تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور
عن الكتاب
استئناف ابتدائي لذكر تشريع في حقوق الرجال وحقوق النساء والمجتمع العائلي. وقد ذُكر عقب ما قبلَه لمناسبة الأحكام الراجعة إلى نظام العائلة، لا سيما أحكام النساء، فقوله :﴿الرجال قوامون على النساء﴾ أصل تشريعي كُلِّيّ تتفرّع عنه الأحكام التي في الآيات بعده، فهو كالمقدّمة.
وقوله :﴿فالصالحات﴾ تفريع عنه مع مناسبته لما ذكر من سبب نزول ﴿ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض﴾ [النساء: ٣٢] فيما تقدّم.
والحكم الذي في هذه الآية حكم عامّ جيء به لتعليل شرع خاصّ.
فلذلك فالتعريف في ﴿الرجال﴾ و﴿النساء﴾ للاستغراق، وهو استغراق عرفي مبني على النظر إلى الحقيقة، كالتعريف في قول الناس « الرجل خير من المرأة »، يؤول إلى الاستغراق العرفي، لأنّ الأحكام المستقراة للحقائق أحكام أغلبية، فإذا بني عليها استغراق فهو استغراق عرفي. والكلام خبر مستعمل في الأمر كشأن الكثير من الأخبار الشرعية.
والقَوَّام : الذي يقوم على شأن شيءٍ ويليه ويصلحه، يقال : قَوَّام وقَيَّام وقَيُّوم وقَيِّم، وكلّها مشتقّة من القيام المجازي الذي هو مجاز مرسل أو استعارة تمثيلية، لأنّ شأن الذي يهتمّ بالأمر ويعتني به أن يقف ليدير أمره، فأطلق على الاهتمام القيامُ بعلاقة اللزوم. أو شُبِّه المهتم بالقائم للأمر على طريقة التمثيل. فالمراد من الرجال من كان من أفراد حقيقة الرجل، أي الصنف المعروف من النوع الإنساني، وهو صنف الذكور، وكذلك المراد من النساء صنف الإناث من النوع الإنساني، وليس المراد الرجال جمعَ الرجل بمعنى رَجُل المرأة، أي زوجها ؛ لعدم استعماله في هذا المعنى، بخلاف قولهم : امرأةُ فلان، ولا المراد من النساء الجمعُ الذي يطلق على الأزواج الإناث وإن كان ذلك قد استعمل في بعض المواضع مثل قوله تعالى :﴿من نسائكم اللاتي دخلتم بهن﴾، بل المراد ما يدلّ عليه اللفظ بأصل الوضع كما في قوله تعالى :﴿وللنساء نصيب مما اكتسبن﴾ [النساء: ٣٢]، وقول النابغة :
فموقع ﴿الرجال قوامون على النساء﴾ موقُع المقدّمة للحكم بتقديم دليله للاهتمام بالدليل، إذ قد يقع فيه سوء تأويل، أو قد وقع بالفعل، فقد روي أنّ سبب نزول الآية قول النساء « ليتنا استوينا مع الرجال في الميراث وشَرَكْناهم في الغزو ».
وقيام الرجال على النساء هو قيام الحفظ والدفاع، وقيام الاكتساب والإنتاج المالي، ولذلك قال :﴿بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم﴾ أي : بتفضيل الله بعْضهم على بعض وبإنفاقهم من أموالهم، إن كانت ( ما ) في الجملتين مصدرية، أو بالذي فضّل الله به بعضهم، وبالذي أنفقوه من أموالهم، إن كانت ( ما ) فيهما موصولة، فالعائدان من الصلتين محذوفان : أمّا المجرور فلأنّ اسم الموصول مجرور بحرف مثل الذي جُرَّ به الضمير المحذوف، وأمّا العائد المنصوب من صلة ﴿وبما أنفقوا﴾ فلأنَّ العائد المنصوب يكثر حذفه من الصلة.
