غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿يكفر﴾ و ﴿يدخلكم﴾ بياء الغيبة : المفضل. الباقون بالنون. ﴿مدخلاً﴾ بفتح الميم وكذلك في الحج : أبو جعفر ونافع. الباقون بالضم ﴿واسألوا﴾ وبابه مما دخل عليه واو العطف أو فاؤه بغير همزة : ابن كثير وعلي وخلف وسهل وحمزة في الوقف. ﴿عقدت﴾ من العقد : عاصم وحمزة وعلي وخلف. الباقون ﴿عاقدت﴾ من المعاقدة. ﴿بما حفظ الله﴾ بالنصب : يزيد. الباقون بالرفع. ﴿والجار﴾ بالإمالة : إبراهيم بن حماد وقتيبة ونصير وأبو عمرو وحمزة في رواية ابن سعدان وأبي عمرو والنجاري عن ورش ﴿والجار الجنب﴾ بفتح الجيم وسكون النون : المفضل. الباقون بضمتين. ﴿بالبخل﴾ بفتحتين حيث كان : حمزة وعلي وخلف والمفضل عباس مخير. الباقون : بضم الباء وسكون الخاء. ﴿حسنة﴾ بالرفع : ابن كثير وأبو جعفر ونافع. الباقون بالنصب ﴿يضعفها﴾ بالتشديد : ابن كثير وابن عامر ويزيد ويعقوب. الباقون ﴿يضاعفها﴾ بالألف.
الوقوف :﴿كريماً﴾ ه ﴿على بعض﴾ ط ﴿مما اكتسبن﴾ ط ﴿من فضله﴾ ط ﴿عليماً﴾ ه ﴿والأقربون﴾ ط بناء على أن ما بعد مبتدأ ﴿نصيبهم﴾ ط ﴿شهيداً﴾ ه ﴿من أموالهم﴾ ج لأن ما يتلوا مبتدأ ﴿بما حفظ الله﴾ ط ﴿واضربوهن﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿سبيلاً﴾ ط ﴿كبيراً﴾ ه ﴿من أهلها﴾ ج لأن " أن " للشرط مع اتحاد الكلام ﴿بينهما﴾ ط ﴿خبيراً﴾ ه ﴿وابن السبيل﴾ ط للعطف ﴿أيمانكم﴾ ط ﴿فخوراً﴾ ه لا بناء على أن الذين بدل ﴿من فضله﴾ ط ﴿مهيناً﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والعطف ﴿باليوم الآخر﴾ ط وإن جعل " الذين " مبتدأ لأن خبره محذوف أي فأولئك قرينهم الشيطان ﴿قريناً﴾ ه ﴿رزقهم الله﴾ ط ﴿عليماً﴾ ه ﴿ذرة﴾ ط لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى أي لا يظلم بنقص الثواب ومع ذلك يضاعفه ﴿عظيماً﴾ ه.
