إلاّ أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكُم مَعْرُوفا﴾ يقول : إلا أن يوصوا لأوليائهم الذين عاقدوا وصية فهو لهم جائز ن ثلث مال الميت، وذلك هو المعروف.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :«وَالّذِينَ عاقَدَتْ أيمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إنّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ شَهِيدا » كان الرجل يعاقد الرجلَ في الجاهلية، فيقول : دمى دمك، وهَدَمي هَدَمُ، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك. فجعل له السدس من جميع المال في الإسلاك، ثم يقسم أهل الميرات ميراثهم، فنسخ ذلك بعد في سورة الأنفال، فقال الله :﴿وأولُوا الأرْحَامِ بَعْضَهُمُ أوْلَى بِبَعْضِ في كِتَابِ اللّهِ﴾.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة :«وَالّذِينَ عَاقَدَتْ أيمَانُكُمْ » قال : كان الرجل في الجاهلية يعاقد الرجل فيقول : دمى دمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك¹ فلما جاء الإسلام، بقي منهم ناس، فأمروا أن يؤتوهم نصيبهم من الميراث وهو السدس، ثم نسخ ذلك بالميراث، فقال :﴿وأولُوا الأرْحَامِ بَعْضَهُمُ أوْلَى بِبَعْضِ﴾.
حدثني المثنى، قال : حدثنا الحجاج بن المنهال، قال : حدثنا همام بن يحيى، قال : سمعت قتادة يقول في قوله :«وَالّذِينَ عاقَدَتْ أيمَانُكُمْ فآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ » وذلك أن الرجل كان يعاقد الرجل في الجاهلية، فيقول : هدمى هدمك، ودمي دمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك. فجعل له السدس من جميع المال، ثم يقتسم أهل الميراث ميراثهم، فنسخ ذلك بعد الأنفال، فقال :﴿وأولُوا الأرْحَامِ بَعْضَهُمُ أوْلَى بِبَعْضِ في كِتَابِ اللّهِ﴾ فصارت المواريث لذوي الأرحام.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة، قال : هذا حلف كان في الجاهلية، كان الرجل يقول للرجل : ترثني وأرثك، وتنصرني وأنصرك، وتعقل عني وأعقل عنك.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :«وَالّذِينَ عاقَدَتْ أيمَانُكُمْ » كان الرجل يتبع الرجل فيعاقده : إن متّ فلك مثل ما يرث بعض ولدي وهذا منسوخ.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثنى أبي، قال : ثنى عمي، قال : ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله :«وَلِكُلّ جَعَلْنا مَوَالِيَ مِمّا تَرَكَ الوَالِدانِ والأقْرَبُونَ وَالّذِينَ عاقَدَتْ أيمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصيبَهُمْ » فإن الرجل في الجاهلية قد كان يلحق به الرجل، فيكون تابعه، فإذا مات الرجل صار لأهله وأقاربه الميراث، وبقي تابعه ليس له شيء، فأنزل الله :«وَالّذِينَ عاقَدَتْ أيمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ » فكان يعطَى من ميراثه، فأنزل الله بعد ذلك :﴿وأُولُوا الأرْحامٍ بَعْضُهُمْ أوْلَى بِبَعْضٍ في كِتاب اللّهِ﴾.
وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية في الذين آخى بينهم رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار، فكان بعضهم يرث بعضا بتلك المؤاخاة ثم نسخ الله ذلك بالفرائض، وبقوله :﴿وَلِكُلّ جَعَلْنا مَوَالِىَ ممّا تَرَكَ الوَالِدَانِ والأقْرَبُونَ﴾. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا أبو أسامة، قال : حدثنا إدريس بن يزيد، قال : حدثنا طلحة بن مصرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله :«وَالّذِينَ عاقَدَتْ أيمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ » قال : كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه، للأخوّة التي آخى رسول الله ﷺ بينهم، فلما نزلت هذه الاَية :﴿وَلِكُلّ جَعَلْنا مَوَالِيَ﴾ نسخت.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :«وَالّذِينَ عاقَدَتْ أيمَانُكْم » الذين عقد رسول الله ﷺ، ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ إذا لم يأت رحم يحول بينهم، قال : وهو لا يكون اليوم، إنما كان في نفر آخى بينهم رسول الله ﷺ، وانقطع ذلك، ولا يكون هذا لأحد إلا للنبيّ ﷺ، كان آخى بين المهاجرين والأنصار واليوم لا يؤاخي بين أحد.
وقال آخرون : بل نزلت هذه الاَية في أهل العقد بالحلف، ولكنهم أمروا أن يؤتي بعضهم بعضا أنصباءهم من النصرة والنصيحة وما أشبه ذلك دون الميراث. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا أبو أسا
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام: ولكلكم، أيها الناس، جعلنا عَصبة يرثون به مما ترك والده وأقرباؤه من ميراثهم.
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾


(١)
قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأه بعضهم: (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ)، بمعنى: والذين عقدت أيمانكم الحلفَ بينكم وبينهم. وهي قراءة عامة قرأة الكوفيين.
* * *
وقرأ ذلك آخرون: (والذين عاقدت أيمانكم)، بمعنى: والذين عاقدت أيمانكم وأيمانهم الحلفَ بينكم وبينهم.
* * *
قال أبو جعفر: والذي نقول به في ذلك: إنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في قرأة أمصار المسلمين بمعنى واحد.
* * *
وفي دلالة قوله:"أيمانكم" على أنها أيمان العاقدين والمعقود عليهم الحلف، مستغنىَّ عن الدلالة على ذلك بقراءة قوله:"عقدت"،"عاقدت". وذلك أن الذين قرأوا ذلك:"عاقدت"، قالوا: لا يكون عَقْد الحلف إلا من فريقين، ولا بد لنا من دلالة في الكلام على أن ذلك كذلك. وأغفلوا موضعَ دلالة قوله:"أيمانكم"، على أن معنى ذلك أيمانكم وأيمانُ المعقود عليهم، وأن العقد إنما هو صفة للأيمان دون
(١) لم يذكر في المخطوطة والمطبوعة: "فآتوهم نصيبهم" في هذا الموضع، ولا فيما بعده، فأثبتها في مكانها، لأنه فسرها بعد في هذا الموضع.
العاقدين الحلف، حتى زعم بعضهم أن ذلك إذا قرئ:"عقدت أيمانكم"، فالكلام محتاج إلى ضمير صفة تقَى الكلام، (١) حتى يكون الكلام معناه: والذين عقدت لهم أيمانكم = ذهابًا منه عن الوجه الذي قلنا في ذلك، من أن الأيمان معنيٌّ بها أيمان الفريقين.
* * *
وأما"عاقدت أيمانكم"، فإنه في تأويل: عاقدت أيمانُ هؤلاء أيمانَ هؤلاء، الحلفَ.
فهما متقاربان في المعنى، وإن كانت قراءة من قرأ ذلك:"عقدت أيمانكم" بغير"ألف"، أصح معنى من قراءة من قرأه:"عاقدت"، للذي ذكرنا من الدلالة المُغنية في صفة الأيمان بالعقد، (٢) على أنها أيمان الفريقين = من الدلالة على ذلك بغيره. (٣)
* * *
وأما معنى قوله:"عقدت أيمانكم"، فإنه: وَصَلت وشَدّت وَوكَّدت =
(١) في المطبوعة: "إلى ضمير صلة في الكلام"، وهو خلط لا معنى له. وأثبت ما في المخطوطة، وقوله: "ضمير"، أي: إضمار، وقد سلف مثل ذلك ١: ٤٢٧، تعليق: ١ / ٢: ١٠٧، تعليق: ١. وأما قوله: "صفة" فقد سلف مرارًا أن"الصفة" هي حرف الجر، و"حروف الصفات"، هي حروف الجر (انظر ٦: ٣٢٩، تعليق: ٦، والمراجع هناك)، والمعنى: إضمار حرف جر.
وأما قوله: "تقى الكلام" فهذا لفظ غم على معناه، وهو في المخطوطة كما أثبته، ولعله أراد أن حرف الجر المتعلق بقوله: "عقدت" يقي الجملة من فساد المعنى. ولعل ذلك من قديم عبارتهم، وإن كنت لا أحققه، وفوق كل ذي علم عليم.
(٢) في المطبوعة: "من الدلالة على المعنى - في صفة الأيمان بالعقد" وهو باطل المعنى، وفي المخطوطة: "من الدلالة على المعنية في صفة الأيمان بالعقد"، والذي لا شك فيه زيادة"على" في هذه العبارة، وأن قراءتها"المغنية". وانظر التعليق التالي.
(٣) تداخلت مراجع حروف الجر في هذه الجملة، وأحببت أن ألين سياقها، فهو يقول: "للذي ذكرنا من الدلالة المغنية في صفة الأيمان بالعقد... من الدلالة على ذلك بغيره"، فقوله: "من الدلالة" متعلق بقوله: "المغنية"، يعني أن صفة الأيمان بالعقد، دلالة على أنها أيمان الفريقين، وأن هذه الدلالة مغنية من الدلالة على ذلك المعنى بدلالة غيرها.
"أيمانكم"، يعني: مواثيقكم التي واثق بعضهم بعضًا (١) ="فآتوهم نصيبهم".
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في معنى"النصيب" الذي أمر الله أهل الحلف أن يؤتي بعضهم بعضًا في الإسلام. (٢)
فقال بعضهم: هو نصيبه من الميراث، لأنهم في الجاهلية كانوا يتوارثون، فأوجب الله في الإسلام من بعضهم لبعض بذلك الحلف، وبمثله في الإسلام، من الموارثة مثل الذي كان لهم في الجاهلية. ثم نسخ ذلك بما فرض من الفرائض لذوي الأرحام والقرابات.
*ذكر من قال ذلك:
٩٢٦٦ - حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسن بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة والحسن البصري في قوله:"والذين عاقدتْ أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شيء شهيدًا"، (٣) قال: كان الرجل يحالف الرجل ليس بينهما نسبٌ، فيرث أحدهما الآخر، فنسخ الله ذلك في"الأنفال" فقال: (وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [سورة الأنفال: ٧٥]. (٤)
٩٢٦٧ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في قول الله:"والذين عاقدت أيمانكم"،
(١) في المخطوطة والمطبوعة: "واثق بعضهم بعضًا"، والسياق يقتضي أن تكون: "بعضكم"، كما أثبتها.
(٢) انظر تفسير"النصيب" فيما سلف ٤: ٢٠٦ / ٦: ٢٨٨.
(٣) ستأتي القراءة مرة"عاقدت" ومرة"عقدت" في الآثار التالية، فتركتها كما هي في المخطوطة والمطبوعة، فإن اختلفتا، أثبت ما في المخطوطة، دون إشارة إلى ذلك من فعلي.
(٤) أثبت تمام الآية في المخطوطة.
قال: كان الرجل يعاقد الرجل فيرثه، وعاقد أبو بكر رضي الله عنه مولىً فورثه.
٩٢٦٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم"، فكان الرجل يعاقد الرجل: أيُّهما مات ورثه الآخر. فأنزل الله: (وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا) [سورة الأحزاب: ٦]، يقول: إلا أن يوصوا لأوليائهم الذين عاقدوا وصيةً، فهو لهم جائز من ثلث مال الميت. وذلك هو المعروف.
٩٢٦٩ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شيء شهيدًا"، كان الرجل يعاقد الرجل في الجاهلية فيقول:"دمي دمُك، وهَدَمي هَدَمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك". (١) فجعل له السدس من جميع المال في الإسلام، ثم يقسم أهل الميرات ميراثهم. فنسخ ذلك بعد في"سورة الأنفال" فقال الله: (وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ) [سورة الأنفال: ٦].
٩٢٧٠ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا
(١) قولهم: "دمي دمك"، أي: إن قتلني إنسان طلبت بدمي كما تطلب دم وليك وأخيك. و"الهدم" (بسكون الدال وتحريكها)، فإذا سكنت الدال، فمعناه: من هدم لي عزًا وشرفًا فقد هدمه منك، أو: من أهدر دمي فقد أهدر دمك = أو: ما عفوت أنا عنه من الدم، فعليك أن تعفو عنه. وأما "الهدم" (بفتح الدال) : فأصله: الشيء الذي انهدم، وهو قريب المعنى من الأول، ويقال: هو القبر، أي: أقبر حيث تقبر. يريدون: لا تفارقني ولا أفارقك في الحياة والممات.
وقولهم: "تطلب بي وأطلب بك"، أي: تطلب الثأر بي، إذا أصابني مكروه، وأفعل ذلك بك. و"الباء" هنا بمعنى: السبب، أي بسببي ومن جراء ما أصابني. وهذه الكلمات كلها توثيق في العهد، وعقد لازم يوجب على الرجلين أن يتعاونا في الخير والشر، لا يفارق أحدهما صاحبه في المحنة والبلاء.
معمر، عن قتادة:"والذين عاقدت أيمانكم"، قال: كان الرجل في الجاهلية يعاقد الرجل فيقول:"دمي دمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك". (١) فلما جاء الإسلام بقي منهم ناس، فأمروا أن يؤتوهم نصيبهم من الميراث، وهو السدس، ثم نسخ ذلك بالميراث، فقال: (وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ).
٩٢٧١ - حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا همام بن يحيى قال، سمعت قتادة يقول، في قوله:"والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم"، وذلك أن الرجل كان يعاقد الرجلَ في الجاهلية فيقول:"هدمي هدمك ودمي دمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك"، (٢) فجعل له السدس من جميع المال، ثم يقتسم أهل الميراث ميراثهم. فنسخ ذلك بعد في"الأنفال" فقال: (وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ)، فصارت المواريث لذوي الأرحام.
٩٢٧٢ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة قال: هذا حِلْفٌ كان في الجاهلية، كان الرجل يقول للرجل:"ترثني وأرثك، وتنصرني وأنصرك، وتَعْقِل عني وأعقل عنك". (٣)
٩٢٧٣ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، (٤) سمعت الضحاك يقول في قوله:"والذين عاقدت أيمانكم"، كان الرجل يتبع الرجل فيعاقده:"إن مِتُّ، فلك مثل ما يرث بعض ولدي"! وهذا منسوخ.
(١) انظر التعليق السالف.
(٢) انظر التعليق السالف.
(٣) "العقل" (بفتح فسكون) : الدية."عقل القتيل عقلا": أدى ديته. و"عقل عنه": أدى جنايته، وذلك إذا لزمته دية فأعطاها عنه.
(٤) في المطبوعة: "عبيد بن سلمان"، وهو خطأ كثر في هذه المطبوعة، نبهت عليه مرارًا، والصواب من المخطوطة، وهو إسناد دائر في التفسير، وسأصححه منذ اليوم ثم لا أشير إليه ثانية.
٩٢٧٤ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم"، فإن الرجل في الجاهلية قد كان يلحق به الرجل فيكون تابعه، فإذا مات الرجل صار لأهله وأقاربه الميراث، وبقي تابعه ليس له شيء، فأنزل الله:"والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم"، فكان يعطى من ميراثه، فأنزل الله بعد ذلك: (وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ).
* * *
وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في الذين آخى بينهم رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار، فكان بعضهم يرث بعضًا بتلك المؤاخاة، ثم نسخ الله ذلك بالفرائض، وبقوله:"ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون".
*ذكر من قال ذلك:
٩٢٧٥ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو أسامة قال، حدثنا إدريس بن يزيد قال، حدثنا طلحة بن مصرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله:"والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم"، قال: كان المهاجرون حين قَدِموا المدينة، يرث المهاجريٌّ الأنصاريَّ دون ذوي رحمه، للأخوة التي آخى رسول الله ﷺ بينهم. فلما نزلت هذه الآية:"ولكل جعلنا موالي"، نسخت. (١)
(١) الأثر: ٩٢٧٥ - أخرجه البخاري في صحيحه (الفتح ٨: ١٨٦) مطولا، وفرقه الطبري، فروى بعضه هنا، وروى سائره برقم: ٩٢٧٧، قال الحافظ ابن حجر: "إدريس، هو ابن يزيد الأودي (بفتح الألف وسكون الواو) والد عبد الله بن إدريس الفقيه الكوفي، ثقة عندهم، وما له في البخاري سوى هذا الحديث. ووقع في رواية الطبري عن أبي كريب، عن أبي أسامة: حدثنا إدريس بن يزيد"، وقد وقع في رواية البخاري نقص، سقط منه"فآتوهم نصيبهم" مع أن قوله: "من النصر" متعلق بقوله: "فآتوهم نصيبهم" لا بقوله: "عاقدت"، وهو وجه الكلام، واستدركه الحافظ في الفتح من رواية الطبري هذه.
٩٢٧٦ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"والذين عاقدت أيمانكم"، الذين عقد رسول الله ﷺ ="فآتوهم نصيبهم"، إذا لم يأت رحمٌ تحول بينهم. قال: وهو لا يكون اليوم، إنما كان في نفر آخىَ بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانقطع ذلك. ولا يكون هذا لأحدٍ إلا للنبي صلى الله عليه وسلم، كان آخى بين المهاجرين والأنصار، واليوم لا يؤاخَى بين أحد.
* * *
وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في أهل العقد بالحلف، ولكنهم أمروا أن يؤتي بعضهم بعضًا أنصباءهم من النصرة والنصيحة وما أشبه ذلك، دون الميراث.
*ذكر من قال ذلك:
٩٢٧٧ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو أسامة قال، حدثنا إدريس الأودي قال، حدثنا طلحة بن مصرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:"والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم" من النصر والنصيحة والرِّفادة، ويوصي لهم، وقد ذهبَ الميراث. (١)
٩٢٧٨ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد:"والذين عقدت أيمانكم". قال: كان حلفٌ في الجاهلية، (٢) فأمرُوا في الإسلام أن يعطوهم نصيبهم من العقل والمشورة
(١) الأثر: ٩٢٧٧ - هو تمام الأثر السالف رقم: ٩٢٧٥، وقد سلف التعليق عليه. وقد كان في المخطوطة: "وقد الميراث" بينهما بياض، أتمته المطبوعة على الصواب من رواية البخاري. وفي البخاري زيادة: "وقد ذهب الميراث، ويوصى له".
و"الرفادة" (بكسر الراء) : الإعانة بالعطية والصلة، ومنه"الرفادة" التي كانت قريش تترافد بها في الجاهلية، يخرج كل إنسان مالا بقدر طاقته، فيجمعون من ذلك مالا عظيما أيام الموسم، فيشترون به للحاج الجزر والطعام والزبيب، فلا يزالون يطعمون الناس حتى تنقضي أيام الحج. وكانت الرفادة والسقاية لبني هاشم.
(٢) "كان" هنا تامة، لا اسم لها ولا خبر.
والنصرة، (١) ولا ميراث.
٩٢٧٩ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن منصور، عن مجاهد أنه قال في هذه الآية:"والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم" من العوْن والنصر والحِلف.
٩٢٨٠ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن منصور، عن مجاهد في قوله الله:"والذين عاقدت أيمانكم"، قال: كان هذا حلفًا في الجاهلية، فلما كان الإسلام، أمروا أن يؤتوهم نصيبهم من النصر والولاء والمشورة، ولا ميراث.
٩٢٨١ - حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة قال، حدثنا حجاج، قال ابن جريج:"والذين عاقدت أيمانكم"، أخبرني عبد الله بن كثير: أنه سمع مجاهدا يقول: هو الحلف:"عقدت أيمانكم". قال:"فآتوهم نصيبهم"، قال: النصر.
٩٢٨٢ - حدثني زكريا بن يحيى قال، حدثنا حجاج، قال، ابن جريج، أخبرني عطاء قال: هو الحلف. قال:"فآتوهم نصيبهم"، قال: العقل والنصر.
٩٢٨٣ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"والذين عاقدت أيمانكم"، قال: لهم نصيبهم من النصر والرِّفادة والعقل. (٢)
(١) في المطبوعة والمخطوطة: "من العقل والنصرة والمشورة"، ولكن المخطوطة وضعت حرف"م" على كل من"النصرة والمشورة" بمعنى تقديم الثاني على الأول. ففعلت ذلك.
و"العقل": الدية، كما سلف شرحها قريبًا ص: ٢٧٦، تعليق: ٢.
(٢) الأثر: ٩٢٨٣ - في المطبوعة: "محمد بن محمد بن عمرو"، وهو خطأ محض، صوابه من المخطوطة، ومع ذلك فهو إسناد كثير الدوران في التفسير، أقربه: ٩٢٣٩.
وانظر تفسير"العقل"، و"الرفادة" فيما سلف قريبًا من التعليقات.
٩٢٨٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه.
٩٢٨٥ - حدثنا المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن سالم، عن سعيد:"والذين عاقدت أيمانكم"، قال: هم الحلفاء.
٩٢٨٦- حدثنا المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا عباد بن العوام، عن خصيف، عن عكرمة مثله.
٩٢٨٧ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم"، أما"عقدت أيمانكم"، فالحلفُ، كالرجل في الجاهلية ينزل في القوم فيحالفونه على أنه منهم، يواسونه بأنفسهم، (١) فإذا كان لهم حق أو قتال كان مثلهم، وإذا كان له حق أو نصرة خذلوه. فلما جاء الإسلام سألوا عنه، وأبى اللهُ إلا أن يشدّده. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لم يزد الإسلام الحُلفاء إلا شدة".
* * *
وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في الذين كانوا يتبنون أبناءَ غيرهم في الجاهلية، فأمروا في الإسلام أنْ يوصوا لهم عند الموت وصيةً. (٢)
*ذكر من قال ذلك:
٩٢٨٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب قال، حدثني سعيد بن المسيَّب: أن الله قال:"ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم"، قال سعيد بن المسيب: إنما نزلت هذه الآية في الذين كانوا يتبنَّون
(١) "آساه بنفسه وواساه بنفسه"، جعله"أسوة له". أي: مثلا له. ومنها"المواساة"، وهي المشاركة والمساهمة في المعاش والرزق.
(٢) في المطبوعة: "فأمروا بالإسلام" وهي سقيمة، صوابها من المخطوطة.
رجالا غير أبنائهم ويورِّثونهم، فأنزل الله فيهم، فجعل لهم نصيبًا في الوصية، وردّ الميراث إلى الموالي في ذي الرحم والعصبة، (١) وأبى الله للمدَّعَيْن ميراثًا ممن ادّعاهم وتبنّاهم، ولكنّ الله جعل لهم نصيبًا في الوصية.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب في تأويل قوله:"والذين عقدت أيمانكم"، قولُ من قال:"والذين عقدت أيمانكم على المحالفة، وهم الحلفاء". وذلك أنه معلوم عند جميع أهل العلم بأيام العرب وأخبارها، أنّ عقد الحلف بينها كان يكون بالأيمان والعهود والمواثيق، على نحو ما قد ذكرنا من الرواية في ذلك.
فإذ كان الله جل ثناؤه إنما وصف الذين عقدت أيمانهم ما عقدوه بها بينهم، دون من لم تعقد عقدًا بينهم أيمانهم (٢) = وكانت مؤاخاة النبي ﷺ بين من آخى بينه وبينه من المهاجرين والأنصار، لم تكن بينهم بأيمانهم، وكذلك التبني = (٣) كان معلومًا أن الصواب من القول في ذلك قولُ من قال:"هو الحلف"، دون غيره، لما وصفناه من العلة.
* * *
وأما قوله:"فآتوهم نصيبهم"، فإن أولى التأويلين به، ما عليه الجميع مجمعون من حكمه الثابت، وذلك إيتاءُ أهل الحلف الذي كان في الجاهلية دون الإسلام، بعضِهم بعضًا أنصباءَهم من النصرة والنصيحة والرأي، دون الميراث. وذلك لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قال:"لا حلف في الإسلام، وما كان من حلف في الجاهلية، فلم يزدْهُ الإسلام إلا شدة".
٩٢٨٩ - حدثنا بذلك أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن شريك، عن
(١) في المطبوعة: "في ذوي الرحم"، وهي صواب، والذي أثبته من المخطوطة صواب أيضًا.