والمراد بالبعض في قوله تعالى :﴿فضل الله بعضهم﴾ هو فريق الرجال كما هو ظاهر من العطف في قوله :﴿وبما أنفقوا من أموالهم﴾ فإنّ الضميرين للرجال.
فالتفضيل هو المزايا الجبلية التي تقتضي حاجة المرأة إلى الرجل في الذبّ عنها وحراستها لبقاء ذاتها، كما قال عَمرو بن كلثوم :
فهذا التفضيل ظهرت آثاره على مرّ العصور والأجيال، فصار حقّا مكتسبا للرجال، وهذه حجّة بُرهانية على كون الرجال قوّامين على النساء فإنّ حاجة النساء إلى الرجال من هذه الناحية مستمرّة وإن كانت تقوى وتضعف.
وقوله :﴿وبما أنفقوا﴾ جيء بصيغة الماضي للإيماء إلى أنّ ذلك أمر قد تقرّر في المجتمعات الإنسانية منذ القدم، فالرجال هم العائلون لنساء العائلة من أزواج وبنات. وأضيفت الأموال إلى ضمير الرجال لأنّ الاكتساب من شأن الرجال، فقد كان في عصور البداوة بالصيد وبالغارة وبالغنائم والحرث، وذلك من عمل الرجال، وزاد اكتساب الرجال في عصور الحضارة بالغرس والتجارة والإجارَة والأبنية، ونحو ذلك، وهذه حجّة خَطابية لأنّها ترجع إلى مصطلَح غالب البشر، لا سيما العرب. ويَنْدُر أن تتولّى النساء مساعي من الاكتساب، لكن ذلك نادر بالنسبة إلى عمل الرجل مثل استئجار الظئر نفسَها وتنمية المرأة مالاً ورثتْه من قرابتها.
ومن بديع الإعجاز صوغ قوله :﴿بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم﴾ في قالب صالح للمصدرية وللموصولية، فالمصدرية مشعرة بأنّ القيامية سببها تفضيل من الله وإنفاق، والموصولية مشعرة بأنّ سببها ما يعلمه الناس من فضل الرجال ومن إنفاقهم ليصلح الخطاب للفريقين : عالمهم وجاهلهم، كقول السموأل أو الحارثي :
ولأنّ في الإتيان ب ( بما ) مع الفعل على تقدير احتمال المصدرية جَزَالةً لا توجد في قولنا : بتفضيل الله وبالإنفاقِ، لأنّ العرب يرجّحون الأفعال على الأسماء في طرق التعْبير.
وقد روي في سبب نزول الآية : أنّها قول النساء، ومنهن أمّ سلمة أمّ المؤمنين :« أتغزو الرجال ولا نغزو وإنّما لنا نصف الميراث » فنزل قوله تعالى :﴿ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض﴾ [النساء: ٣٢] إلى هذه الآية، فتكون هذه الآية إكمالا لما يرتبط بذلك التمنّي. وقيل : نزلت هذه الآية بسبب سعد بن الربيع الأنصاري : نشزت منه زوجه حبيبة بنت زيد بن أبي زهير فلطمها فشكاه أبوها إلى النبي ﷺ فأمرها أن تلطمه كما لطمها، فنزلت الآية في فور ذلك، فقال النبي ﷺ أردتُ شيئاً وأراد الله غيره، ونقض حكمه الأول، وليس في هذا السبب الثاني حديث صحيح ولا مرفوع إلى النبي ﷺ ولكنّه ممّا رُوي عن الحسن، والسدّي، وقتادة.