هذا وقد مر أن النساء تكلمن في تفضيل الله الرجال عليهم في الميراث ونحوه، فذكر في هذه الآية ما يشتمل على بعض أسباب التفضيل فقال :﴿الرجال قوّامون﴾ يقال : هذا قيم المرأة وقوّامها بناء مبالغة للذي يقوم بأمرها ويهتم بحفظها كما يقوم الوالي على الرعية ومنه سمي الرجال قوّاماً. والضمير في بعضهم للرجال والنساء جميعاً أي إنما كانوا مسيطرين عليهن بسبب تفضيل الله بعضهم - وهم الرجال - على بعض - وهم النساء. وقيل : وفيه دليل على أن الولاية إنما تستحق بالفضل لا بالتغلب والاستطالة والقهر. وذكروا في فضل الرجال العقل والحزم والعزم والقوة والكتابة في الغالب والفروسية والرمي، وأن منهم الأنبياء والعلماء والحكماء، وفيهم الإمامة الكبرى وهي الخلافة، والصغر وهو الاقتداء بهم في الصلاة، وأنهم أهل الجهاد والأذان والخطبة والاعتكاف والشهادة في الحدود والقصاص بالاتفاق وفي الأنكحة عند الشافعي، زيادة السهم في الميراث والتعصيب فيه، والحمالة تحمل الدية في القتل الخطأ، والقسامة والولاية في النكاح والطلاق والرجعة وعدد الأزواج وإليهم الانتساب، وكل ذلك يدل على فضلهم، وحاصلها يرجع إلى العلم والقدرة. ومنها سبب خارجيّ وذلك أنهم فضلوا عليهن بما أنفقوا أي أخرجوا في نكاحهن من أموالهم مهراً ونفقة. عن مقاتل " أن سعد بن الربيع، وكان من نقباء الأنصار، نشزت عليه امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير، فطلمها. فانطلق بها أبوها إلى رسول الله ﷺ وقال : أفرشته كريمتي فلطمها. فقال رسول الله ﷺ : لتقتص منه، وكانت قد نزلت آية القصاص، فانصرفت مع أبيها لتقتص منه فقال النبي ﷺ : ارجعوا هذا جبريل أتاني وأنزل الله هذه الآية. فقال النبي ﷺ : أردنا أمراً وأراد الله أمراً والذي أراد الله خير ورفع القصاص ".
فلهذا قال العلماء : لا قصاص بين الرجل وامرأته فيما دون النفس ولو شَجها ولكن يجب العقل، وقيل : لا قصاص إلاّ في الجرح والقتل، وأما في اللطمة ونحوها فلا. ثم قسم النساء قسمين، فوصف الصالحات منهن بأنهن قانتات مطيعات لله وللزوج حافظات للغيب قائمات بحقوق الزوج في غيبته، والغيب خلاف الشهادة. ومواجب حفظ غيبة الزوج أن تحفظ نفسها عن الزنا لئلاّ يلحق الزوج العار بسبب زناها، ولئلاّ يلحق به الولد الحاصل من نطفة غيره، وأن تحفظ أسراره عن الإفشاء وماله عن الضياع ومنزلها عما لا ينبغي شرعاً وعرفاً. عن النبي ﷺ :" خير النساء امرأة إن نظرت إليها سرتك وإن أمرتها أطاعتك وإن غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها وتلا الآية " و " ما " في قوله :﴿بما حفظ الله﴾ موصولة والعائد محذوف أي بالذي حفظه الله لهن أي عليهن أن يحفظن حقوق الزوج في مقابلة ما حفظ الله حقوقهن على أزواجهن حيث أمرهم بالعدل فيهن في قوله :﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾[البقرة: ٢٢٩] فقوله :﴿بما حفظ الله﴾ يجري مجرى قولهم " هذا بذاك " أي هذا في مقابلة ذاك، أو مصدرية والمعنى : أنهن حافظات للغيب بحفظ الله إياهن فإنهن لا يتيسر لهن حفظ الغيب إلاّ بتوفيق الله، أو بما حفظهن حين وعدهن الثواب العظيم على الأمانة، وأوعدهن العذاب الشديد على الخيانة. ومن قرأ ﴿بما حفظ الله﴾ بالنصب ف " ما " أيضاً موصولة أي بالأمر الذي يحفظ حق الله وأمانته وهو التعفف والتحصن والشفقة على الرجال والنصيحة لهم، أو مصدرية