(٢) في المخطوطة والمطبوعة: "دون من لم يعقد عقد ما بينهم أيمانهم"، وصواب قراءتها ما أثبت. ثم قوله بعد: "وكانت مؤاخاة النبي... " معطوف على قوله: "فإذ كان الله... ".
(٣) قوله: "كان معلومًا"، جواب قوله: "فإذ كان الله... " وما عطف عليه.
سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. (١)
٩٢٩٠ - وحدثنا أبو كريب قال، حدثنا مصعب بن المقدام، عن إسرائيل بن يونس، عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا حلف في الإسلام، وكل حلف كان في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة. وما يسرني أنّ لي حُمَر النعم، وأنى نقضتُ الحلف الذي كان في دار الندوة. (٢)
٩٢٩١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن أبيه، عن شعبة بن التوأم الضبيّ: أن قيس بن عاصم سألَ النبي ﷺ عن الحلف فقال: لا حلف في الإسلام، ولكن تمسكوا بحلف الجاهلية.
(١) الحديث: ٩٢٨٩ - إسناده صحيح.
ورواه أحمد في المسند: ٢٩١١، ٣٠٤٦، من طريق شريك، بهذا الإسناد مختصرًا، ليس فيه قوله"لا حلف في الإسلام". وهذه الزيادة ثابتة فيه في رواية أبي يعلى. فقد ذكر الهيثمي في مجمع الزوائد ٨: ١٧٣. كاملا وقال: "رواه أبو يعلى، وأحمد باختصار. ورجالهما رجال الصحيح".
وذكره ابن كثير ٢: ٤٣١-٤٣٢، عن هذا الموضع من الطبري.
وذكره السيوطي ٢: ١٥١، مختصرًا كرواية المسند. وقصر في تخريجه جدًا، إذ لم ينسبه لغير عبد بن حميد.
(٢) الحديث: ٩٢٩٠ - وهذا إسناد آخر، من وجه آخر - لحديث ابن عباس، بلفظ أطول من الذي قبله.
وهو إسناد صحيح.
محمد بن عبد الرحمن بن عبيد، مولى آل طلحة: ثقة، وثقه ابن معين وغيره. مترجم في التهذيب. والكبير للبخاري ١ / ١ / ١٤٦، وابن أبي حاتم ٣ / ٢ / ٣١٨.
والزيادة التي هنا -"وما يسرني أن لي حمر النعم"- ذكرها الهيثمي في مجمع الزوائد، حديثًا مستقلا، ٨: ١٧٢، وقال: "رواه الطبراني. وفيه مرزوق بن المرزبان، ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح".
وليس إسناد الطبراني أمامي، حتى أستطيع أن أقول فيه. ولكن إسناد الطبري هنا خلا من ذاك الرجل، فصح الحديث من هذا الوجه.
وذكره ابن كثير ٢: ٤٣٢، عن هذا الموضع، ولم يزد.
"حمر النعم" انظر تفسيرها فيما سلف رقم: ٩١٨٥.
٩٢٩٢ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة، عن أبيه، عن شعبة بن التوأم، عن قيس بن عاصم: أنه سأل النبي ﷺ عن الحلف، قال فقال: ما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به، ولا حلف في الإسلام. (١)
٩٢٩٣ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن داود بن أبي عبد الله، عن ابن جُدْعان، عن جدّته، عن أمّ سلمة: أن رسول الله ﷺ قال: لا حلف في الإسلام، وما كان من حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدّة". (٢)
(١) الحديثان: ٩٢٩١، ٩٢٩٢ - مغيرة: هو ابن مقسم الضبي، مضى في: ٣٣٤٩. أبوه: "مقسم الضبي": مترجم في التعجيل، ص: ٤٠٩ ترجمة موجزة، وأنه ذكره ابن حبان في الثقات. وهو تابعي، روى عن النعمان بن بشير. وترجمه البخاري في الكبير ٤ / ٢ / ٣٣. وابن أبي حاتم ٤ / ١ / ٤١٤-٤١٥. ولم يذاكرا فيه جرحًا.
شعبة بن التوأم الضبي، ويقال"التميمي": تابعي ثقة. مترجم في التعجيل، ص: ١٧٧-١٧٨، والإصابة ٣: ٢٣٠، والكبير ٢ / ٢ / ٢٤٤، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٣٦٨.
والحديث رواه الطيالسي: ١٠٨٤، عن جرير بن عبد الحميد، عن مغيرة، أي بأول الإسنادين هنا.
ورواه أحمد في المسند ٥: ٦١ (حلبي) عن هشيم، عن مغيرة. أي بثانيهما.
ونقله ابن كثير ٢: ٤٣٢، عن ثانيهما. ثم أشار إلى رواية أحمد. ثم نقله ثانيًا، ص ٤٣٣، من رواية المسند.
وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٨: ١٧٢. وقال: "رواه أحمد". ثم لم يزد!
وأشار إليه ابن أبي حاتم في ترجمة"شعبة بن التوأم"، فقال: "روى عن قيس بن عاصم، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: لا حلف في الإسلام".
(٢) الحديث: ٩٢٩٣ - داود بن أبي عبد الله، مولى بني هاشم: ثقة، ذكره ابن حبان في الثقات، كما في التهذيب. وترجمه ابن أبي حاتم ١ / ٢ / ٤١٧، فلم يذكر فيه جرحًا.
ابن جدعان: المشهور بذلك عند أهل هذا الشأن، هو"علي بن زيد بن جدعان". وقد روى الترمذي ٤: ٢٥، بهذا الإسناد: "أبو كريب... " - حديث"المستشار مؤتمن".
فظن الحافظ ابن عساكر - في كتاب الأطراف - أنه هو"علي بن زيد". وتعقبه الحافظ المزي في تهذيب الكمال، ص: ٨١٧-٨١٨ (مخطوط مصور)، فقال: "وذلك وهم منه. والصواب: جده عبد الرحمن بن محمد بن زيد بن جدعان" - يعني لقوله في الإسناد: "عن ابن جدعان، عن جدته".
وفي تهذيب الكمال، وتهذيب التهذيب، في ترجمة داود، وفي ترجمة"عبد الرحمن" (٣: ١٩١، و٦: ٢٦٧ من تهذيب التهذيب) أن البخاري روى في الأدب المفرد حديث"المستشار مؤتمن" - من طريق داود"عن عبد الرحمن بن محمد" هذا. وأن ذاك هو الدليل على أن المراد ب"ابن جدعان" هو"عبد الرحمن بن محمد". والذي رأيته في الأدب المفرد (ص: ٢٩) بهذا الإسناد حديث مطول، ولكن ليس فيه كلمة"المستشار مؤتمن". فالظاهر أنهما يريدان أصل الحديث. ولكن رواية البخاري هي التي كشفت عن الصواب في اسم"ابن جدعان".
وجدة ابن جدعان - هذه - مجهولة، لم يعرف اسمها. وعندي أن جهالتها لا تضر. فالغالب - فيما أرى - أنها صحابية. لأن عبد الرحمن بن محمد تابعي، روى عن عائشة، وعن ابن عمر. فجدته يكلد العارف أن يوقن أنها صحابية، أو مخضرمة على الأقل. والنساء في تلك العصور لم يعرفن باصطناع الروايات. ولذلك قال الذهبي في الميزان (٣: ٣٩٥) :"فصل في النسوة المجهولات. وما علمت في النساء من اتهمت، ولا من تركوها". وقوله هنا"عن جدته" - في المطبوعة"عمن حدثه"! وهو تحريف. وفي مطبوعة ابن كثير ٢: ٤٣٢- حين نقل هذا الحديث عن الطبري -"عن ابن جدعان، حدثه"! وهو تحريف أيضًا. وصوابه، كما أثبتنا"عن جدته". وقد ثبت على الصواب في مخطوطة الأزهر من تفسير ابن كثير (٢: ٢٧٣ نسخة مصورة عندي).
والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٨: ١٧٣. وقال: "رواه أبو يعلى، والطبراني. وفيه جدة ابن أبي مليكة، ولم أعرفها. وبقية رجاله ثقات".
و"جدة ابن أبي مليكة": هي"جدة ابن جدعان"، لأن ابن جدعان - هنا -: هو"عبد الرحمن بن محمد بن زيد بن جدعان". فهو ابن أخي"علي بن زيد بن جدعان"، وقد نسبوا إلى جدهم الأعلى. إذ"علي بن زيد": هو"علي بن زيد بن عبد الله بن أبي مليكة زهير بن عبد الله بن جدعان". وإنما الذي اشتهر عند المحدثين باسم"ابن أبي مليكة" - فهو"عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة زهير... ". وهو ابن عم"علي بن زيد".
٩٢٩٤ - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا حسين المعلم = وحدثنا مجاهد بن موسى قال، حدثنا يزيد بن هارون قال، حدثنا حسين المعلم = وحدثنا حاتم بن بكر الضبيّ قال، حدثنا عبد الأعلى، عن حسين المعلم = قال، حدثنا أبي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أنّ رسول الله ﷺ قال في خطبته يوم فتح مكة: فُوا بحلفٍ، فإنه لا يزيده الإسلام إلا شدة، ولا تُحدثوا حلفًا في الإسلام". (١)
(١) الحديث: ٩٢٩٤ - حاتم بن بكر الضبي - شيخ الطبري: هكذا ثبت هنا اسم أبيه"بكر". وقد مضى في: ٣٢٢٢ بالتصغير"بكير". وبينا هناك أنه ثبت في التقريب والتهذيب"بكر"، وفي الخلاصة"بكير". وها هو ذا الاختلاف وقع في موضعين من الطبري. ثم رجعت إلى النسخة المخطوطة المصورة من تهذيب الكمال، ص: ٢١٤، فظهر أن ناسخها أسقط كلمة"بكر" فأثبته"حاتم بن غيلان"، منسوبا إلى جده. وهو سهو من الناسخ يقينًا، لأنه أثبته قبل ترجمة"حاتم بن حريث". ولو كان أصله"حاتم بن غيلان" لأخره إلى موضعه في حرف الغين في آباء من اسمه"حاتم"، فيكون موضعه بعد"حاتم بن العلاء". فبقي الإشكال في اسم أبيه كما هو؟
وهذا الحديث رواه الطبري هنا، مختصرًا، بثلاثة أسانيد: عن"حميد بن مسعدة، عن حسين المعلم". ثم عن"مجاهد بن موسى، عن يزيد بن هارون، عن حسين المعلم". ثم عن"حاتم بن بكر الضبي، عن عبد الأعلى، عن حسين المعلم". ثم يقول حسين المعلم"حدثنا أبي، عن عمرو بن شعيب".
وفي هذه الأسانيد إشكالان:
أولهما: أن"حميد بن مسعدة" مات سنة ٢٤٤، فمن المحال أن يروى عن"حسين المعلم"، ويقول -كما هنا -"حدثنا حسين المعلم". لأن حسينًا مات سنة ١٤٥، فبين وفاتيهما ٩٩ سنة!! والراجح عندي أن يكون الناسخون أسقطوا شيخًا بين حميد وحسين.
وثانيهما: أن"حسينًا المعلم": هو"حسين بن ذكوان". وهو يروي عن عمرو بن شعيب مباشرة. ولو كان هذا وحده لكان هناك احتمال أن يروي عنه أيضًا بواسطة أبيه. ولكن الإشكال في أن"ذكوان" والد"حسين المعلم" ليس له ذكر في دواوين الرجال بشيء من الرواية، ولا ذكر أحد أن ابنه يروي عنه. فأنا أرجح أيضًا أن يكون قوله هنا"حدثنا أبي" زيادة خطأ من الناسخين.
ويؤيد أن زيادة"حدثنا أبي" تخليط من الناسخين - أن ابن كثير حين أشار إلى هذا الإسناد ٢: ٤٣٢، قال: "ثم رواه - يعني الطبري - من حديث حسين المعلم، وعبد الرحمن بن الحارث، عن عمرو بن شعيب، به". فذكر أن حسينًا رواه عن عمرو بن شعيب. ولم يذكر أنه"عن حسين عن أبيه".
وأما الحديث نفسه، فإنه سيأتي معناه، من رواية محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب: ٩٢٩٧، ٩٢٩٨، ومن رواية عبد الرحمن بن الحارث، عن عمرو: ٩٢٩٩. ويأتي تخريجه هناك، إن شاء الله.
٩٢٩٥ - حدثنا أبو كريب وعبدة بن عبد الله الصفار قالا حدثنا محمد بن بشر قال، حدثنا زكريا بن أبي زائدة قال، حدثني سعد بن إبراهيم، عن أبيه، عن جبير بن مطعم: أن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: لا حلف في الإسلام، وأيُّما حِلف كان في الجاهلية، فلم يزده الإسلام إلا شدة. (١)
(١) الحديث: ٩٢٩٥ - زكريا بن أبي زائدة الهمداني الوادعي: ثقة معروف، من شيوخ شعبة والثوري. أخرج له الجماعة.
سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، قاضي المدينة: ثقة كثير الحديث، وهو ثبت لا شك فيه. أخرج له الجماعة.
أبوه"إبراهيم بن عبد الرحمن": تابعي ثقة، من كبار التابعين. مترجم في التهذيب. والكبير ١ / ١ / ٢٩٥، وابن سعد ٥: ٣٩-٤٠، وابن أبي حاتم ١ / ١ / ١١١.
"جبير بن مطعم": صحابي معروف، من قريش، من بني نوفل. قدم المدينة في فداء أسارى بدر. ثم أسلم بعد ذلك.
والحديث رواه أحمد في المسند: ١٦٨٣٢ج٤ ص٨٣ حلبي، من طريق زكريا، وهو ابن أبي زائدة - بهذا الإسناد.
وكذلك رواه مسلم ٢: ٢٧٠، والبيهقي ٦: ٢٦٢- كلاهما من طريق زكريا.
وذكره ابن كثير ٢: ٤٣٢-٤٣٣، من رواية المسند. ثم أشار إلى أنه رواه مسلم، وأبو داود، وابن جرير، والنسائي.
٩٢٩٦ - حدثنا حميد بن مسعدة ومحمد بن عبد الأعلى قالا حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق = وحدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن عبد الرحمن بن إسحاق = عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف، أنّ رسول الله ﷺ قال: شهدت حلف المطيِّبين. وأنا غلام مع عُمومتي، فما أحبّ أن لي حٌمرَ النعم وأني أنْكُثُه = زاد يعقوب في حديثه عن ابن علية. قال: وقال الزهري: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم يُصب الإسلام حلفًا إلا زاده شدة. قال: ولا حلفَ في الإسلام. قال: وقد ألَّف رسول الله ﷺ بين قُريش والأنصار. (١)
(١) الحديث: ٩٢٩٦ - بشر بن المفضل بن لاحق البصري: ثقة من شيوخ أحمد وإسحاق وابن المديني. أخرج له الجماعة. مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ١ / ٢ / ٨٤، وابن أبي حاتم ١ / ١ / ٣٦٦.
وهذا الحديث رواه الطبري بإسنادين من طريق عبد الرحمن بن إسحاق.
وهو: "عبد الرحمن بن إسحاق بن عبد الله العامري". وهو ثقة، وثقه ابن معين وغيره، وأخرج له مسلم. مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ١ / ١ / ٥٢، وابن سعد ٥: ١٥١-١٥٢، وابن أبي حاتم ٣ / ٢ / ٢١٨.
والحديث رواه أحمد: ١٦٥٥، عن بشر بن المفضل، عن عبد الرحمن بن إسحاق - بهذا الإسناد.
ثم روى له أوله: ١٦٧٦، عن إسماعيل، وهو ابن علية، عن عبد الرحمن بن إسحاق.
وكذلك روى البخاري أوله، في الأدب المفرد، ص: ٨٣، من طريق ابن علية. ووقع فيه هناك خطأ مطبعي، يصحح من هذا الموضع.
وهذا الحديث في حقيقته حديثان:
أولهما: حديث متصل، من حديث عبد الرحمن بن عوف.
وثانيهما: حديث مرسل. وهو قول الزهري: "قال رسول الله ﷺ... " - إلى آخره.
وقد فصلنا القول في ذلك في المسند: ١٦٥٥.
٩٢٩٧ - حدثنا تميم بن المنتصر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: لما دخل رسول الله ﷺ مكة عامَ الفتح، قام خطيبًا في الناس فقال:"يا أيها الناس، ما كان من حِلف في الجاهلية فإنّ الإسلام لم يزده إلا شدة، ولا حلف في الإسلام".
٩٢٩٨ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ نحوه.
٩٢٩٩ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا خالد بن مخلد قال، حدثنا سليمان بن بلال قال، حدثنا عبد الرحمن بن الحارث، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ نحوه. (١)
* * *
(١) الأحاديث: ٩٢٩٧-٩٢٩٩، هي ثلاثة أسانيد لحديث واحد. وقد مضى بنحوه: ٩٢٩٤.
يزيد - في الإسناد الأول: هو يزيد بن هارون.
عبد الرحمن - في الإسناد الثالث: هو عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة.
والحديث رواه أحمد في المسند - ضمن حديث مطول: ٦٦٩٢، عن يزيد بن هارون، عن محمد بن إسحاق. وأشرنا إلى كثير من أسانيده هناك، وفي الاستدراك: ٢٨٣٢.
ورواه البخاري في الأدب المفرد، ص: ٨٣-٨٤، مختصرًا كما هنا، عن خالد بن مخلد، بالإسناد الأخير هنا.
وذكره ابن كثير ٢: ٤٣٢، عن الرواية: ٩٢٩٨ هنا. ثم أشار إلى الروايتين: ٩٢٩٤، ٩٢٩٩.
قال أبو جعفر: فإذ كان ما ذكرنا عن رسول الله ﷺ صحيحًا = وكانت الآية إذا اختُلف في حكمها منسوخ هو أم غير منسوخ، (١) غير جائز القضاء عليه بأنه منسوخ - مع اختلاف المختلفين فيه، ولوجُوب حكمها وَنفي النسخ عنه وجه صحيحٌ - (٢) إلا بحجة يجب التسليم لها، لما قد بينَّا في غير موضع من كتبنا الدلالةَ على صحةِ القول بذلك (٣) = (٤) فالواجب أن يكون الصحيح من القول في تأويل قوله:"والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم"، هو ما ذكرنا من التأويل، وهو أن قوله:"عقدت أيمانكم" من الحلف، وقوله:"فآتوهم نصيبهم" من النصرة والمعونة والنصيحة والرأي، على ما أمرَ به من ذلك رسول الله ﷺ في الأخبار التي ذكرناها عنه = (٥) دون قول من قال:"معنى قوله: فآتوهم نصيبهم، من الميراث"، وان ذلك كان حكما ثم نُسخ بقوله:"وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله"، ودونَ ما سِوَى القول الذي قلناه في تأويل ذلك. (٦)
وإذْ صَحّ ما قلنا في ذلك، وجب أن تكون الآية محكمة لا منسوخةً. (٧)
* * *
(١) في المخطوطة والمطبوعة: "منسوخ هي"، خطأ، صوابه ما أثبت.
(٢) سياق العبارة:
"غير جائز القضاء عليه بأنه منسوخإلا بحجة يجب التسليم لها"، والذي بينهما قيد اعترض به بين طرفي الكلام.
(٣) انظر مقالته في: "الناسخ والمنسوخ" فيما سلف: ١٣١، والتعليق ١، والمراجع هناك.
(٤) قوله: "فالواجب... "، جواب قوله آنفًا: "فإذ كان ما ذكرنا عن رسول الله ﷺ صحيحا".
(٥) السياق: "فالواجب أن يكون الصحيح من القول... هو ما ذكرنا من التأويل... دون قول من قال".
(٦) في المطبوعة والمخطوطة: "دون ما سوى القول" بلا واو عاطفة، والصواب إثبات"واو العطف"، عطفًا على قوله آنفًا: "دون قول من قال".
(٧) أشكل على ابن كثير هذا الموضع من كلام الطبري فرواه عنه ثم قال: "وفيه نظر، فإن من الحلف ما كان على المناصرة والمعاونة، ومنه ما كان على الإرث، كما حكاه غير واحد من السلف وكما قال ابن عباس: كان المهاجري يرث الأنصاري دون قراباته وذوي رحمه، حتى نسخ ذلك. فكيف يقول: إن هذه الآية محكمة غير منسوخة، والله أعلم".
وهذا الذي تعجب منه ابن كثير، قد بينه الطبري، وأقام عليه كل مذهبه، في كل ناسخ ومنسوخ، وقد كرره مرات كثيرة في تفسيره، وقد أعاده هنا عند ذكر الناسخ والمنسوخ فقال: إن الآية إذا اختلف في حكمها منسوخ هو أم غير منسوخ، واختلف المختلفون في حكمها، وكان لنفي النسخ عنها وإثبات أنها محكمة وجه صحيح، لم يجز لأحد أن يقضي بأن حكمها منسوخ، إلا بحجة يجب التسليم لها. وقد بين أبو جعفر مرارًا أن الحجة التي يجب التسليم لها هي: ظاهر القرآن، والخبر الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. أما تأويل ابن عباس أو غيره من الأئمة، فليس حجة في إثبات النسخ في آية، لتأويلها على أنها محكمة وجه صحيح.
فالعجب لابن كثير، حين عجب من أبي جعفر في تأويله وبيانه. ولو أنصف لنقض حجة الطبري في مقالته من الناسخ والمنسوخ، لا أن يحتج عليه ويتعجب منه، لحجة هي منقوضة عند الطبري، قد أفاض في نقضها مرارًا في كتابه هذا، وفي غيرها من كتبه كما قال، رحم الله أبا جعفر، وغفر الله لابن كثير.