والفاء في قوله :﴿فالصالحات﴾ للفصيحة، أي إذا كان الرجال قوّامين على النساء فمن المهمّ تفصيل أحوال الأزواج منهنّ ومعاشرتهنّ أزواجهنّ وهو المقصود، فوصف الله الصالحات منهن وصفا يفيد رضاه تعالى، فهو في معنى التشريع، أي ليَكُنَّ صالحات. والقانتات : المطيعات لله. والقنوت : عبادة الله، وقدّمه هنا وإن لم يكن من سياق الكلام للدلالة على تلازم خوفهنّ الله وحفظ حقّ أزواجهنّ، ولذلك قال :﴿حافظات للغيب﴾، أي حافظات أزواجهنّ عند غيبتهم. وعلّق الغيب بالحفظ على سبيل المجاز العقلي لأنّه وقته. والغيب مصدر غاب ضدّ حضر. والمقصود غيبة أزواجهنّ، واللام للتعدية لضعف العامل، إذ هو غير فِعل، فالغيب في معنى المفعول، وقد جعل مفعولا للحفظ على التوسّع لأنّه في الحقيقة ظرف للحفظ، فأقيم مقام المفعول ليشمل كلّ ما هو مظنّة تخلّف الحفظ في مدّته : من كلّ ما شأنه أن يحرسه الزوج الحاضر من أحوال امرأته في عرضه وماله، فإنّه إذا حضر يكون من حضوره وازعان : يزعها بنفسه ويَزعها أيضاً اشتغالها بزوجها، أمّا حال الغيبة فهو حال نسيان واستخفاف، فيمكن أن يبدو فيه من المرأة ما لا يرضي زوجها إن كانت غير صالحة أو سفيهة الرأي، فحصل بإنابة الظرف عن المفعول إيجاز بديع، وقد تبعه بشّار إذ قال :
* ويصُون غَيْبَكُم وإن نَزَحا *
والباء في ﴿بما حفظ الله﴾ للملابسة، أي حفظا ملابساً لما حفظ الله، و ( ما ) مصدرية أي بحفظِ اللَّهِ، وحفظُ اللَّه هو أمره بالحفظ، فالمراد الحفظ التكليفي، ومعنى الملابسة أنهنّ يحفظن أزواجهنّ حفظاً مطابقاً لأمر الله تعالى، وأمرُ الله يرجع إلى ما فيه حقّ للأزواج وحدهم أو مع حقّ الله، فشمل ما يكرهه الزوج إذا لم يكن فيه حرج على المرأة، ويخرج عن ذلك ما أذن الله للنساء فيه، كما أذن النبي ﷺ هندا بنت عتبة : أن تأخذ من مال أبي سفيان ما يكفيها وولدَها بالمعروف. لذلك قال مالك : إنّ للمرأة أن تُدْخِل الشهود إلى بيت زوجها في غيبته وتشهدهم بما تريد وكما أذن لهن النبي أن يخرجن إلى المساجد ودعوة المسلمين.
وقوله :﴿والتي تخافون نشوزهن﴾ هذه بعض الأحوال المضادّة للصلاح وهو النشوز، أي الكراهية للزوج، فقد يكون ذلك لسوء خلق المرأة، وقد يكون لأنّ لها رغبة في التزوّج بآخر، وقد يكون لقسوة في خُلق الزوج، وذلك كثير. والنشوز في اللغة الترفّع والنهوض، وما يرجع إلى معنى الاضطراب والتباعد، ومنه نَشَزُ الأرض، وهو المرتفع منها.
قال جمهور الفقهاء : النشوز عصيان المرأة زوجها والترفّع عليه وإظهار كراهيته، أي إظهار كراهية لم تكن معتادة منها، أي بعد أن عاشرته، كقوله :« وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا ». وجعلوا الإذن بالموعظة والهجر والضرب مرتّبا على هذا العصيان، واحتجّوا بما ورد في بعض الآثار من الإذن للزوج في ضرب زوجته الناشز، وما ورد من الأخبار عن بعض الصحابة أنّهم فعلوا ذلك في غير ظهور الفاحشة.
وعندي أنّ تلك الآثار والأخبار مَحْمَل الأباحة فيها أنّها قد روعي فيها عرف بعض الطبقات من الناس، أو بعض القبائل، فإنّ الناس متفاوتون في ذلك، وأهل البدو منهم لا يعُدّون ضرب المرأة اعتداء، ولا تعدّه النساء أيضاً اعتداء، قال عامر بن الحارث النمري الملقّب بجِرَاننِ العَوْد.