أي بسبب حفظهن حدود الله وأوامره فإن المرأة لولا أنها تحاول رعاية تكليف الله وتجتهد في حفظ أوامره وإلا لما أطاعت زوجها. ثم ذكر غير الصالحات منهن فقال :﴿واللاتي تخافون﴾ تعرفون بالقرائن والأمارات ﴿نشوزهن﴾ عصيانهن والترفع عليكم بالخلاف من نشز الشيء ارتفع، ومنه نشز للأرض المرتفعة ﴿فعظوهن﴾ وهو أن يقول : اتقي الله فإن لي عليك حقاً، وارجعي عما أنت عليه، واعلمي أن طاعتي عليك فرض ونحو ذلك. ﴿واهجروهن في المضاجع﴾ أي في المراقد أي لا تداخلوهن تحت اللحف، وقيل : هو أن يوليها ظهره في المضجع. وقيل : في المضاجع أي ببيوتهن التي يبتن فيها أي لا تبايتوهن. وفي ضمن الهجران الامتناع من كلامها. ولكن ينبغي أن لا يزيد في هجره الكلام على ثلاث، فإذا هجرها في المضجع فإن كانت تحب الزوج شق ذلك عليها فتركت النشوز، وإن كانت تبغضه وافقها ذلك الهجران فكان ذلك دليلاً على كمال نشوزها فيباح الضرب وذلك قوله :﴿واضربوهن﴾ والأولى ترك الضرب لما روي أنه ﷺ قال :" لا تضربوا إماء الله " فجاء عمر إلى رسول الله ﷺ فقال : ذئرت النساء على أزواجهن أي اجترأن فرخص في ضربهن. فأطاف بآل رسول الله ﷺ نساء كثير يشكون أزواجهن فقال رسول الله ﷺ :" لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن ليس أولئك بخياركم ". ومعناه أن الذين ضربوا أزواجهم ليسوا خيراً ممن لم يضربوا. وإذا ضربها وجب أن لا يكون مفضياً إلى الهلاك ألبتة، وأن يكون مفرقاً على بدنها لا يوالي به في موضع واحد، ويتقي الوجه لأنه مجمع المحاسن، وأن يكون دون الأربعين. وقيل : دون عشرين لأنه حد كامل في شرب العبد، ومنهم من لا يرى الضرب بالسياط ولا بالعصا. وبالجملة فالتخفيف مرعي في هذا الباب ولهذا قال علي بن أبي طالب : يعظها بلسانه فإن انتهت فلا سبيل له عليها، فإن أبت هجر مضجعها، فإن أبت ضربها، فإن لم تتعظ بالضرب بعث الحكمين. وقال آخرون : هذا الترتيب مرعي عند خوف النشوز، فأما عند تحقق النشوز فلا بأس بالجمع بين الكل. وروي عن النبي ﷺ :" علق سوطك حيث يراه أهلك ". ﴿فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً﴾ بالأذى والتوبيخ، واجعلوا ما كان منهن كأن لم يكن ﴿إن الله كان علياً﴾ لا بالجهة ﴿كبيراً﴾ لا بالجثة ﴿فاحذروا﴾ واعلموا أن قدرته عليكم أعظم من قدرتكم على أزواجكم وأرقائكم. روي أن أبا مسعود الأنصاري رفع سوطه ليضرب غلاماً له فبصر به رسول الله ﷺ فصاح به : أبا مسعود، الله أقدر منك عليه. فرمى بالسوط وأعتق الغلام. وفيه أنه مع علوه وكبرياء سلطانه تعصونه فيتوب عليكم فأنتم أحق بالعفو إذا رجع الجاني عليكم، أو أنه مع علوه وكبريائه لا يكلفكم إلا ما تطيقون فكذلك لا تكلفوهن محبتكم فلعلهن لا يقدرن على ذلك، أو أنه مع علو شأنه وكبريائه يكتفي من العبيد بالظواهر ولا يهتك السرائر فأنتم أجدر بأن لا تفتشوا عما في قلبها من الحب والبغض إذا صلح حالها في الظاهر، أو أنهن إن ضعفن عن دفع ظلمكم وعجزن عن الانتصاف منكم فالله تعالى قادر قاهر ينتصف لهن منكم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل : جملة الكبائر مندرجة تحت ثلاث : إحداها إتباع الهوى وينشأ منه البدع والضلالات وطلب الشهوات وحظوظ النفس بترك الطاعات، وثانيتها حب الدنيا وينشعب منه القتل والظلم وأكل الحرام، وثالثتها رؤية غير الله وهو الشرك والرياء والنفاق وغيرها.