القول في تأويل قوله: ﴿إٍنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾


قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فآتوا الذين عقدت أيمانكم نصيبهم من النصرة والنصيحة والرأي، فإن الله شاهد على ما تفعلون من ذلك، وعلى غيره من أفعالكم، مُرَاعٍ لكل ذلك، حافظٌ، حتى يجازي جميعَكم على جميع ذلك جزاءه، أما المحسنَ منكم المتبع أمري وطاعتي فبالحسنى، وأما المسيءَ منكم المخالفَ أمري ونهيي فبالسوأى. ومعنى قوله:"شَهيدا"، ذو شهادة على ذلك. (١)
* * *
(١) انظر تفسير"الشهيد" فيما سلف ١: ٣٧٦-٣٧٨ / ٣: ٩٧. ١٤٥ / ٦: ٦٠، ٧٥ / ٧: ٢٤٣

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جُبَير، وأبو صالح، وقتادة، وزيد بن أسلم، والسدي، والضحاك، ومقاتل بن حيان، وغيرهم في قوله :﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ أي : ورثة. وعن ابن عباس في رواية : أي عَصَبة. قال ابن جرير : والعرب تسمي ابن العم مولى، كما قال الفضل بن عباس :
مَهْلا بني عَمّنا مَهْلا مَوالينالا تُظْهِرَن لنا ما كان مدفُونا(١)
قال : ويعني بقوله :﴿مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ﴾ من تركة والديه وأقربيه من الميراث، فتأويل الكلام : ولكلكم - أيها الناس - جعلنا عصبة يرثونه مما ترك والداه وأقربوه من ميراثهم له.
وقوله :﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ(٢) أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ أي : والذين تحالفتم بالأيمان المؤكدة - أنتم وهم - فآتوهم نصيبهم من الميراث، كما وعدتموهم في الأيمان المغلظة، إن الله شاهد بينكم في تلك العهود والمعاقدات، وقد كان هذا في ابتداء الإسلام، ثم نسخ بعد ذلك، وأمروا أن يوفوا لمن عاقدوا، ولا ينشئوا بعد نزول هذه الآية معاقدة.
قال البخاري : حدثنا الصلت بن محمد، حدثنا أبو أسامة، عن إدريس، عن طلحة بن مصرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس :﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ قال : ورثة، ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري، دون ذوي رحمه ؛ للأخوة التي آخى النبي ﷺ بينهم، فلما نزلت ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نُسخت، ثم قال :﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ من النصر والرفادة والنصيحة، وقد(٣) ذهب الميراث ويُوصي له.
ثم قال البخاري : سمع أبو أسامة إدريس، وسمع إدريس عن طلحة(٤).
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشَجّ، حدثنا أبو أسامة، حدثنا إدريس الأوديّ، أخبرني طلحة بن مُصَرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله :﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ [ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ]﴾(٥) الآية،
قال : كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري، دون ذوي رحمه ؛ بالأخوة التي آخى رسول الله ﷺ بينهم، فلما نزلت هذه الآية :﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ﴾ نُسخت. ثم قال :﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾
وحدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حَجّاج، عن ابن جُرَيْج - وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس قال :﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ فكان الرجل قبل الإسلام يعاقد الرجل، يقول : ترثني وأرثك وكان الأحياء يتحالفون، فقال رسول الله ﷺ :" كُلُّ حِلْف كان في الجاهلية أو عَقْد أدْرَكَه الإسلامُ، فلا يَزِيدُه الإسلامُ إلا شدَّةً، ولا عَقْد ولا حِلْفٌ في الإسلامِ ". فنسختها هذه الآية :﴿وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥].
ثم قال : وروي عن سعيد بن المُسَيَّب، ومجاهد، وعطاء، والحسن، وسعيد بن جُبَيْر، وأبي صالح، والشَّعْبِي، وسليمان بن يَسار، وعكرمة، والسُّدِّي، والضَّحَّاك، وقتادة، ومُقاتِل بن حَيَّان أنهم قالوا : هم الحلفاء.
وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان، حدثنا شَريك، عن سِمَاك، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس - ورفعه - قال :" ما كان من حِلْفٍ في الجاهلية لم يَزِدْه الإسلام إلا حدة وشدة " (٦).
وقال ابن جرير : حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا وكيع، عن شريك، عن سِمَاك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال : قال رسول الله ﷺ - وحدثنا أبو كريب، حدثنا مصعب بن المقدام، عن إسرائيل عن يونس، عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال : قال رسول الله ﷺ :" لا حِلْفَ في الإسلام، وكلُّ حِلْف كان في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شِدَّة، وما يَسُرُّني أن لي حُمْرَ النَّعَم وإني نَقَضْتُ الحِلْفَ الذي كان في دار النَّدْوة " هذا لفظ ابن جرير(٧).
وقال ابن جرير أيضا : حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن عُلَيَّة، عن عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ قال :" شهِدتُ حِلْف المُطيَّبين، وأنا غُلامٌ مع عُمُومتي، فما أحب أن لي حُمْرَ النَّعَم وأنا أنكثُهُ ". قال الزهري : قال رسول الله ﷺ :" لم يُصب الإسلامُ حِلْفا إلا زاده شِدَّةً ". قال :" ولا حِلْف في الإسلام ". وقد ألف(٨) النبي ﷺ بين قريش والأنصار.
وهكذا رواه الإمام أحمد عن بشر بن المفضل عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، بتمامه(٩).
وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هُشَيْم، أخبرني مغيرة، عن أبيه، عن شعبة بن التوأم، عن قيس بن عاصم : أنه سأل النبي ﷺ عن الحلف، قال : فقال :" ما كان من حِلْفٍ في الجاهلية فَتَمَسَّكُوا به، ولا حِلْفٍ في الإسلام ".
وكذا رواه أحمد عن هشيم(١٠).
وحدثنا أبو كريب حدثنا وَكِيع، عن داود بن أبي عبد الله، عن ابن جُدْعان، عن جدته، عن أم سلمة : أن رسول الله ﷺ قال :" لا حِلْف في الإسلام، وما كان من حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شِدَّةً " (١١).
وحدثنا أبو كريب، حدثنا يونس بن بكير حدثنا محمد بن إسحاق، عن عَمْرو بن شعيب، عن أبيه عن جده قال : لما كان النبي ﷺ بمكة عام الفتح قام خطيبا في الناس فقال :" يا أيها الناس، ما كان من حِلْفٍ في الجاهلية، لم يَزِدْه الإسْلامُ إلا شِدَّةً، ولا حِلْفَ في الإسلامِ ".
ثم رواه من حديث حسين المعلم، وعبد الرحمن بن الحارث، عن عَمْرو بن شعيب، به(١٢).
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا ابن نمير وأبو أسامة، عن زكريا، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه، عن جبير بن مطعم قال : قال رسول الله ﷺ " لا حِلْفَ في الإسْلامِ، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يَزِدْه الإسلام إلا شِدَّةً ".
وهكذا رواه مسلم عن عبد الله بن محمد، وهو أبو بكر بن أبي شيبة، بإسناده، مثله. ورواه أبو داود عن عثمان عن محمد بن أبي شيبة، عن محمد بن بشر وابن نمير وأبي أسامة، ثلاثتهم عن زكريا - وهو ابن أبي زائدة(١٣) - بإسناده، مثله.
ورواه ابن جرير من حديث محمد بن بشر، به. ورواه النسائي من حديث إسحاق بن يوسف الأزرق، عن زكريا، عن سعد بن إبراهيم، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه، به(١٤).
وقال الإمام أحمد : حدثنا هشيم، قال : مغيرة أخبرني، عن أبيه، عن شعبة بن التوأم، عن قيس بن عاصم : أنه سأل النبي ﷺ عن الحلف، فقال :" ما كَانَ مِنْ حِلْفٍ في الجاهلية فَتَمَسَّكُوا به، ولا حِلْفَ في الإسْلامِ ".
وكذا رواه شعبة، عن مغيرة - وهو ابن مِقْسَم - عن أبيه، به.
وقال محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين قال : كنت أقرأ على أم سعد بنت الربيع، مع ابن ابنها موسى بن سعد - وكانت يتيمة في حجر أبي بكر - فقرأت عليها ﴿وَالَّذِيَن عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فقالت : لا ولكن :﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ قالت : إنما نزلت في أبي بكر وابنه عبد الرحمن، حين أبى أن يسلم، فحلف أبو بكر أن لا يورثه، فلما أسلم حين حمل على الإسلام بالسيف أمر الله أن يؤتيه نصيبه.
رواه ابن أبي حاتم، وهذا قول غريب، والصحيح الأول، وأن هذا كان في ابتداء الإسلام يتوارثون بالحلف، ثم نسخ وبقي تأثير الحلف بعد ذلك، وإن كانوا قد أمرُوا أن يوفوا بالعقود والعهود، والحلف الذي كانوا قد تعاقدوا قبل ذلك تقدم في حديث جبير بن مطعم وغيره من الصحابة : لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة.
وهذا نص في الرد على ما ذهب إلى التوارث بالحلف اليوم(١٥) كما هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، ورواية عن أحمد بن حنبل، رحمه(١٦) الله.
والصحيحُ قول الجمهور ومالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه ؛ ولهذا قال تعالى :﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ﴾ أي : ورثه من أقربائه من أبويه وأقربيه، وهم يرثونه دون سائر الناس، كما ثبت في الصحيحين، عن ابن عباس ؛ أن رسول الله ﷺ قال :" ألْحِقُوا الفرائِضَ بأهلها، فما بَقِيَ فهو لأوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ " (١٧) أي : اقسموا الميراث على أصحاب الفروض الذين ذكرهم الله في آيتي الفرائض، فما بقي بعد ذلك فأعطوه العَصَبة، وقوله :﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي : قبل نزول هذه الآية فآتوهم نصيبهم، أي من الميراث، فأيما حلف عُقد بعد ذلك فلا تأثير له.
وقد قيل : إن هذه الآية نسخت الحلف في المستقبل، وحكم الماضي أيضا، فلا توارث به، كما قال ابن أبي حاتم.
حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، حدثنا إدريس الأودي، أخبرني طلحة بن مُصَرّف، عن سعيد بن جُبَير عن ابن عباس :﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ قال : من النصرة والنصيحة والرّفادة، ويوصي له، وقد ذهب الميراث.
ورواه ابن جرير، عن أبي كريب، عن أبي أسامة وكذا روي عن مجاهد، وأبي مالك، نحو ذلك.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله :﴿وَالَّذِينَ عَقَدَت أَيْمَانُكُمْ﴾ قال : كان الرجل يعاقد الرجل، أيهما مات ورثه الآخر، فأنزل الله :﴿وَأُولُوا الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائُكُمْ مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٦]. يقول : إلا أن يوصوا لأوليائهم الذين عاقدوا وصية فهو لهم جائز من ثلث مال الميت، وذلك هو المعروف.
وهذا نص غير واحد من السلف : أنها منسوخة بقوله :﴿وَأُولُوا الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائُكُمْ مَعْرُوفًا﴾
وقال سعيد بن جبير :﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ أي : من الميراث. قال : وعاقد أبو بكر مولى فورثه. رواه ابن جرير.
وقال الزهري عن سعيد بن المسيب : أنزلت هذه الآية في الذين كانوا يتبنون رجالا غير أبنائهم، يورثونهم، فأنزل الله فيهم، فجعل لهم نصيبا في الوصية، ورد الميراث إلى الموالي في ذي الرحم والعَصبة وأبى الله للمدعين ميراثًا ممن ادعاهم وتبناهم، ولكن جعل لهم نصيبا من الوصية. رواه ابن جرير.
وقد اختار ابن جرير أن المراد بقوله :﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ أي : من النصرة والنصيحة والمعونة، لا أن المراد فآتوهم نصيبهم من الميراث - حتى تكون الآية منسوخة، ولا أن ذلك كان حكما ثم نسخ، بل إنما دلت الآية على الوفاء بالحلف المعقود على النصرة والنصيحة فقط، فهي محكمة لا منسوخة.
وهذا الذ
١ البيت في تفسير الطبري (٨/٢٧٠) وفي لسان العرب مادة (ولى)..
٢ قرأ الكوفيون "عقدت" بتخفيف من غير ألف، وشدد القاف حمزة، والباقون "عاقدت" بألف. مستفاد من هامش ط، الشعب..
٣ في أ: "فقد"..
٤ صحيح البخاري برقم (٤٥٨٠)..
٥ زيادة من أ..
٦ المسند (١/٣٢٩)..
٧ تفسير الطبري (٨/٢٨٢)..
٨ في د: "خالف"..
٩ تفسير الطبري (٨/٢٨٦) والمسند (١/١٩٠).
.

١٠ تفسير الطبري (٨/٢٨٣) والمسند (٥/٦١)..
١١ تفسير الطبري (٨/٢٨٣)..
١٢ تفسير الطبري (٨/٢٨٤)..
١٣ في أ: "زياد"..
١٤ المسند (٤/٨٣) وصحيح مسلم برقم (٢٥٣٠) وسنن أبي داود برقم (٢٩٢٥)، وتفسير الطبري (٨/٢٨٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (٦٤١٨).
.

١٥ في ر: "باليوم"..
١٦ في ر: "رحمهم"..
١٧ صحيح البخاري برقم (٦٧٣٥) وصحيح مسلم برقم (١٦١٥).
.

المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
حَكِيمِ بْنِ جُبَير، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَير، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "سَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِه، فَإِنَّ اللَّهَ (١) يُحِبُّ أَنْ يُسأل، وَإِنَّ أحبَّ عِبَادِهِ إِلَيْهِ الَّذِي يُحب الْفَرَجَ" (٢).
ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ أَيْ: هُوَ عَلِيمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ الدُّنْيَا فَيُعْطِيهِ مِنْهَا، وَبِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْفَقْرَ فَيُفْقِرُهُ، وَعَلِيمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْآخِرَةَ فَيُقَيِّضُهُ (٣) لِأَعْمَالِهَا، وَبِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْخِذْلَانَ فَيَخْذُلُهُ عَنْ تَعَاطِي الْخَيْرِ وَأَسْبَابِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾
﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣)﴾
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَير، وَأَبُو صَالِحٍ، وَقَتَادَةُ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَالسُّدِّيُّ، وَالضَّحَّاكُ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ، وَغَيْرُهُمْ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ أَيْ: وَرَثَةً. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةٍ: أَيْ عَصَبة. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالْعَرَبُ تُسَمِّي ابْنَ الْعَمِّ مَوْلًى، كَمَا قَالَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ:
مَهْلا بَنِي عَمّنا مَهْلا مَوالينالَا تُظْهِرَن لَنَا ما كَانَ مدفُونا (٤)
قَالَ: وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ﴾ مِنْ تَرِكَةِ وَالِدَيْهِ وَأَقْرَبِيهِ مِنَ الْمِيرَاثِ، فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: وَلِكُلِّكُمْ -أَيُّهَا النَّاسُ-جَعَلْنَا عَصَبَةً يَرِثُونَهُ مِمَّا تَرَكَ وَالِدَاهُ وَأَقْرَبُوهُ مِنْ مِيرَاثِهِمْ لَهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ (٥) أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ أَيْ: وَالَّذِينَ تَحَالَفْتُمْ بِالْأَيْمَانِ الْمُؤَكَّدَةِ -أَنْتُمْ وَهُمْ-فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ مِنَ الْمِيرَاثِ، كَمَا وَعَدْتُمُوهُمْ فِي الْأَيْمَانِ الْمُغَلَّظَةِ، إِنَّ اللَّهَ شَاهِدٌ بَيْنَكُمْ فِي تِلْكَ الْعُهُودِ وَالْمُعَاقَدَاتِ، وَقَدْ كَانَ هَذَا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ نُسِخَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأُمِرُوا أَنْ يُوَفُّوا لِمَنْ عَاقَدُوا، وَلَا يُنْشِئُوا بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ مُعَاقَدَةً.
قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ إِدْرِيسَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ قَالَ: وَرَثَةً، ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ كَانَ الْمُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَرِثُ الْمُهَاجِرِيُّ الْأَنْصَارِيَّ، دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ؛ لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نُسخت، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ مِنَ النَّصْرِ وَالرِّفَادَةِ وَالنَّصِيحَةِ، وَقَدْ (٦) ذَهَبَ الْمِيرَاثُ ويُوصي لَهُ.
ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: سَمِعَ أَبُو أُسَامَةَ إِدْرِيسَ، وَسَمِعَ إِدْرِيسُ عَنْ طَلْحَةَ (٧).
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأشَجّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا إِدْرِيسُ الْأَوَدِيُّ، أَخْبَرَنِي طَلْحَةُ بْنُ مُصَرف، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ [فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ]﴾ (٨) الآية،
(١) في أ: "فإنه".
(٢) وفي إسناده حكيم بن جبير ضعيف، واتهمه الجوزجاني بالكذب، وإنما ذلك لتشيعه.
(٣) في أ: "فيقيض".
(٤) البيت في تفسير الطبري (٨/٢٧٠) وفي لسان العرب مادة (ولى).
(٥) قرأ الكوفيون "عقدت" بتخفيف من غير ألف، وشدد القاف حمزة، والباقون "عاقدت" ألأف. مستفاد من هامش ط، الشعب.
(٦) في أ: "فقد".
(٧) صحيح البخاري برقم (٤٥٨٠).
(٨) زيادة من أ.
قَالَ: كَانَ الْمُهَاجِرُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَرِثُ الْمُهَاجِرِيُّ الْأَنْصَارِيَّ، دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ؛ بِالْأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ﴾ نُسخت. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾
وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا حَجّاج، عَنِ ابْنِ جُرَيْج -وَعُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ فَكَانَ الرَّجُلُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ يُعَاقِدُ الرَّجُلَ، يَقُولُ: تَرِثُنِي وَأَرِثُكَ وَكَانَ الْأَحْيَاءُ يَتَحَالَفُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كُلُّ حِلْف كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَوْ عَقْد أدْرَكَه الإسلامُ، فَلَا يَزِيدُه الإسلامُ إِلَّا شدَّةً، وَلَا عَقْد وَلَا حِلْفٌ فِي الإسلامِ". فَنَسَخَتْهَا هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الْأَنْفَالِ: ٧٥].
ثُمَّ قَالَ: وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّب، وَمُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، وَأَبِي صَالِحٍ، والشَّعْبِي، وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسار، وَعِكْرِمَةَ، والسُّدِّي، والضَّحَّاك، وَقَتَادَةَ، ومُقاتِل بْنِ حَيَّان أَنَّهُمْ قَالُوا: هُمُ الْحُلَفَاءُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا شَريك، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -وَرَفَعَهُ-قَالَ: "مَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْه الْإِسْلَامُ إِلَّا حِدَّةً وَشِدَّةً" (١).
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شَرِيكٌ، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ يُونُسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ، وكلُّ حِلْف كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّة، وَمَا يَسُرُّني أَنَّ لِي حُمْرَ النَّعَم وَإِنِّي نَقَضْتُ الحِلْفَ الَّذِي كَانَ فِي دَارِ النَّدْوة" هَذَا لَفْظُ ابْنِ جَرِيرٍ (٢).
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّة، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "شهِدتُ حِلْف المُطيَّبين، وَأَنَا غُلامٌ مَعَ عُمُومتي، فَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي حُمْرَ النَّعَم وَأَنَا أنكثُهُ". قَالَ الزُّهْرِيُّ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَمْ يُصب الإسلامُ حِلْفا إِلَّا زَادَهُ شِدَّةً". قَالَ: "وَلَا حِلْف فِي الْإِسْلَامِ". وَقَدْ أَلَّفَ (٣) النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ.
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ بِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِتَمَامِهِ (٤).
وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هُشَيْم، أَخْبَرَنِي مُغِيرَةُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ شُعْبَةَ بْنِ التَّوْأَمِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ: أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْحِلْفِ، قَالَ: فَقَالَ: "مَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَتَمَسَّكُوا بِهِ، وَلَا حِلْفٍ فِي الْإِسْلَامِ".
(١) المسند (١/٣٢٩).
(٢) تفسير الطبري (٨/٢٨٢).
(٣) في د: "خالف".
(٤) تفسير الطبري (٨/٢٨٦) والمسند (١/١٩٠).
وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ هُشَيْمٍ (١).
وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ جُدْعان، عَنْ جَدَّتِهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا حِلْف فِي الْإِسْلَامِ، وَمَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً" (٢).
وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: لَمَّا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ قَامَ خَطِيبًا فِي النَّاسِ فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، لَمْ يَزِدْه الإسْلامُ إِلَّا شِدَّةً، وَلَا حِلْفَ فِي الإسلامِ".
ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَمْرو بْنِ شُعَيْبٍ، بِهِ (٣).
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ زَكَرِيَّا، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "لَا حِلْفَ فِي الإسْلامِ، وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْه الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً".
وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن محمد، وهو أبو بكر بن أبي شَيْبَةَ، بِإِسْنَادِهِ، مِثْلَهُ. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ عُثْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ وَابْنِ نُمَيْرِ وَأَبِي أُسَامَةَ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ زَكَرِيَّا -وَهُوَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ (٤) -بِإِسْنَادِهِ، مِثْلَهُ.
وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ إِسْحَاقَ بْنِ يُوسُفَ الْأَزْرَقِ، عَنْ زَكَرِيَّا، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، بِهِ (٥).
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: مُغِيرَةُ أَخْبَرَنِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ شُعْبَةَ بْنِ التَّوْأَمِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ: أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْحِلْفِ، فَقَالَ: "مَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَتَمَسَّكُوا بِهِ، وَلَا حِلْفَ فِي الإسْلامِ".
وَكَذَا رَوَاهُ شُعْبَةُ، عَنْ مُغِيرَةَ -وَهُوَ ابْنُ مِقْسَم-عَنْ أَبِيهِ، بِهِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ: كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَى أُمِّ سَعْدٍ بِنْتِ الرَّبِيعِ، مَعَ ابْنِ ابْنِهَا مُوسَى بْنِ سَعْدٍ -وَكَانَتْ يَتِيمَةً فِي حِجْرِ أَبِي بَكْرٍ -فَقَرَأْتُ عَلَيْهَا ﴿وَالَّذِيَن عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فَقَالَتْ: لَا وَلَكِنْ: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ قَالَتْ: إِنَّمَا نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ وَابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حِينَ أَبَى أَنْ يُسْلِمَ، فَحَلَفَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ لَا يُوَرِّثَهُ، فَلَمَّا أَسْلَمَ حِينَ حُمِلَ عَلَى الْإِسْلَامِ بِالسَّيْفِ أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُؤْتِيَهُ نَصِيبَهُ.
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَهَذَا قَوْلٌ غَرِيبٌ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَأَنَّ هَذَا كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ يَتَوَارَثُونَ بِالْحِلْفِ، ثُمَّ نُسِخَ وَبَقِيَ تَأْثِيرُ الْحِلْفِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ أمرُوا أن يوفوا بالعقود
(١) تفسير الطبري (٨/٢٨٣) والمسند (٥/٦١).
(٢) تفسير الطبري (٨/٢٨٣).
(٣) تفسير الطبري (٨/٢٨٤).
(٤) في أ: "زياد".
(٥) المسند (٤/٨٣) وصحيح مسلم برقم (٢٥٣٠) وسنن أبي داود برقم (٢٩٢٥)، وتفسير الطبري (٨/٢٨٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (٦٤١٨).
وَالْعُهُودِ، وَالْحِلْفُ الَّذِي كَانُوا قَدْ تَعَاقَدُوا قَبْلَ ذَلِكَ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ: لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ، وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً.
وَهَذَا نَصٌّ فِي الرَّدِّ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَى التَّوَارُثِ بِالْحِلْفِ الْيَوْمَ (١) كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، رَحِمَهُ (٢) اللَّهُ.
والصحيحُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ﴾ أَيْ: وَرَثَهً مِنْ أَقْرِبَائِهِ مِنْ أَبَوَيْهِ وَأَقْرَبِيهِ، وَهُمْ يَرِثُونَهُ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "ألْحِقُوا الفرائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لأوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ" (٣) أَيِ: اقْسِمُوا الْمِيرَاثَ عَلَى أَصْحَابِ الْفُرُوضِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي آيَتَيِ الْفَرَائِضِ، فَمَا بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَعْطُوهُ العَصَبة، وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أَيْ: قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ، أَيْ مِنَ الْمِيرَاثِ، فَأَيُّمَا حِلْفٌ عُقد بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا تَأْثِيرَ لَهُ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَسَخَتِ الْحِلْفَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَحُكْمَ الْمَاضِي أَيْضًا، فَلَا تَوَارُثَ بِهِ، كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا إِدْرِيسُ الْأَوَدِيُّ، أَخْبَرَنِي طَلْحَةُ بن مُصَرّف، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَير عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ قَالَ: مِنَ النُّصْرَةِ وَالنَّصِيحَةِ وَالرِّفَادَةِ، وَيُوصَى لَهُ، وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاثُ.
وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ وَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَأَبِي مَالِكٍ، نَحْوُ ذَلِكَ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَت أَيْمَانُكُمْ﴾ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يُعَاقِدُ الرَّجُلَ، أَيُّهُمَا مَاتَ وِرْثَهُ الْآخَرُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَأُولُوا الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائُكُمْ مَعْرُوفًا﴾ [الْأَحْزَابِ: ٦]. يَقُولُ: إِلَّا أَنْ يُوصُوا لِأَوْلِيَائِهِمُ الَّذِينَ عَاقَدُوا وَصِيَّةً فَهُوَ لَهُمْ جَائِزٌ مِنْ ثُلُثِ مَالِ الْمَيِّتِ، وَذَلِكَ هُوَ الْمَعْرُوفُ.
وَهَذَا نَصُّ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ: أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأُولُوا الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائُكُمْ مَعْرُوفًا﴾
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ أَيْ: مِنَ الْمِيرَاثِ. قَالَ: وَعَاقَدَ أَبُو بَكْرٍ مَوْلًى فَوَرِثَهُ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الَّذِينَ كَانُوا يَتَبَنَّوْنَ رِجَالًا غَيْرَ أَبْنَائِهِمْ، يُوَرِّثُونَهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ، فَجَعَلَ لَهُمْ نَصِيبًا فِي الْوَصِيَّةِ، وَرَدَّ الْمِيرَاثَ إِلَى الْمَوَالِي فِي ذِي الرَّحِمِ والعَصبة وَأَبَى اللَّهُ لِلْمُدَّعِينَ مِيرَاثًا مِمَّنِ ادَّعَاهُمْ وَتَبَنَّاهُمْ، وَلَكِنْ جَعَلَ لَهُمْ نَصِيبًا مِنَ الْوَصِيَّةِ. رَوَاهُ ابْنُ جرير.
(١) في ر: "باليوم".
(٢) في ر: "رحمهم".
(٣) صحيح البخاري برقم (٦٧٣٥) وصحيح مسلم برقم (١٦١٥).
وَقَدِ اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ أَيْ: مِنَ النُّصْرَةِ وَالنَّصِيحَةِ وَالْمَعُونَةِ، لَا أَنَّ الْمُرَادَ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ مِنَ الْمِيرَاثِ -حَتَّى تَكُونَ الْآيَةُ مَنْسُوخَةً، وَلَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ حُكْمًا ثُمَّ نُسِخَ، بَلْ إِنَّمَا دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى الْوَفَاءِ بِالْحِلْفِ الْمَعْقُودِ عَلَى النُّصْرَةِ وَالنَّصِيحَةِ فَقَطْ، فَهِيَ مَحْكَمَةٌ لَا مَنْسُوخَةٌ.
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ مِنَ الْحِلْفِ مَا كَانَ عَلَى الْمُنَاصَرَةِ (١) وَالْمُعَاوَنَةِ، وَمِنْهُ مَا كَانَ عَلَى الْإِرْثِ، كَمَا حَكَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ، وَكَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ الْمُهَاجِرِيُّ يَرِثُ الْأَنْصَارِيَّ دُونَ قِرَابَاتِهِ وَذَوِي رَحِمِهِ، حَتَّى نُسِخَ ذَلِكَ، فَكَيْفَ يَقُولُ: إِنَّ هَذِهِ الآية محكمة غير منسوخة (٢) ؟! والله أعلم.
(١) في أ: "المناجزة".
(٢) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في تعليقه على تفسير الطبري (٨/٢٨٨) :"أشكل على ابن كثير هذا الموضع من كلام الطبري، فرواه عنه ثم قال: وفيه نَظَرٌ فَإِنَّ مِنَ الْحِلْفِ مَا كَانَ عَلَى الْمُنَاصَرَةِ وَالْمُعَاوَنَةِ، وَمِنْهُ مَا كَانَ عَلَى الْإِرْثِ كَمَا حَكَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ، وَكَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ الْمُهَاجِرِيُّ يَرِثُ الْأَنْصَارِيَّ دُونَ قِرَابَاتِهِ وَذَوِي رَحِمِهِ، حَتَّى نُسِخَ ذَلِكَ فَكَيْفَ يَقُولُ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مُحْكَمَةٌ غَيْرُ منسوخة، والله أعلم..
وهذا الذي تعجب منه ابن كثير، قد بينه الطبري، وأقام عليه كل مذهبه، في كل ناسخ ومنسوخ، وقد كرره مرات كثيرة في تفسيره، وقد أعاده هنا عند ذكر الناسخ والمنسوخ فقال: إن الآية إذ اختلف في حكمها منسوخ هو أم غير منسوخ، واختلف المختلفون في حكمها، وكان لنفى النسخ عنها وإثبات أنها محكمة وجه صحيح، لم يجز لأحد أن يقضى بأن حكمها منسوخ، إلا بحجة يجب التسليم لها، وقد بين أبو جعفر مرارًا أن الحجة التي يجب التسليم لها هي: ظاهر القرآن، والخبر الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما تأويل ابن عباس أو غيره من الأئمة، فليس حجة في إثبات النسخ في آية، لتأويلها على أنها محكمة وجه صحيح.
فالعجب لابن كثير، حين عجب من أبي جعفر في تأويله وبيانه، ولو أنصف لنقض حجة الطبري في مقالته في الناسخ والمنسوخ، لا أن يحتج عليه ويتعجب منه، لحجة هى منقوضة عند الطبري، قد أفاض في نقضها مرارًا في كتابه هذا، وفي غيرها من كتبه كما قال، رحم الله أبا جعفر، وغفر الله لابن كثير".