والتحيْت : قشرّت، أي قددت، بمعنى : أنّه أخذ جلداً من باطن عنق بعير وعمله سوطا ليضرب به امرأتيه، يهدّدهما بأنّ السوط قد جَفّ وصلح لأن يضرب به.
وقد ثبت في « الصحيح » أنّ عمر بن الخطاب قال :( كنا معشر المهاجرين قوما نغلب نساءنا فإذا الأنصار قوم تغلبهم نساؤهم فأخذ نساؤنا يتأدّبن بأدب نساء الأنصار ). فإذا كان الضرب مأذونا فيه للأزواج دون وُلاة الأمور، وكان سببه مجرّد العصيان والكراهِية دون الفاحشة، فلا جرم أنّه أذن فيه لقوم لا يعُدّون صدوره من الأزواج إضراراً ولا عارا ولا بدعا من المعاملة في العائلة، ولا تشعر نساؤهم بمقدار غضبهم إلاّ بشيء من ذلك.
وقوله :﴿فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن﴾ مقصود منه الترتيب كما يقتضيه ترتيب ذكرها مع ظهور أنّه لا يراد الجمع بين الثلاثة، والترتيب هو الأصل والمتبادر في العطف بالواو، قال سعيد بن جبير : يعظها، فإن قبلت، وإلاّ هجرها، فإن هي قبلت، وإلاّ ضربها، ونُقل مثله عن علي.
واعلم أنّ الواو هنا مراد بها التقسيم باعتبار أقسام النساء في النشوز.
وقوله :﴿فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً﴾ احتمال ضمير الخطاب فيه يجري على نحوما تقدّم في ضمائر ﴿تخافون﴾ وما بعده، والمراد الطاعة بعد النشوز، أي إن رجعن عن النشوز إلى الطاعة المعروفة. ومعنى :﴿فلا تبغوا عليهن سبيلاً﴾ فلا تطلبوا طريقاً لإجراء تلك الزواجر عليهنّ، والخطاب صالح لكلّ من جعل له سبيل على الزوجات في حالة النشوز على ما تقدّم.
والسبيل حقيقتُه الطريق، وأطلق هنا مجازاً على التوسّل والتسبّب والتذرّع إلى أخذ الحقّ، وسيجيء عند قوله تعالى :{ ما عل
وقوله :﴿فالصالحات﴾ تفريع عنه مع مناسبته لما ذكر من سبب نزول ﴿ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض﴾ [النساء: ٣٢] فيما تقدّم.
والحكم الذي في هذه الآية حكم عامّ جيء به لتعليل شرع خاصّ.
فلذلك فالتعريف في ﴿الرجال﴾ و﴿النساء﴾ للاستغراق، وهو استغراق عرفي مبني على النظر إلى الحقيقة، كالتعريف في قول الناس « الرجل خير من المرأة »، يؤول إلى الاستغراق العرفي، لأنّ الأحكام المستقراة للحقائق أحكام أغلبية، فإذا بني عليها استغراق فهو استغراق عرفي. والكلام خبر مستعمل في الأمر كشأن الكثير من الأخبار الشرعية.