ثم أخبر أن الدين ليس بالتمني فقال :﴿ولا تتمنوا﴾ فإنه لا يحصل بالتمني ولكن ﴿للرجال﴾ المجتهدين في الله ﴿نصيب﴾ مما جدوا في طلبه ﴿وللنساء﴾ وهم الذين يطلبون من الله غير الله ﴿نصيب﴾ على قدر همتهم في الطلب ﴿واسألوا الله من فضله﴾ فيه معنيان : سلوه من فضله الخاص وهو العلم اللدني ﴿وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً﴾، [النساء: ١١٣] أو سلوه منه ولا تسألوه من غيره ﴿ولكل جعلنا موالي﴾ لكل طالب صادق جعلنا استعداداً في الأزل للوراثة مما ترك والداه وأقرباؤه، طلبه لعدم الاستعداد والمشيئة. والذين جرى بينكم وبينهم عقد الأخوة في الله ﴿فآتوهم﴾ بالنصح وحسن التربية والتسليك ﴿نصيبهم﴾ الذي قدّر لهم ﴿الرجال قوّامون على النساء﴾ بمصالح دينهن ودنياهن بتفضيل الله وهو استعداد الخلافة والوراثة ﴿وبما أنفقوا من أموالهم﴾ أي تجريدهم عن الدنيا وتفريدهم للمولى. ﴿فالصالحات﴾ اللاتي يصلحن للكمال ﴿قانتات﴾ مطيعات لله لهن قلوب ﴿حافظات﴾ لواردات الغيب ﴿بما حفظ الله﴾ عليهن حقائق الغيب وأسراره. ﴿واللاتي تخافون نشوزهن﴾ إذا دارت عليهن كؤوس الواردات كما قيل :
﴿فعظوهن﴾ باللسان وخوّفوهن بالهجران ليتأدب السكران ﴿واضربوهن﴾ بسوط الانفصال وفراق الإخوان كما كان حال الخضر مع موسى حيث قال :
﴿هذا فراق بيني وبينك﴾[الكهف: ٧٨] هذا قانون أرباب الكمال إذا رأوا من أهل الإرادة إمارات الملال أو عربدة من غلبات الأحوال. ﴿وإن خفتم﴾ شقاقاً بين الشيخ الواصل والمريد المتكامل ﴿فابعثوا﴾ متوسطين من المشايخ الكاملين ومن السالكين المعتبرين ﴿إن يريدا إصلاحاً﴾ بينهما بما رأيا فيه صلاحهما ﴿يوفق الله بينهما﴾ بالإرادة وحسن التربية ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً﴾ من الدنيا والعقبى لتتخلقوا بأخلاق الله وتحسنوا إلى الوالدين وغيرهما ﴿إحساناً﴾ بلا شرك ورياء وفخر وخيلاء والله ولي والتوفيق.
الوقوف :﴿كريماً﴾ ه ﴿على بعض﴾ ط ﴿مما اكتسبن﴾ ط ﴿من فضله﴾ ط ﴿عليماً﴾ ه ﴿والأقربون﴾ ط بناء على أن ما بعد مبتدأ ﴿نصيبهم﴾ ط ﴿شهيداً﴾ ه ﴿من أموالهم﴾ ج لأن ما يتلوا مبتدأ ﴿بما حفظ الله﴾ ط ﴿واضربوهن﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿سبيلاً﴾ ط ﴿كبيراً﴾ ه ﴿من أهلها﴾ ج لأن " أن " للشرط مع اتحاد الكلام ﴿بينهما﴾ ط ﴿خبيراً﴾ ه ﴿وابن السبيل﴾ ط للعطف ﴿أيمانكم﴾ ط ﴿فخوراً﴾ ه لا بناء على أن الذين بدل ﴿من فضله﴾ ط ﴿مهيناً﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والعطف ﴿باليوم الآخر﴾ ط وإن جعل " الذين " مبتدأ لأن خبره محذوف أي فأولئك قرينهم الشيطان ﴿قريناً﴾ ه ﴿رزقهم الله﴾ ط ﴿عليماً﴾ ه ﴿ذرة﴾ ط لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى أي لا يظلم بنقص الثواب ومع ذلك يضاعفه ﴿عظيماً﴾ ه.