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾
أي :﴿وَلِكُلٍّ﴾ من الناس ﴿جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ أي : يتولونه ويتولاهم بالتعزز والنصرة والمعاونة على الأمور. ﴿مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ وهذا يشمل سائر الأقارب من الأصول والفروع والحواشي، هؤلاء الموالي من القرابة.
ثم ذكر نوعا آخر من الموالي فقال :﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي : حالفتموهم بما عقدتم معهم من عقد المحالفة على النصرة والمساعدة والاشتراك بالأموال وغير ذلك. وكل هذا من نعم الله على عباده، حيث كان الموالي يتعاونون بما لا يقدر عليه بعضهم مفردا.
قال تعالى :﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ أي : آتوا الموالي نصيبهم الذي يجب القيام به من النصرة والمعاونة والمساعدة على غير معصية الله. والميراث للأقارب الأدنين من الموالي.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ أي : مطلعا على كل شيء بعلمه لجميع الأمور، وبصره لحركات عباده، وسمعه لجميع أصواتهم.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٣٣} ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾.
أي: ﴿وَلِكُلٍّ﴾ من الناس ﴿جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ أي: يتولونه ويتولاهم بالتعزز والنصرة والمعاونة على الأمور. ﴿مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ﴾ وهذا يشمل سائر الأقارب من الأصول والفروع والحواشي، هؤلاء الموالي من القرابة.
ثم ذكر نوعا آخر من الموالي فقال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: حالفتموهم بما عقدتم معهم من عقد المحالفة على النصرة والمساعدة والاشتراك بالأموال وغير ذلك. وكل هذا من نعم الله على عباده، حيث كان الموالي يتعاونون بما لا يقدر عليه بعضهم مفردا.
قال تعالى: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ أي: آتوا الموالي نصيبهم الذي يجب القيام به من النصرة والمعاونة والمساعدة على غير معصية الله. والميراث للأقارب الأدنين من الموالي.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ أي: مطلعا على كل شيء بعلمه لجميع الأمور، وبصره لحركات عباده، وسمعه لجميع أصواتهم.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٢٢ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري تفسير النسائي — النسائي تفسير ابن المنذر — ابن المنذر تفسير ابن المنذر — ابن المنذر تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني أحكام القرآن — إلكيا الهراسي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري أحكام القرآن — ابن الفرس تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام جهود القرافي في التفسير — القرافي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير سفيان الثوري — عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
مَوَالِيَ
وَرَثَةً.
وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ
مَنْ حَالَفْتُمُوهُمْ عَلَى النُّصْرَةِ.

إعراب الآية ٣٣ من سورة النساء

من كتاب: إعراب القرآن

خطّ في التحريك فتحرّك. ومعنى اجتنبت الشيء تركته جانبا. نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ عطف، ويجوز في غير القرآن النصب على الصرف عند الكوفيين وبإضمار «أن» عند البصريين، ويجوز الرفع بقطعه من الأول. قرأ أبو عمرو وأكثر الكوفيين وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا وهو المصدر، وقرأ أهل المدينة وعاصم وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا «١» بمعنى فتدخلون مدخلا كريما.

[سورة النساء (٤) : آية ٣٢]

وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٣٢)
قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا نهى الله جلّ وعزّ عن الحسد. والعرب تقول: حسد فلان فلانا، إذا تمنّى أن يتحوّل إليه ماله والتقدير ولا تتمنّوا تحويل ما فضّل الله به بعضكم على بعض فإن تمنّى أن يكون له مثل ماله ولا يتحوّل عنه قيل غبطه ولم يقل حسده. وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ وقرأ الكسائي وسلوا «٢» بلا همز ألقى حركة الهمزة على السين. إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً أي قد علم ما لكم فيه الصلاح فلا يحسد بعضكم بعضا.

[سورة النساء (٤) : آية ٣٣]

وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (٣٣)
وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ إذا جاءت «كلّ» مفردة فلا بد من أن يكون في الكلام حذف عند جميع النحويين حتى إنّ بعضهم أجاز: مررت بكلّ يا فتى، مثل «قبل» و «بعد»، وتقدير الحذف ولكلّ أحد جعلنا موالي، وجواب آخر أن يكون ولكلّ شيء مما ترك الوالدان والأقربون جعلنا موالي أي ورّاثا أي أولى بالميراث والذين عاقدت أيمانكم «٣» أي بالحلف، وقرأ حمزة وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ أي بالحلف، وقرأ حمزة. والّذين عقدت أيمانكم وهي قراءة بعيدة لأن المعاقدة لا تكون إلّا من اثنين فصاعدا فبابها فاعل، وقراءة حمزة تجوز على غموض من العربية يكون التقدير فيها والذين عقدتهم أيمانكم الحلف وتعدّى إلى مفعولين والتقدير عقدت لهم أيمانكم الحلف ثم حذف اللام مثل وَإِذا كالُوهُمْ [المطففين: ٣] أي كالوا لهم وحذف المفعول الأول لأنه متصل في الصّلة. فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ فيه قولان: قال الحسن
(١) انظر تيسير الداني ٧٩، وقرأ الباقون بضمّ الميم.
(٢) انظر تيسير الداني ٧٩، والبحر المحيط ٣/ ٢٤٦.
(٣) هي قراءة السبعة سوى حمزة والكوفيين، انظر البحر المحيط ٣/ ٢٤٧.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ٣٣ من سورة النساء

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ الآية [٣٣].
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الفارسي، قال: حدَّثنا محمد بن عبد الله بن حمويه الهَرَوِيّ، قال أخبرنا علي بن محمد الخُزَاعي، قال: حدَّثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، قال: أخبرني شُعَيب بن أبي حمزة، عن الزّهري، قال: قال سعيد بن المسيب.
نزلت هذه الآية: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ في الذين كانوا يَتَبَنَّوْنَ رجالاً غير أبنائهم ويورِّثونهم. فأنزل الله تعالى فيهم أن يُجْعَلَ لهم نَصِيبٌ في الوصية، ورَدَّ اللهُ تعالى الميراثَ إلى الموالي من ذوي الرَّحم والعَصَبَةِ، وأبى أن يجعل لِلْمُدّعَيْنَ ميراثاً ممن ادعاهم وتبناهم، ولكن جعل [لهم] نصيباً في الوصية.

القراءات في الآية ٣٣ من سورة النساء

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ

(عاقَدَتْ أيمانُكمْ) بألف بعد العين وإسكان التاء دون سكت وتحقيق الهمزة وإسكان الميم

قالون عن نافع الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر روح عن يعقوب رويس عن يعقوب

(عاقدت أيمانكمُ) بألف بعد العين وإسكان التاء دون سكت وتحقيق الهمزة وصلة الميم

البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير قالون عن نافع ابن جمّاز عن أبي جعفر ابن وردان عن أبي جعفر

(عَاقَدَتَ يْمانكمْ) بألف بعد العين وفتح التاء وحذف الهمزة وإسكان الميم

ورش عن نافع

(عَقَدتْ أيمانكمْ) بحذف الألف بعد العين والسكت على الساكن قبل الهمزة وبإسكان الميم

خلف عن حمزة

(عَقَدتْ أيمانكمْ) بحذف الألف بعد العين وعدم السكت وإسكان الميم

إدريس عن خلف إسحاق عن خلف الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة خلف عن حمزة حفص عن عاصم شعبة عن عاصم
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ٣٣ من سورة النساء

٤ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٥٨ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير الآية

١٧ قولًا
١
عن عطاء [بن أبي رباح]-من طريق ابن جُرَيْج- قال: هو الحِلْفُ. قال: ﴿فآتوهم نصيبهم﴾، قال: العقلُ، والنصرُ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٦‏/‏٦٨٠. وعلَّقه ابن أبي حاتم ٣‏/‏٩٣٨ مختصرًا.
٢
عن أبي مالك غَزْوان الغفاري -من طريق حصين- ‹والَّذِينَ عاقَدَتْ أيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ›، قال: هو حليف القوم. يقول: أشهِدُوه أمرَكم ومشورتَكم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٣‏/‏٩٣٨ من وجه آخر. وعزاه السيوطي إلى عَبد بن حُمَيد.
٣
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ‹والَّذِينَ عاقَدَتْ أيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ›، قال: أمّا ‹والَّذِينَ عاقَدَتْ أيْمانُكُمْ› فالحلف، كان الرجل في الجاهلية ينزل في القوم، فيُحالِفونه على أنّه منهم، يُواسُونه بأنفسهم، فإذا كان لهم حقٌّ أو قتال كان مثلهم، وإذا كان له حقٌّ أو نصرة خذلوه؛ فلما جاء الإسلام سألوا عنه، وأبى اللهُ إلا أن يُشَدِّده، وقال رسول الله ﷺ: «لم يَزِدِ الإسلامُ الحُلفاءَ إلا شِدَّةً»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٦‏/‏٦٨١. وعلَّقه ابن أبي حاتم ٣‏/‏٩٣٨.
٤
عن سليمان بن مهران الأعمش -من طريق سفيان الثوري- قال: أعطاه أبو بكر السُّدُسَ. يعني: المُعاقِد١
التخريج
  1. ١أخرجه الثوري في تفسيره ص٩٤.
٥
قال مقاتل بن سليمان: ﴿والذين عقدت أيمانكم﴾، كان الرجل يرغب في الرجل، فيُحالِفه ويُعاقِده على أن يكون معه وله من ميراثه كبعض ولده، فلما نزلت هذه الآية آيةُ المواريث ولم يذكر أهل العقد، فأنزل الله عز وجل: ﴿والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾، يقول: أعطوهم الذي سميتم لهم من الميراث، ﴿إن الله كان على كل شيء﴾ من أعمالكم ﴿شهيدا﴾ إن أعطيتم نصيبهم، أو لم تعطوهم١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٣٦٩-٣٧٠.
٦
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ‹والَّذِينَ عاقَدَتْ أيْمانُكُمْ› الذين عقد رسول الله ﷺ، ﴿فآتوهم نصيبهم﴾ إذا لم يأتِ رَحِمٌ يَحُول بينهم. قال: وهو لا يكون اليوم، إنّما كان نفرٌ آخى رسول الله ﷺ بينهم، وانقطع ذلك، ولا يكون هذا لأحد إلا للنبي ﷺ، كان آخى بين المهاجرين والأنصار، واليوم لا يُؤاخى بين أحد١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٦‏/‏٦٧٨-٦٧٩.
٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- ﴿والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾، قال: مِن النصر والنَّصيحة والرِّفادة، ويُوصِي لهم، وقد ذهب الميراث١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٦‏/‏٦٧٩، وابن أبي حاتم ٣‏/‏٩٣٨.
٨
عن سعيد بن جبير -من طريق أبي بشر- قال: كان الرجل يُعاقِد الرجلَ، فيرث كل واحد منهما صاحبه، وكان أبو بكر عاقد رجلًا فوَرِثه١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور (٢٥٨) (٦٢٥ - تفسير)، وعبد بن حميد كما في قطعة من تفسيره ص٨٨، وابن جرير ٦‏/‏٦٧٥، وابن المنذر (١٧٠٠).
٩
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- قوله: ﴿فآتوهم نصيبهم﴾ من الميراث١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٣‏/‏٩٣٩.
١٠
عن سعيد بن جبير، في قوله: ﴿فآتوهم نصيبهم﴾، قال: مِن العون، والنُّصْرَة١
التخريج
  1. ١أخرجه النحاس في ناسخه (ت: اللاحم) ٢‏/‏٢٠٥.
١١
قال إبراهيم النخعي: أراد: فآتوهم نصيبَهم مِن النصر، والرَّفد، ولا ميراث١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٣‏/‏٣٠١، وتفسير البغوي ٢‏/‏٢٠٦.
١٢
عن سعيد بن جبير -من طريق سالم-: ‹والَّذِينَ عاقَدَتْ أيْمانُكُمْ›، قال: هم الحلفاء١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٦‏/‏٦٨١. وعلَّقه ابن أبي حاتم ٣‏/‏٩٣٨.
١٣
عن مجاهد بن جبر -من طريق منصور- ‹والَّذِينَ عاقَدَتْ أيْمانُكُمْ› قال: الحلفاء، ﴿فآتوهم نصيبهم﴾ قال: مِن العَقْل، والنصر، والرِّفادة١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور (٢٦٠) (٦٢٦- تفسير)، وابن جرير ٦‏/‏٦٧٩-٦٨٠، والنحاس ص٣٤٤. وعزاه السيوطي إلى الفريابي، وعَبد بن حُمَيد. وعلَّق ابن أبي حاتم ٣‏/‏٩٣٨ أوله.
١٤
عن مجاهد بن جبر -من طريق سفيان، عن رجل- ﴿والذين عاقدت أيمانكم﴾، قال: حِلْفٌ كان في الجاهلية، فأُمروا في الإسلام أن يعطوهم نصيبهم مِن المشورة والعقل والنصر، ولا ميراث١
التخريج
  1. ١أخرجه الثوري في تفسيره ص٩٤.
١٥
عن مجاهد بن جبر -من طريق منصور- ﴿فآتوهم نصيبهم﴾، قال: مِن النصر، والمشورة، والعقل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٣‏/‏٩٣٨، والنحاس في ناسخه (ت: اللاحم) ٢‏/‏٢٠٤ بنحوه.
١٦
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق جابر- قال: هذا حِلْفٌ كان في الجاهلية، كان الرجلُ يقول للرجل: ترِثُني وأرِثُك، وتنصرني وأنصرك، وتعقل عني وأعقل عنك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٦‏/‏٦٧٧. وعلَّقه ابن أبي حاتم ٣‏/‏٩٣٨.
١٧
عن سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وأبي صالح باذام، وعامر الشعبي، وسليمان بن يسار، والضحاك بن مزاحم، وقتادة بن دعامة، ومقاتل بن حيان، قالوا: هم الحلفاء١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ٣/ ٩٣٨.