والقَوَّام : الذي يقوم على شأن شيءٍ ويليه ويصلحه، يقال : قَوَّام وقَيَّام وقَيُّوم وقَيِّم، وكلّها مشتقّة من القيام المجازي الذي هو مجاز مرسل أو استعارة تمثيلية، لأنّ شأن الذي يهتمّ بالأمر ويعتني به أن يقف ليدير أمره، فأطلق على الاهتمام القيامُ بعلاقة اللزوم. أو شُبِّه المهتم بالقائم للأمر على طريقة التمثيل. فالمراد من الرجال من كان من أفراد حقيقة الرجل، أي الصنف المعروف من النوع الإنساني، وهو صنف الذكور، وكذلك المراد من النساء صنف الإناث من النوع الإنساني، وليس المراد الرجال جمعَ الرجل بمعنى رَجُل المرأة، أي زوجها ؛ لعدم استعماله في هذا المعنى، بخلاف قولهم : امرأةُ فلان، ولا المراد من النساء الجمعُ الذي يطلق على الأزواج الإناث وإن كان ذلك قد استعمل في بعض المواضع مثل قوله تعالى :﴿من نسائكم اللاتي دخلتم بهن﴾، بل المراد ما يدلّ عليه اللفظ بأصل الوضع كما في قوله تعالى :﴿وللنساء نصيب مما اكتسبن﴾ [النساء: ٣٢]، وقول النابغة :
| ولا نِسْوَتِي حَتَّى يَمُتْنَ حَرَائِرا | يريد أزواجه وبناته وولاياه. |
وقيام الرجال على النساء هو قيام الحفظ والدفاع، وقيام الاكتساب والإنتاج المالي، ولذلك قال :﴿بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم﴾ أي : بتفضيل الله بعْضهم على بعض وبإنفاقهم من أموالهم، إن كانت ( ما ) في الجملتين مصدرية، أو بالذي فضّل الله به بعضهم، وبالذي أنفقوه من أموالهم، إن كانت ( ما ) فيهما موصولة، فالعائدان من الصلتين محذوفان : أمّا المجرور فلأنّ اسم الموصول مجرور بحرف مثل الذي جُرَّ به الضمير المحذوف، وأمّا العائد المنصوب من صلة ﴿وبما أنفقوا﴾ فلأنَّ العائد المنصوب يكثر حذفه من الصلة.
والمراد بالبعض في قوله تعالى :﴿فضل الله بعضهم﴾ هو فريق الرجال كما هو ظاهر من العطف في قوله :﴿وبما أنفقوا من أموالهم﴾ فإنّ الضميرين للرجال.
فالتفضيل هو المزايا الجبلية التي تقتضي حاجة المرأة إلى الرجل في الذبّ عنها وحراستها لبقاء ذاتها، كما قال عَمرو بن كلثوم :
| يَقُتْنَ جيادَنا ويقُلْن لستم | بُعُولتنا إذا لَمْ تمنعونا |
وقوله :﴿وبما أنفقوا﴾ جيء بصيغة الماضي للإيماء إلى أنّ ذلك أمر قد تقرّر في المجتمعات الإنسانية منذ القدم، فالرجال هم العائلون لنساء العائلة من أزواج وبنات. وأضيفت الأموال إلى ضمير الرجال لأنّ الاكتساب من شأن الرجال، فقد كان في عصور البداوة بالصيد وبالغارة وبالغنائم والحرث، وذلك من عمل الرجال، وزاد اكتساب الرجال في عصور الحضارة بالغرس والتجارة والإجارَة والأبنية، ونحو ذلك، وهذه حجّة خَطابية لأنّها ترجع إلى مصطلَح غالب البشر، لا سيما العرب. ويَنْدُر أن تتولّى النساء مساعي من الاكتساب، لكن ذلك نادر بالنسبة إلى عمل الرجل مثل استئجار الظئر نفسَها وتنمية المرأة مالاً ورثتْه من قرابتها.