هذا وقد مر أن النساء تكلمن في تفضيل الله الرجال عليهم في الميراث ونحوه، فذكر في هذه الآية ما يشتمل على بعض أسباب التفضيل فقال :﴿الرجال قوّامون﴾ يقال : هذا قيم المرأة وقوّامها بناء مبالغة للذي يقوم بأمرها ويهتم بحفظها كما يقوم الوالي على الرعية ومنه سمي الرجال قوّاماً. والضمير في بعضهم للرجال والنساء جميعاً أي إنما كانوا مسيطرين عليهن بسبب تفضيل الله بعضهم - وهم الرجال - على بعض - وهم النساء. وقيل : وفيه دليل على أن الولاية إنما تستحق بالفضل لا بالتغلب والاستطالة والقهر. وذكروا في فضل الرجال العقل والحزم والعزم والقوة والكتابة في الغالب والفروسية والرمي، وأن منهم الأنبياء والعلماء والحكماء، وفيهم الإمامة الكبرى وهي الخلافة، والصغر وهو الاقتداء بهم في الصلاة، وأنهم أهل الجهاد والأذان والخطبة والاعتكاف والشهادة في الحدود والقصاص بالاتفاق وفي الأنكحة عند الشافعي، زيادة السهم في الميراث والتعصيب فيه، والحمالة تحمل الدية في القتل الخطأ، والقسامة والولاية في النكاح والطلاق والرجعة وعدد الأزواج وإليهم الانتساب، وكل ذلك يدل على فضلهم، وحاصلها يرجع إلى العلم والقدرة. ومنها سبب خارجيّ وذلك أنهم فضلوا عليهن بما أنفقوا أي أخرجوا في نكاحهن من أموالهم مهراً ونفقة. عن مقاتل " أن سعد بن الربيع، وكان من نقباء الأنصار، نشزت عليه امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير، فطلمها. فانطلق بها أبوها إلى رسول الله ﷺ وقال : أفرشته كريمتي فلطمها. فقال رسول الله ﷺ : لتقتص منه، وكانت قد نزلت آية القصاص، فانصرفت مع أبيها لتقتص منه فقال النبي ﷺ : ارجعوا هذا جبريل أتاني وأنزل الله هذه الآية. فقال النبي ﷺ : أردنا أمراً وأراد الله أمراً والذي أراد الله خير ورفع القصاص ".