آثار متعلقة بالآية

٧ أقوال
١
عن عبد الرحمن بن عوف، أنّ رسول الله ﷺ قال: «شهِدتُ حِلْف المُطَيَّبِين وأنا غلام مع عمومتي، فما أُحِبُّ أنّ لي حمر النعم وأنِّي أنكثه»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٣‏/‏١٩٣ (١٦٥٥)، ٣‏/‏٢١٠ (١٦٧٦)، وابن حبان ١٠‏/‏٢١٦ (٤٣٧٣)، والحاكم ٢‏/‏٢٣٩ (٢٨٧٠)، وابن جرير ٦‏/‏٦٨٤. وأورده الثعلبي ٣‏/‏٣٠١. قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه». وقال الذهبي في التلخيص: «صحيح». وقال البزار في مسنده ٣‏/‏٢١٣-٢١٤ (١٠٠٠): «هذا الحديث لا نعلم رواه إلا عبد الرحمن بن عوف، وقد روي عن عبد الرحمن بن عوف من غير وجه، وهذا الإسناد أحسن إسنادًا يروى في ذلك عن عبد الرحمن بن عوف، ولا روى جبير عن عبد الرحمن إلا هذا الحديث. جابر بن عبد الله عن عبد الرحمن بن عوف». وقال ابن أبي خيثمة في تاريخه السفر الثالث ١‏/‏٢٢١ (٦٥٠): «سمعت يحيى بن معين يقول: عبد الرحمن بن إسحاق المدني: كان ينزل البصرة، وكان إسماعيل بن علية يرضاه». وقال الهيثمي في المجمع ٨‏/‏١٧٢ (١٣٥٨٢): «رواه أحمد، وأبو يعلى، والبزار، ورجال حديث عبد الرحمن بن عوف رجال الصحيح، وكذلك مرسل الزهري». وقال المناوي في فيض القدير ٤‏/‏١٦٤ (٤٩٠٠): «فيه عبد الرحمن بن إسحاق، وفيه كلام معروف». وقال ابن القيسراني في ذخيرة الحفاظ ٣‏/‏١٥٠٧ (٣٣٣٠): «عبد الرحمن اختلف المزكون فيه هل هو حجة أو غيره؟ ومجموع عباراتهم: أنه صالح الحديث، منهم من قال: ثقة. ومنهم من قال: مقبول. وقال أحمد بن حنبل: أحاديثه مناكير. وروى إسماعيل بن علية وبشر بن المفضل، عن عبد الرحمن هكذا. ورواه خالد الواسطي عنه، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن عبد الرحمن بن عوف، ولم يذكر أباه». وأورده الألباني في الصحيحة ٤‏/‏٥٢٤ (١٩٠٠).
٢
عن جُبَيْر بن مُطْعِم، أنّ النبي ﷺ قال: «لا حِلْفَ في الإسلام، وأيُّما حِلْفٍ كان في الجاهلية فلم يَزِدْه الإسلامُ إلا شِدَّةً»١٢
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم ٤‏/‏١٩٦١ (٢٥٣٠)، وابن جرير ٦‏/‏٦٨٤.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّقَ ابنُ كثير (٤/١٨) على هذا الحديث وما ماثله بقوله: «هذا نصٌّ في الردِّ على مَن ذهب إلى التوارث بالحَلِف اليوم».
٣
عن عبد الله بن عمرو، أنّ رسول الله ﷺ قال يوم الفتح: «فُوا بحِلْف الجاهلية؛ فإنّه لا يزيده الإسلامُ إلا شِدَّةً، ولا تُحْدِثُوا حِلْفًا في الإسلام»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ١١‏/‏٥٢٥-٥٢٦ (٦٩٣٣) مطولًا، ١١‏/‏٥٦٩ (٦٩٩٢)، والترمذي ٣‏/‏٤١١ (١٦٧٦)، وابن جرير ٦‏/‏٦٨٤، وعبد بن حميد كما في قطعة من تفسيره ص٨٨ (٢٧٢). وأورده الثعلبي ٣‏/‏٣٠١. قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح».
٤
عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، قال: لَمّا دخل رسول الله ﷺ مكةَ عام الفتح قام خطيبًا في الناس، فقال: «يا أيها الناس، ما كان مِن حِلْفٍ في الجاهلية فإنّ الإسلام لم يَزِدْهُ إلا شِدَّةً، ولا حِلْفَ في الإسلام»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ١١‏/‏٥١٥-٥١٦ (٦٩١٧)، ١١‏/‏٢٨٨ (٦٦٩٢)، ١١‏/‏٥٨٧ (٧٠١٢)، وابن خزيمة ٤‏/‏٤٢-٤٣ (٢٢٨٠)، وابن جرير ٦‏/‏٦٨٥. وصحَّحه ابن جرير في تفسيره ٦‏/‏٦٨٥.
٥
عن عبد الله بن عباس يرفعه إلى النبي ﷺ: «كُلُّ حِلْفٍ كان في الجاهلية لم يزِدْهُ الإسلامُ إلا جِدَّةً وشِدَّةً»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٥‏/‏٨٠ (٢٩٠٩)، والدارمي ٢‏/‏٣١٦ (٢٥٢٦)، وابن حبان ١٠‏/‏٢١٣ (٤٣٧٠)، وابن جرير ٦‏/‏٦٨٢-٦٨٣، وعبد بن حميد كما في قطعة من تفسيره ص٨٨ (٢٧١). وصحَّحه ابن جرير في تفسيره ٦‏/‏٦٨٥.
٦
عن عبد الله بن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: «ألحقوا المال بالفرائض، فما أبقت الفرائضُ فأول رَحِمٍ ذَكَرٍ»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن حبان ١٣‏/‏٣٨٧ (٦٠٢٨)، ١٣‏/‏٣٨٩ (٦٠٢٩)، ١٣‏/‏٣٩٠ (٦٠٣٠)، والحاكم ٤‏/‏٣٧٥-٣٧٦ (٧٩٧٣). وأورده يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏٣٦٥-٣٦٦- واللفظ له. قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد». وقال البيهقي في السنن الكبرى ٦‏/‏٣٩١ (١٢٣٧١): «وفي رواية موسى: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأَوْلى رجل ذكر». رواه البخاري في الصحيح عن موسى بن إسماعيل، ورواه مسلم عن عبد الأعلى بن حماد».
٧
عن الزهري، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا حِلْفَ في الإسلام، وتَمَسَّكُوا بحِلْفِ الجاهلية»١٢
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق (٢٠٩٣٥). وعزاه السيوطي إلى عَبد بن حُمَيد.
تعليقات المحققين
  1. ٢أفادت الآثار الاختلاف في نزول هذه الآية، ونسخها، والمراد بالمعاقدة وبالنصيب المذكورين فيها، على خمسة أقوال: أولها: أنّ حلفهم في الجاهلية كانوا يتوارثون به في الإسلام، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى في الأنفال: ﴿وأُولُوا الأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أوْلى بِبَعْضٍ﴾. وهذا قول ابن عباس، وعكرمة، وقتادة. وثانيها: أنها نزلت في الذين آخى بينهم النبي ﷺ من المهاجرين والأنصار، فكان بعضهم يرث بعضًا بتلك المؤاخاة بهذه الآية، ثم نسخها ما تقدم من قوله تعالى: ﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانَ والأَقْرَبُونَ﴾. وهذا قول ابن عباس من طريق سعيد بن جبير، وابن زيد. وثالثها: أنها نزلت في أهل العقد بالحلف، ولكنهم أُمِرُوا أن يؤتوا بعضهم بعضًا من النصرة والنصيحة والمشورة والوصية دون الميراث. وهذا قول مجاهد، وعطاء، والسدّي. ورابعها: أنّها نزلت في الذين كانوا يَتَبَنَّوْن أبناء غيرهم في الجاهلية، فَأُمِرُوا في الإسلام أن يُوصُوا لهم عند الموت بوصية. وهذا قول سعيد بن المسيب. وخامسها: أنّها نزلت في قومٍ جعل لهم نصيب من الوصية، ثم هلكوا، فذهب نصيبهم بهلاكهم، فَأُمِرُوا أن يدفعوا نصيبهم إلى ورثتهم. وهذا قولٌ للحسن البصري. ورجَّحَ ابنُ جرير (٦/٦٨٢)، وابنُ عطية (٢/٥٣٩) أنّ الآية نزلت في أهل العقد بالحلف، وانتَقَدا الأقوالَ الأخرى استنادًا إلى مخالفتها ظاهر الآية، وأحوال النزول، فقال ابنُ عطية: «لفظة المعاقدة والأيمان ترجح أنّ المرادَ: الأحلاف؛ لأنّ ما ذكر من غير الأحلاف ليس في جميعه معاقدة ولا أيمان». وقال ابنُ جرير: «وذلك أنّه معلومٌ عند جميع أهل العلم بأيام العرب وأخبارها أنّ عقد الحلف بينها كان يكون بالأيمان والعهود والمواثيق». وذَهَبَ ابنُ كثير (٤/١٠) إلى ذلك أيضًا. ورجَّحَ ابنُ جرير (٦/٦٨٢-٦٨٦ بتصرف) القولَ الثالثَ، وهو أنّ الآية محكمة، والمراد بالنصيب فيها: النصرة والنصيحة والوصية دون الميراث، مستندًا إلى السُّنَّة، وعدم الدليل على النسخ، فقال: «وذلك لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «لا حِلْف في الإسلام، وما كان من حِلْف في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة». فإذ كان ما ذكرنا عن رسول الله ﷺ صحيحًا، وكانت الآية إذا اختُلِف في حكمها منسوخ هو أم غير منسوخ؛ غير جائز القضاء عليه بأنه منسوخ -مع اختلاف المختلفين فيه، ولوجوب حكمها، ونفي النسخ عنه وجه صحيح- إلا بحجة يجب التسليم لها». ورجَّحَ ابن كثير (٤/٢٠) القولَ الأولَ، وهو أنّ الآية منسوخة، والمراد بالنصيب فيها: الميراث. واسْتَدْرَكَ على ابن جرير مستندًا إلى بعض آثار السلف، فقال: «هذا الذي قاله فيه نظر؛ فإنّ من الحِلْف ما كان على المناصرة والمعاونة، ومنه ما كان على الإرث، كما حكاه غير واحد من السلف، وكما قال ابن عباس: كان المهاجري يرِثُ الأنصاريَّ دون قراباته وذوي رحمه، حتى نسخ ذلك، فكيف يقول: إن هذه الآية محكمة غير منسوخة؟!».

نزول الآية، والنسخ فيها

١٩ قولًا
١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم﴾، كان الرجل يَرْغَبُ في الرجل، فيُحالِفه، ويُعاقِده على أن يكون معه وله من ميراثه كبعض ولده، فلمّا نزلت هذه الآيةُ آيةُ المواريث، ولم يذكر أهل العقد، فأنزل الله عز وجل: ﴿والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾ يقول: أعطوهم الذي سميتم لهم من الميراث ﴿إن الله كان على كل شيء﴾ من أعمالكم ﴿شهيدا﴾ إن أعطيتم نصيبهم، أو لم تعطوهم، فلم يأخذ هذا الرجلُ شيئًا حتى نزلت: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ [الأحزاب:٦]، فنسخت هذه الآية: ﴿والذين عقدت أيمانكم﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٣٦٩-٣٧٠.
٢
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أنزلت هذه الآية في الذين آخى بينهم رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار حين قدِموا المدينة، وكانوا يتوارثون بتلك المُؤاخاة، ثم نسخ الله ذلك بالفرائض١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٣‏/‏٣٠١.
٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير-: ‹والَّذِينَ عاقَدَتْ أيْمانُكُمْ›، قال:كان المهاجرون لَمّا قدِموا المدينة يَرِثُ المهاجرُ الأنصاريَّ دون ذَوِي رَحِمِه؛ لِلأُخُوَّةِ التي آخى النبي ﷺ بينهم، فلما نزلت: ﴿ولكل جعلنا موالي﴾ نُسِخت. ثم قال: ‹والَّذِينَ عاقَدَتْ أيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ› مِن النصر، والرِّفادة، والنصيحة، وقد ذهب الميراث، ويُوصِي له١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٣‏/‏٩٥ (٢٢٩٢)، ٦‏/‏٤٤ (٤٥٨٠)، ٨‏/‏١٥٣ (٦٧٤٧)، وابن جرير ٦‏/‏٦٧٨-٦٧٩، وابن المنذر ٢‏/‏٦٨٢ (١٦٩٤)، وابن أبي حاتم ٣‏/‏٩٣٧ (٥٢٣٦).
٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطاء الخراساني- في قوله: ‹والَّذِينَ عاقَدَتْ أيْمانُكُمْ›. قال:كان الرجلُ قبل الإسلام يُعاقِدُ الرجلَ، يقول: ترثني وأرثك. وكان الأحياء يتحالفون، فقال رسول الله ﷺ: «كُلُّ حِلْفٍ كان في الجاهلية أو عقدٍ أدركه الإسلام؛ فلا يزيده الإسلام إلا شدة، ولا عقد ولا حلف في الإسلام». فنسختها هذه الآية: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾ [الأنفال:٧٥]١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن سلام في الناسخ والمنسوخ ص٢٢٦ (٤١٤)، وابن الجوزي في نواسخ القرآن ٢‏/‏٣٦٧ بنحوه، وابن المنذر ٢‏/‏٦٨١ (١٦٨٩)، وابن أبي حاتم ٣‏/‏٩٣٧-٩٣٨ (٥٢٣٧) واللفظ له. وعطاء بن أبي مسلم الخراساني قال عنه ابن حجر في التقريب (٤٦٣٣): «صدوق، يهم كثيرًا، ويُرْسِل، ويُدَلِّس». ولم يسمع من ابن عباس شيئًا كما في مراسيل ابن أبي حاتم ص١٥٦، وتحفة التحصيل ص٢٣٨.
٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- في قوله: ‹والَّذِينَ عاقَدَتْ أيْمانُكُمْ›. قال: كان الرجل يُحالِف الرجل، ليس بينهما نسبٌ، فيرِث أحدُهما الآخرَ، فنسخ ذلك في الأنفال، فقال: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو داود ٤‏/‏٥٤٦ (٢٩٢١)، والحاكم ٤‏/‏٣٨٤ (٨٠١١). قال الشوكاني في نيل الأوطار ٦‏/‏١٨٣: «في إسناده علي بن الحسين بن واقد، وفيه مقال».
٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- قال: وقوله -جلَّ وعزَّ-: ﴿والذين عقدت أيمانكم فأتوهم نصيبهم﴾، كان الرجل يُعاقِد الرجلُ، أيهما مات قبل صاحبه ورِثه الآخر. فأنزل الله عز وجل: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا﴾ [الأحزاب:٦]، قال: يقول: يوصي له وصيةً، فهي جائزة من ثلث مال الميت، فذلك المعروف١
التخريج
  1. ١أخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ ص٣٣٣-٣٣٤، والقاسم بن سلام في الناسخ والمنسوخ ١‏/‏٢٢٦-٢٢٧ (٤١٤) بنحوه، وابن جرير ٦‏/‏٦٧٦، وابن المنذر ٢‏/‏٦٨٠ (١٦٨٨) مختصرًا، ٢‏/‏٦٨٣ (١٦٩٦).
٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- في الآية، قال: كان الرجلُ في الجاهلية قد كان يلحق به الرجل، فيكون تابعه، فإذا مات الرجلُ صار لأهله وأقاربه الميراث، وبقي تابعًا ليس له شيء، فأنزل الله: ﴿والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾. فكان يعطي من ميراثه، فأنزل الله بعد ذلك: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٦‏/‏٦٧٧-٦٧٨، وابن الجوزي في نواسخ القرآن ٢‏/‏٣٦٩. قال ابن حجر في الفتح ١٢‏/‏٣٠: «والعوفي ضعيف».
٨
عن سعيد بن المسيب -من طريق الزهري- قال: إنّما أُنزِلت هذه الآية في الحُلَفاء، والذين كانوا يَتَبَنَّوْن رجالًا غير أبنائهم، ويُوَرِّثونهم، فأنزل الله فيهم، فجعل لهم نصيبًا في الوصية، ورَدَّ الميراث إلى الموالي في ذي الرَّحِم والعصبة، وأبى اللهُ للمُدَّعِين ميراثًا مِمَّن ادعاهم وتبنّاهم، ولكن الله جعل لهم نصيبًا في الوصية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٦‏/‏٦٨١-٦٨٢، والنحاس ص٣٣٢.
٩
عن الضحاك بن مزاحم -من طريق عبيد بن سليمان- يقول في قوله: ‹والَّذِينَ عاقَدَتْ أيْمانُكُمْ› كان الرجل يتبع الرجل فيُعاقِده: إن متُّ فلك مثلُ ما يَرِثُ بعضُ ولدي. وهذا منسوخ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٦‏/‏٦٧٧.
١٠
قال الضَّحاك بن مُزاحِم: كانوا يتحالفون ويتعاقدون على النصر والوراثة، فإذا مات أحدُهم قبل صاحبه كان له مثلُ نصيب ابنه، فنسخ ذلك بالمواريث١
التخريج
  1. ١علَّقه النحاس في ناسخه ٢‏/‏٢٠٣.
١١
عن عكرمة مولى ابن عباس، والحسن البصري -من طريق يزيد النحوي- في قوله: «والَّذِينَ عاقَدَتْ أيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا»، قال: كان الرجل يُحالِف الرجل، ليس بينهما نسب، فيرِث أحدهما الآخر، فنسخ الله ذلك في الأنفال، فقال: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٦/ ٦٧٥.
١٢
عن الحسن البصري: فكانوا يُعْطَون سُدُسًا قبل أن تنزل الفرائض١
التخريج
  1. ١قطعة من تفسير عبد بن حميد ص٨٨.
١٣
عن الحسن البصري -من طريق أشْعَث- ﴿والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾، قال: كان الرجل يُعاقِدُ الرجل على أنهما إذا مات أحدُهما ورِثه الآخر، فنسختها آية المواريث١
التخريج
  1. ١أخرجه النحاس في ناسخه ٢‏/‏٢٠٣.
١٤
عن أبي مالك غَزْوان الغِفارِيِّ -من طريق السدي- قال: كان الرجل في الجاهلية يأتي القوم، فيعقِدون له أنّه رجل منهم، إن كان ضرًّا أو نفعًا أو دمًا فإنّه فيهم مثلهم، ويأخذون له من أنفسهم مثل الذي يأخذون منه، فكانوا إذا كان قتال قالوا: يا فلان، أنت مِنّا؛ فانصرنا. وإن كانت منفعة قالوا: أعطِنا؛ أنت مِنّا. ولم ينصروه كنصرة بعضهم بعضًا إن استنصر، وإن نزل به أمرٌ أعطاه بعضُهم ومنعه بعضهم، ولم يعطوه مثل الذين يأخذون منه، فأتوا النبي ﷺ، فسألوه، وتحرَّجوا من ذلك، وقالوا: قد عاقدناهم في الجاهلية. فأنزل الله: ‹والَّذِينَ عاقَدَتْ أيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ›. قال: أعطُوهم مثل الذي تأخذون منهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٣‏/‏٩٣٩. وعزاه السيوطي إلى عَبد بن حُمَيد.
١٥
عن قتادة بن دِعامة -من طريق هَمّام بن يحيى- في الآية، قال: كان الرجلُ يُعاقِد الرجلَ في الجاهلية، فيقول: دمي دمُك، وهدمي هدمُك، وترِثُني وأرِثُك، وتطلب بي وأطلب بك. فجعل له السُّدُس من جميع المال في الإسلام، ثم يقسم أهل الميراث ميراثهم، فنسخ ذلك بعدُ في سورة الأنفال، فقال: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شئ عليم﴾. فقذف ما كان من عهد يتوارث به، وصارت المواريث لذوي الأرحام١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏١٥٧، ويحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏٣٦٦-، وعبد بن حميد كما في قطعة من تفسيره ص٨٧، وابن جرير ٦‏/‏٦٧٦.
١٦
قال قتادة بن دِعامة: كان يقول: ترِثُني وأرِثُك، وتعقل عني وأعقل عنك. فنسخها: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾١
التخريج
  1. ١علَّقه النحاس في ناسخه ٢‏/‏٢٠٣.
١٧
قال محمد ابن شهاب الزهري: وقال تعالى: ﴿والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾، قيل: إنّ الرجلَ -أولَ ما نزل رسول الله ﷺ المدينةَ- يُحالِفُ الرجلَ: إنّك ترِثُني وأرِثُك. فنسخها الله عز وجل بقوله: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم﴾ [الأنفال:٧٥]١
التخريج
  1. ١الناسخ والمنسوخ للزهري ص٢٣.
١٨
عن زيد بن أسلم -من طريق القاسم بن عبد الله بن عمر بن حفص- أنّه قال: ﴿والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾، كان الرجل يُحالِف الرجل، يقول: ترِثُني أرِثك. فنسخ ذلك في سورة الأنفال: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم (٧٥)﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع - تفسير القرآن ٣‏/‏٦٩-٧٠ (١٥٦).
١٩
قال أبو رَوْق عطية بن الحارث الهمداني: نزل قوله: ﴿ولكل جعلنا موالى﴾ الآية في أبي بكر الصديق، وابنه عبد الرحمن، وكان حلف ألا ينفعه ولا يورثه شيئًا من ماله، فلمّا أسلم عبدُ الرحمن أمر أن يُؤْتى نصيبه من المال١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٣‏/‏٣٠١-٣٠٢.