ومن بديع الإعجاز صوغ قوله :﴿بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم﴾ في قالب صالح للمصدرية وللموصولية، فالمصدرية مشعرة بأنّ القيامية سببها تفضيل من الله وإنفاق، والموصولية مشعرة بأنّ سببها ما يعلمه الناس من فضل الرجال ومن إنفاقهم ليصلح الخطاب للفريقين : عالمهم وجاهلهم، كقول السموأل أو الحارثي :
| سَلِي إن جَهِلْتِ الناس عنّا وعنهم | * فليس سواء عالم وجهـول |
وقد روي في سبب نزول الآية : أنّها قول النساء، ومنهن أمّ سلمة أمّ المؤمنين :« أتغزو الرجال ولا نغزو وإنّما لنا نصف الميراث » فنزل قوله تعالى :﴿ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض﴾ [النساء: ٣٢] إلى هذه الآية، فتكون هذه الآية إكمالا لما يرتبط بذلك التمنّي. وقيل : نزلت هذه الآية بسبب سعد بن الربيع الأنصاري : نشزت منه زوجه حبيبة بنت زيد بن أبي زهير فلطمها فشكاه أبوها إلى النبي ﷺ فأمرها أن تلطمه كما لطمها، فنزلت الآية في فور ذلك، فقال النبي ﷺ أردتُ شيئاً وأراد الله غيره، ونقض حكمه الأول، وليس في هذا السبب الثاني حديث صحيح ولا مرفوع إلى النبي ﷺ ولكنّه ممّا رُوي عن الحسن، والسدّي، وقتادة.
والفاء في قوله :﴿فالصالحات﴾ للفصيحة، أي إذا كان الرجال قوّامين على النساء فمن المهمّ تفصيل أحوال الأزواج منهنّ ومعاشرتهنّ أزواجهنّ وهو المقصود، فوصف الله الصالحات منهن وصفا يفيد رضاه تعالى، فهو في معنى التشريع، أي ليَكُنَّ صالحات. والقانتات : المطيعات لله. والقنوت : عبادة الله، وقدّمه هنا وإن لم يكن من سياق الكلام للدلالة على تلازم خوفهنّ الله وحفظ حقّ أزواجهنّ، ولذلك قال :﴿حافظات للغيب﴾، أي حافظات أزواجهنّ عند غيبتهم. وعلّق الغيب بالحفظ على سبيل المجاز العقلي لأنّه وقته. والغيب مصدر غاب ضدّ حضر. والمقصود غيبة أزواجهنّ، واللام للتعدية لضعف العامل، إذ هو غير فِعل، فالغيب في معنى المفعول، وقد جعل مفعولا للحفظ على التوسّع لأنّه في الحقيقة ظرف للحفظ، فأقيم مقام المفعول ليشمل كلّ ما هو مظنّة تخلّف الحفظ في مدّته : من كلّ ما شأنه أن يحرسه الزوج الحاضر من أحوال امرأته في عرضه وماله، فإنّه إذا حضر يكون من حضوره وازعان : يزعها بنفسه ويَزعها أيضاً اشتغالها بزوجها، أمّا حال الغيبة فهو حال نسيان واستخفاف، فيمكن أن يبدو فيه من المرأة ما لا يرضي زوجها إن كانت غير صالحة أو سفيهة الرأي، فحصل بإنابة الظرف عن المفعول إيجاز بديع، وقد تبعه بشّار إذ قال :
* ويصُون غَيْبَكُم وإن نَزَحا *
والباء في ﴿بما حفظ الله﴾ للملابسة، أي حفظا ملابساً لما حفظ الله، و ( ما ) مصدرية أي بحفظِ اللَّهِ، وحفظُ اللَّه هو أمره بالحفظ، فالمراد الحفظ التكليفي، ومعنى الملابسة أنهنّ يحفظن أزواجهنّ حفظاً مطابقاً لأمر الله تعالى، وأمرُ الله يرجع إلى ما فيه حقّ للأزواج وحدهم أو مع حقّ الله، فشمل ما يكرهه الزوج إذا لم يكن فيه حرج على المرأة، ويخرج عن ذلك ما أذن الله للنساء فيه، كما أذن النبي ﷺ هندا بنت عتبة : أن تأخذ من مال أبي سفيان ما يكفيها وولدَها بالمعروف. لذلك قال مالك : إنّ للمرأة أن تُدْخِل الشهود إلى بيت زوجها في غيبته وتشهدهم بما تريد وكما أذن لهن النبي أن يخرجن إلى المساجد ودعوة المسلمين.
وقوله :﴿والتي تخافون نشوزهن﴾ هذه بعض الأحوال المضادّة للصلاح وهو النشوز، أي الكراهية للزوج، فقد يكون ذلك لسوء خلق المرأة، وقد يكون لأنّ لها رغبة في التزوّج بآخر، وقد يكون لقسوة في خُلق الزوج، وذلك كثير. والنشوز في اللغة الترفّع والنهوض، وما يرجع إلى معنى الاضطراب والتباعد، ومنه نَشَزُ الأرض، وهو المرتفع منها.
قال جمهور الفقهاء : النشوز عصيان المرأة زوجها والترفّع عليه وإظهار كراهيته، أي إظهار كراهية لم تكن معتادة منها، أي بعد أن عاشرته، كقوله :« وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا ». وجعلوا الإذن بالموعظة والهجر والضرب مرتّبا على هذا العصيان، واحتجّوا بما ورد في بعض الآثار من الإذن للزوج في ضرب زوجته الناشز، وما ورد من الأخبار عن بعض الصحابة أنّهم فعلوا ذلك في غير ظهور الفاحشة.
وعندي أنّ تلك الآثار والأخبار مَحْمَل الأباحة فيها أنّها قد روعي فيها عرف بعض الطبقات من الناس، أو بعض القبائل، فإنّ الناس متفاوتون في ذلك، وأهل البدو منهم لا يعُدّون ضرب المرأة اعتداء، ولا تعدّه النساء أيضاً اعتداء، قال عامر بن الحارث النمري الملقّب بجِرَاننِ العَوْد.
| عَمِدْتُ لِعَوْدٍ فَالْتَحَيْتُ جِرَانَهُ | ولَلْكَيْسُ أمضى في الأمور وأنجح |
| خُذا حَذراً يا خُلَّتيَّ فإنّنــي | رأيـتُ جران العَوْد قد كاد يصلح |
وقد ثبت في « الصحيح » أنّ عمر بن الخطاب قال :( كنا معشر المهاجرين قوما نغلب نساءنا فإذا الأنصار قوم تغلبهم نساؤهم فأخذ نساؤنا يتأدّبن بأدب نساء الأنصار ). فإذا كان الضرب مأذونا فيه للأزواج دون وُلاة الأمور، وكان سببه مجرّد العصيان والكراهِية دون الفاحشة، فلا جرم أنّه أذن فيه لقوم لا يعُدّون صدوره من الأزواج إضراراً ولا عارا ولا بدعا من المعاملة في العائلة، ولا تشعر نساؤهم بمقدار غضبهم إلاّ بشيء من ذلك.
وقوله :﴿فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن﴾ مقصود منه الترتيب كما يقتضيه ترتيب ذكرها مع ظهور أنّه لا يراد الجمع بين الثلاثة، والترتيب هو الأصل والمتبادر في العطف بالواو، قال سعيد بن جبير : يعظها، فإن قبلت، وإلاّ هجرها، فإن هي قبلت، وإلاّ ضربها، ونُقل مثله عن علي.
واعلم أنّ الواو هنا مراد بها التقسيم باعتبار أقسام النساء في النشوز.
وقوله :﴿فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً﴾ احتمال ضمير الخطاب فيه يجري على نحوما تقدّم في ضمائر ﴿تخافون﴾ وما بعده، والمراد الطاعة بعد النشوز، أي إن رجعن عن النشوز إلى الطاعة المعروفة. ومعنى :﴿فلا تبغوا عليهن سبيلاً﴾ فلا تطلبوا طريقاً لإجراء تلك الزواجر عليهنّ، والخطاب صالح لكلّ من جعل له سبيل على الزوجات في حالة النشوز على ما تقدّم.
والسبيل حقيقتُه الطريق، وأطلق هنا مجازاً على التوسّل والتسبّب والتذرّع إلى أخذ الحقّ، وسيجيء عند قوله تعالى :{ ما عل