فلهذا قال العلماء : لا قصاص بين الرجل وامرأته فيما دون النفس ولو شَجها ولكن يجب العقل، وقيل : لا قصاص إلاّ في الجرح والقتل، وأما في اللطمة ونحوها فلا. ثم قسم النساء قسمين، فوصف الصالحات منهن بأنهن قانتات مطيعات لله وللزوج حافظات للغيب قائمات بحقوق الزوج في غيبته، والغيب خلاف الشهادة. ومواجب حفظ غيبة الزوج أن تحفظ نفسها عن الزنا لئلاّ يلحق الزوج العار بسبب زناها، ولئلاّ يلحق به الولد الحاصل من نطفة غيره، وأن تحفظ أسراره عن الإفشاء وماله عن الضياع ومنزلها عما لا ينبغي شرعاً وعرفاً. عن النبي ﷺ :" خير النساء امرأة إن نظرت إليها سرتك وإن أمرتها أطاعتك وإن غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها وتلا الآية " و " ما " في قوله :﴿بما حفظ الله﴾ موصولة والعائد محذوف أي بالذي حفظه الله لهن أي عليهن أن يحفظن حقوق الزوج في مقابلة ما حفظ الله حقوقهن على أزواجهن حيث أمرهم بالعدل فيهن في قوله :﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾[البقرة: ٢٢٩] فقوله :﴿بما حفظ الله﴾ يجري مجرى قولهم " هذا بذاك " أي هذا في مقابلة ذاك، أو مصدرية والمعنى : أنهن حافظات للغيب بحفظ الله إياهن فإنهن لا يتيسر لهن حفظ الغيب إلاّ بتوفيق الله، أو بما حفظهن حين وعدهن الثواب العظيم على الأمانة، وأوعدهن العذاب الشديد على الخيانة. ومن قرأ ﴿بما حفظ الله﴾ بالنصب ف " ما " أيضاً موصولة أي بالأمر الذي يحفظ حق الله وأمانته وهو التعفف والتحصن والشفقة على الرجال والنصيحة لهم، أو مصدرية أي بسبب حفظهن حدود الله وأوامره فإن المرأة لولا أنها تحاول رعاية تكليف الله وتجتهد في حفظ أوامره وإلا لما أطاعت زوجها. ثم ذكر غير الصالحات منهن فقال :﴿واللاتي تخافون﴾ تعرفون بالقرائن والأمارات ﴿نشوزهن﴾ عصيانهن والترفع عليكم بالخلاف من نشز الشيء ارتفع، ومنه نشز للأرض المرتفعة ﴿فعظوهن﴾ وهو أن يقول : اتقي الله فإن لي عليك حقاً، وارجعي عما أنت عليه، واعلمي أن طاعتي عليك فرض ونحو ذلك. ﴿واهجروهن في المضاجع﴾ أي في المراقد أي لا تداخلوهن تحت اللحف، وقيل : هو أن يوليها ظهره في المضجع. وقيل : في المضاجع أي ببيوتهن التي يبتن فيها أي لا تبايتوهن. وفي ضمن الهجران الامتناع من كلامها. ولكن ينبغي أن لا يزيد في هجره الكلام على ثلاث، فإذا هجرها في المضجع فإن كانت تحب الزوج شق ذلك عليها فتركت النشوز، وإن كانت تبغضه وافقها ذلك الهجران فكان ذلك دليلاً على كمال نشوزها فيباح الضرب وذلك قوله :﴿واضربوهن﴾ والأولى ترك الضرب لما روي أنه ﷺ قال :" لا تضربوا إماء الله " فجاء عمر إلى رسول الله ﷺ فقال : ذئرت النساء على أزواجهن أي اجترأن فرخص في ضربهن. فأطاف بآل رسول الله ﷺ نساء كثير يشكون أزواجهن فقال رسول الله ﷺ :" لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن ليس أولئك بخياركم ". ومعناه أن الذين ضربوا أزواجهم ليسوا خيراً ممن لم يضربوا. وإذا ضربها وجب أن لا يكون مفضياً إلى الهلاك ألبتة، وأن يكون مفرقاً على بدنها لا يوالي به في موضع واحد، ويتقي الوجه لأنه مجمع المحاسن، وأن يكون دون الأربعين. وقيل : دون عشرين لأنه حد كامل في شرب العبد، ومنهم من لا يرى الضرب بالسياط ولا بالعصا. وبالجملة فالتخفيف مرعي في هذا الباب ولهذا قال علي بن أبي طالب : يعظها بلسانه فإن انتهت فلا سبيل له عليها، فإن أبت هجر مضجعها، فإن أبت ضربها، فإن لم تتعظ بالضرب بعث الحكمين. وقال آخرون : هذا الترتيب مرعي عند خوف النشوز، فأما عند تحقق النشوز فلا بأس بالجمع بين الكل. وروي عن النبي ﷺ :" علق سوطك حيث يراه أهلك ". ﴿فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً﴾ بالأذى والتوبيخ، واجعلوا ما كان منهن كأن لم يكن ﴿إن الله كان علياً﴾ لا بالجهة ﴿كبيراً﴾ لا بالجثة ﴿فاحذروا﴾ واعلموا أن قدرته عليكم أعظم من قدرتكم على أزواجكم وأرقائكم. روي أن أبا مسعود الأنصاري رفع سوطه ليضرب غلاماً له فبصر به رسول الله ﷺ فصاح به : أبا مسعود، الله أقدر منك عليه. فرمى بالسوط وأعتق الغلام. وفيه أنه مع علوه وكبرياء سلطانه تعصونه فيتوب عليكم فأنتم أحق بالعفو إذا رجع الجاني عليكم، أو أنه مع علوه وكبريائه لا يكلفكم إلا ما تطيقون فكذلك لا تكلفوهن محبتكم فلعلهن لا يقدرن على ذلك، أو أنه مع علو شأنه وكبريائه يكتفي من العبيد بالظواهر ولا يهتك السرائر فأنتم أجدر بأن لا تفتشوا عما في قلبها من الحب والبغض إذا صلح حالها في الظاهر، أو أنهن إن ضعفن عن دفع ظلمكم وعجزن عن الانتصاف منكم فالله تعالى قادر قاهر ينتصف لهن منكم.
ثم أخبر أن الدين ليس بالتمني فقال :﴿ولا تتمنوا﴾ فإنه لا يحصل بالتمني ولكن ﴿للرجال﴾ المجتهدين في الله ﴿نصيب﴾ مما جدوا في طلبه ﴿وللنساء﴾ وهم الذين يطلبون من الله غير الله ﴿نصيب﴾ على قدر همتهم في الطلب ﴿واسألوا الله من فضله﴾ فيه معنيان : سلوه من فضله الخاص وهو العلم اللدني ﴿وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً﴾، [النساء: ١١٣] أو سلوه منه ولا تسألوه من غيره ﴿ولكل جعلنا موالي﴾ لكل طالب صادق جعلنا استعداداً في الأزل للوراثة مما ترك والداه وأقرباؤه، طلبه لعدم الاستعداد والمشيئة. والذين جرى بينكم وبينهم عقد الأخوة في الله ﴿فآتوهم﴾ بالنصح وحسن التربية والتسليك ﴿نصيبهم﴾ الذي قدّر لهم ﴿الرجال قوّامون على النساء﴾ بمصالح دينهن ودنياهن بتفضيل الله وهو استعداد الخلافة والوراثة ﴿وبما أنفقوا من أموالهم﴾ أي تجريدهم عن الدنيا وتفريدهم للمولى. ﴿فالصالحات﴾ اللاتي يصلحن للكمال ﴿قانتات﴾ مطيعات لله لهن قلوب ﴿حافظات﴾ لواردات الغيب ﴿بما حفظ الله﴾ عليهن حقائق الغيب وأسراره. ﴿واللاتي تخافون نشوزهن﴾ إذا دارت عليهن كؤوس الواردات كما قيل :
| فأسكر القوم دور كاس | وكان سكري من المدير |
﴿هذا فراق بيني وبينك﴾[الكهف: ٧٨] هذا قانون أرباب الكمال إذا رأوا من أهل الإرادة إمارات الملال أو عربدة من غلبات الأحوال. ﴿وإن خفتم﴾ شقاقاً بين الشيخ الواصل والمريد المتكامل ﴿فابعثوا﴾ متوسطين من المشايخ الكاملين ومن السالكين المعتبرين ﴿إن يريدا إصلاحاً﴾ بينهما بما رأيا فيه صلاحهما ﴿يوفق الله بينهما﴾ بالإرادة وحسن التربية ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً﴾ من الدنيا والعقبى لتتخلقوا بأخلاق الله وتحسنوا إلى الوالدين وغيرهما ﴿إحساناً﴾ بلا شرك ورياء وفخر وخيلاء والله ولي والتوفيق.