قراءات

٣ أقوال
١
عن عاصم بن أبي النجود أنّه قرأ: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ﴾ خفيفةً، بغير ألف١٢
التخريج
  1. ١أخرجه عَبد بن حُمَيد كما في قطعة من تفسيره ص٨٧.
تعليقات المحققين
  1. ٢قُرِئَ قوله تعالى: ﴿عقدت﴾ بالألف، وبغير ألف، فأما قراءة ‹عاقَدَتْ› بالألف فمعناها: والذين عاقدت أيمانكم وأيمانهم الحلف بينكم وبينهم. وأما قراءة ﴿عقدت﴾ خفيفة بغير ألف فمعناها: والذين عقدت أيمانكم الحلف بينكم وبينهم. وقدَّمَ ابن جرير (٦/٦٧٣-٦٧٤بتصرف) قراءة ﴿عقدت﴾؛ لدلالة المعنى الراجح للآية، وقال: «والذي نقول به في ذلك أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في قَرَأَة أمصار المسلمين بمعنى واحد، وفي دلالة قوله: ﴿أيمانكم﴾ على أنها أيمان العاقدين والمعقود عليهم الحلف، مستغنًى عن الدلالة على ذلك بقراءة قوله: ﴿عقدت﴾، ‹عاقَدَتْ›. فهما متقاربان في المعنى، وإن كانت قراءة من قرأ ذلك: ﴿عقدت أيمانكم﴾ بغير ألف أصحّ معنى من قراءة من قرأه: ﴿عاقدت﴾؛ للذي ذكرنا من الدلالة على المعني في صفة الأيمان بالعقد على أنها أيمان الفريقين من الدلالة على ذلك بغيره».
٢
عن داود بن الحصين، قال: كنت أقرأ على أُمِّ سعد ابنة الربيع، وكانت يتيمةً في حِجْر أبي بكر، فقرأت عليها: ‹والَّذِينَ عاقَدَتْ أيْمانُكُمْ›. فقالت: لا، ولكن: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكُمْ﴾، إنما نزلت في أبي بكر وابنه عبد الرحمن حين أبى أن يسلم، فحلف أبو بكر لا يُوَرِّثُه، فلما أسلم أمره الله أن يُوَرِّثَه نصيبَه١٢
التخريج
  1. ١أخرجه أبو داود (٢٩٢٣)، وابن أبي حاتم ٣‏/‏٩٣٨. ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكُمْ﴾ قراءة متواترة، قرأ بها حمزة، والكسائي، وعاصم، وخلف العاشر، وقرأ بقية العشرة ‹والَّذِينَ عاقَدَتْ أيْمانُكُمْ›. انظر: النشر ٢‏/‏٢٤٩، والإتحاف ص٢٤٠.
تعليقات المحققين
  1. ٢اسْتَدْرَكَ ابنُ كثير (٤/١٧-١٨ بتصرف) على هذا القول مستندًا إلى أحوال النزول، فقال: «هذا قول غريب، والصحيح أنّ هذا كان في ابتداء الإسلام يتوارثون بالحلف، ثم نسخ، وبقي تأثير الحلف بعد ذلك، وإن كانوا قد أمروا أن يوفوا بالعقود والعهود، والحلف الذي كانوا قد تعاقدوه قبل ذلك».
٣
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- أنّه كان يقرأ: ‹عاقَدَتْ أيْمانُكُمْ›١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور (٦٢٧-تفسير).

تفسير

١٢ قولًا
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- ﴿ولكل جعلنا موالي﴾، قال: ورَثَة١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري (٤٥٨٠، ٦٧٤٧)، وأبو داود (٢٩٢٢)، والنسائي في الكبرى (٦٤١٧، ١١١٠٣)، وابن جرير ٦‏/‏٦٧١، وابن المنذر ٢‏/‏٦٧٨، وابن أبي حاتم ٣‏/‏٩٣٧، والنحاس ص٣٣١، والحاكم ٢‏/‏٣٠٦، والبيهقي في سُنَنِه ١٠‏/‏٢٩٦.
٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- قوله: ﴿ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون﴾، قال: الموالي: العصبة. يعني: الورثة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٣‏/‏٩٣٧.
٣
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- قوله: ﴿مما ترك الوالدان والأقربون﴾، يعني: من الميراث١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٣‏/‏٩٣٧.
٤
عن مجاهد بن جبر -من طريق منصور- ﴿ولكل جعلنا موالي﴾، قال: العصبة١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور (٦٢٦- تفسير) (٢٦٠)، وابن جرير ٦‏/‏٦٧٢، والنحاس ص٣٤٤. وعلَّقه ابن المنذر ٢‏/‏٦٧٨. وعزاه السيوطي إلى الفريابي، وعَبد بن حُمَيد.
٥
وعن أبي صالح باذام، والضحاك بن مزاحم، ومقاتل بن حيان، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ٣/ ٩٣٧.
٦
عن ابن جُرَيْج، في قوله: ﴿ولكل جعلنا موالي مما ترك﴾، قال: كتب عمر بن عبد العزيز كتابًا، فقُرِئ على الناس، الموالي ثلاثة: مولى رَحِمٍ، ومولى حِلْفٍ، ومولى ولاءٍ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن المنذر ٢‏/‏٦٧٩.
٧
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- ﴿ولكل جعلنا موالي﴾، قال: عَصَبَة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٦‏/‏٦٧٢. وعلَّقه ابن أبي حاتم ٣‏/‏٩٣٧.
٨
عن قتادة بن دِعامة -من طريق معمر- ﴿ولكل جعلنا موالي﴾، قال: الموالي: أولياء الأب، أو الأخ، أو ابن الأخ، أو غيرهما من العصبة١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏١٥٦، وابن جرير ٦‏/‏٦٧٢.
٩
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿ولكل جعلنا موالي﴾، قال: أما ﴿موالي﴾ فهم أهل الميراث١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٦‏/‏٦٧٢. وعلَّقه ابن أبي حاتم ٣‏/‏٩٣٧.
١٠
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولكل جعلنا موالي﴾، يعني: العصبة؛ بني العم والقُرْبى١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٣٦٩-٣٧٠.
١١
عن مقاتل بن حيّان -من طريق بُكَيْر بن معروف- في قوله -جلَّ وعزَّ-: ﴿ولكل جعلنا موالي﴾، يعني: بني العم والقربى١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن المنذر ٢‏/‏٦٧٩.
١٢
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿ولكل جعلنا موالي﴾، قال: الموالي: العصبة، هم كانوا في الجاهلية الموالي، فلما دخلت العجمُ على العرب لم يجدوا لهم اسمًا، فقال الله تبارك وتعالى: ﴿فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم﴾ [الأحزاب:٥]، فسُمُّوا: الموالي. قال: والمولى اليوم موليان: مولًى يَرِث ويُورَث فهؤلاء ذوو الأرحام، ومولًى يُورَث ولا يَرِث فهؤلاء العَتاقَة١. وقال: ألا ترون قول زكرياء: ﴿وإني خفت الموالي من ورائي﴾ [مريم:٥]؟! فالموالي ههنا: الورثة٢٣
التخريج
  1. ١فهؤلاء العتاقة: يعني: فهؤلاء موالي العتاقة، وهم من خرجوا عن الرق. القاموس (عتق).
  2. ٢أخرجه ابن جرير ٦‏/‏٦٧٢، وأورده السيوطي مختصرًا.
تعليقات المحققين
  1. ٣بَيَّن ابنُ جرير (٦/٦٦٣) معنى الآية مستندًا إلى لغة العرب، وأقوال السلف، فقال: «ولكلكم أيها الناس جعلنا موالي. يقول: ورثة من بني عمه، وإخوته، وسائر عصبته غيرهم. والعرب تسمي ابن العم: المولى». واختار ابنُ عطية (٢/٥٣٧) معنى الورثة؛ لأنّه أعمّ في المعنى، فقال: «المولى في كلام العرب لفظةٌ يشترك فيها القريب القرابة، والصديق، والحليف، والمعتِق، والمعتَق، والوارث، والعبد فيما حكى ابن سيده، ويحسن هنا من هذا الاشتراك الورثة؛ لأنها تصلح على تأويل: ولكل أحد، وعلى تأويل: ولكل شيء، وبذلك فسر قتادة والسدي وابن عباس وغيرهم أنّ الموالي: العصبةُ والورثةُ».
التفسير بالمأثور لسورة النساء كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٣٣ من سورة النساء

٣ وقفات في هذه الآية

  • مجـالــس في تدبـر القـرآن

    — خالد السبت

  • جاءت عقود كثيرة في سورة النساء منها : - وآتوا النساء صدقاتهن نحلة .. - والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم - واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا - يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ... ثم قال جلّ شأنه في مستهل سورة المائدة ( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ) تناسب بديع !

    — صالح التركي / من لطائف القرآن

  • برنامج لمسات بيانية سورة النساء آية 33

    — فاضل السامرائي

الناسخ والمنسوخ في الآية ٣٣ من سورة النساء

من كتاب: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه

﴿ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَٰلِيَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَٰنُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً ﴾

قوله تعالى: ﴿والَّ‍ذِينَ عاقَدَتْ أَيمَانُكُم فآتوهُم نَصيبَهُم﴾ الآية.
قال ابنُ عباس في معنى هذه الآية: كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرثونَ الأنصارَ دون ذوي الأرحام منهم؛ لِْلأُخُوَّةِ والصداقة التي بينهم، فهو كَقولِه: ﴿فَآتُوهُمْ نصيبَهُمْ﴾[النساء: ٣٣]، أُمروا بإتمام ما عقدوا بينهم. ثم نسخ الله ذلك بآية المواريث، وبقوله: ﴿وَأُولوا الأرحامِ بَعْضُهُمْ أولى ببعض﴾ [الأنفال: ٧٥].
وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: كانوا يتوارثونَ بالأُخْوَّةِ التي آخى بينهم النبي - عليه السلام - حتى نَزَلَت: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون﴾ [النساء: ٣٣] أي عصبة، فَنَسَخَتْ ما كانوا عليه من التوارثُ بالأخوة والصداقة - وهو قولُ ابن جبير ومجاهد وقتادة - فيكون معنى: قوله تعالى: ﴿والذينَ عاقَدَت أيمانُكُم فآتوهم نصيبَهُم﴾ [النساء: ٣٣] - على هذا القول -أي (وَفُّوا لهم) ما عقدتم عليه من التوارث. ثم نسخ ذلك بالمواريث وبآخر الأنفال.
وقيل: الآيةُ محكمةٌ غيرُ منسوخةٍ، ومعناه: وَفُّوا لهم بما قد عاقدتموهم عليه من النصر والمعونة والرِّفْد.
وعن ابن عباس أنه قال: كان الرجلان يتعاقدان ويتحالفان أنهما من مات قَبْلَ صاحبه وَرِثَه الباقي منهما، فهو قوله: ﴿فآتوهُم نصيبَهُم﴾ [النساء: ٣٣]، أي أوفوا لهم بما عاقدتُموهم عليه. فنسخ ذلك بقوله: ﴿وأُولوا الأَرْحَامِ بعضُهُم أَوْلَى بِبَعْض﴾ [الأنفال: ٧٥].
قال ابن المسيّب: إنما نزلت هذه الآيةُ في الذين يَتَبَنَّوْنَ غيرَ أبنائهم ويورثونهم فنسخ الله ذلك بقوله: ﴿وأُولوا الأَرْحَامِ بعضُهُم أَوْلَى بِبَعْض﴾

ترجمات معاني الآية ٣٣ من سورة النساء

ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً

(33) And for all, We have made heirs to what is left by parents and relatives. And to those whom your oaths have bound [to you] - give them their share.[181] Indeed Allāh is ever, over all things, a Witness.
[181]- By bequest, as only those relatives mentioned in verses 11 and 12 inherit fixed shares.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال