فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النساء بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ﴾ هذه الجملة مستأنفة مشتملة على بيان العلة التي استحق بها الرجال الزيادة، كأنه قيل : كيف استحق الرجال ما استحقوا مما لم تشاركهم فيه النساء ؟ فقال :﴿الرجال قَوَّامُونَ﴾ الخ، والمراد : أنهم يقومون بالذب عنهنّ، كما تقوم الحكام والأمراء بالذبّ عن الرعية، وهم أيضاً يقومون بما يحتجن إليه من النفقة والكسوة والمسكن، وجاء بصيغة المبالغة في قوله :﴿قَوَّامُونَ﴾ ليدّل على أصالتهم في هذا الأمر، والباء في قوله :﴿بِمَا فَضَّلَ الله﴾ للسببية والضمير في قوله :﴿بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ﴾ للرجال والنساء، أي : إنما استحقوا هذه المزية لتفضيل الله للرجال على النساء بما فضلهم به من كون فيهم الخلفاء والسلاطين والحكام والأمراء والغزاة، وغير ذلك من الأمور. قوله :﴿وَبِمَا أَنفَقُوا﴾ أي : وبسبب ما أنفقوا من أموالهم، وما مصدرية، أو موصولة، وكذلك هي في قوله :﴿بِمَا فَضَّلَ الله﴾ و " من " تبعيضية، والمراد : ما أنفقوه في الإنفاق على النساء، وبما دفعوه في مهورهنّ من أموالهم، وكذلك ما ينفقونه في الجهاد، وما يلزمهم في العقل.
وقد استدل جماعة من العلماء بهذه الآية على جواز فسخ النكاح إذا عجز الزوج عن نفقة زوجته وكسوتها، وبه قال مالك، والشافعي، وغيرهما.
قوله :﴿فالصالحات﴾ أي : من النساء ﴿قانتات﴾ أي : مطيعات لله قائمات بما يجب عليهنّ من حقوق الله، وحقوق أزواجهنّ ﴿حفظات للْغَيْبِ﴾ أي : لما يجب حفظه عند غيبة أزواجهنّ عنهنّ من حفظ نفوسهنّ، وحفظ أموالهم، «وما » في قوله :﴿بِمَا حَفِظَ الله﴾ مصدرية، أي : بحفظ الله. والمعنى : أنهنّ حافظات لغيب أزواجهنّ بحفظ الله لهنّ ومعونته وتسديده، أو حافظات له بما استحفظهنّ من أداء الأمانة إلى أزواجهن على الوجه الذي أمر الله به، أو حافظات له بحفظ الله لهنّ بما أوصى به الأزواج في شأنهنّ من حسن العشرة، ويجوز أن تكون «ما » موصولة، والعائد محذوف.
وقرأ أبو جعفر :" بِمَا حَفِظَ الله " بنصب الاسم الشريف. والمعنى بما حفظن الله : أي : حفظن أمره، أو حفظن دينه، فحذف الضمير الراجع إليهنّ للعلم به، و«ما » على هذه القراءة مصدرية، أو موصولة، كالقراءة الأولى، أي : بحفظهن الله، أو بالذي حفظن الله به.
قوله :﴿واللاتى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ هذا خطاب للأزواج، قيل : الخوف هنا على بابه، وهو حالة تحدث في القلب عند حدوث أمر مكروه، أو عند ظنّ حدوثه، وقيل المراد : بالخوف هنا العلم. والنشوز : العصيان. وقد تقدّم بيان أصل معناه في اللغة. قال ابن فارس : يقال : نشزت المرأة : استعصت على بعلها، ونشز بعلها عليها : إذا ضربها وجفاها ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ أي : ذكروهنّ بما أوجبه الله عليهن من الطاعة، وحسن العشرة، ورغبوهنّ، ورهبوهنّ، ﴿واهجروهن فِى المضاجع﴾ يقال : هجره، أي : تباعد عنه. والمضاجع : جمع مضجع، وهو محل الاضطجاع، أي : تباعدوا عن مضاجعتهنّ، ولا تدخلوهنّ تحت ما تجعلونه عليكم حال الاضطجاع من الثياب، وقيل : هو أن يوليها ظهره عند الاضطجاع، وقيل : هو كناية عن ترك جماعها. وقيل : لا تبيت معه في البيت الذي يضطجع فيه ﴿واضربوهن﴾ أي : ضرباً غير مبرح. وظاهر النظم القرآني أنه يجوز للزوج أن يفعل جميع هذه الأمور عند مخافة النشوز، وقيل : إنه لا يهجرها إلا بعد عدم تأثير الوعظ، فإن أثر الوعظ لم ينتقل إلى الهجر. وإن كفاه الهجر لم ينتقل إلى الضرب ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾ كما يجب، وتركن النشوز ﴿فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ أي : لا تتعرضوا لهنّ بشيء مما يكرهن لا بقول، ولا بفعل، وقيل : المعنى : لا تكلفوهنّ الحبّ لكم، فإنه لا يدخل تحت اختيارهنّ ﴿إِنَّ الله كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً﴾ إشارة إلى الأزواج بخفض الجناح ولين الجانب، أي : وإن كنتم تقدرون عليهنّ، فاذكروا قدرة الله عليكم، فإنها فوق كل قدرة، والله بالمرصاد لكم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ﴾ يقول : لا يتمنى الرجل، فيقول : ليت أن لي مال فلان وأهله، فنهى الله سبحانه عن ذلك، ولكن يسأل الله من فضله :﴿للرّجَالِ نَصِيبٌ ممَّا اكتسبوا﴾ يعني مما ترك الوالدان والأقربون، للذكر مثل حظ الأنثيين. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة : أن سبب نزول الآية أن النساء قلن : لو جعل أنصباؤنا في الميراث، كأنصباء الرجال ؟ وقال الرجال : إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا في الآخرة، كما فضلنا عليهنّ في الميراث.
وقد تقدم ذكر سبب النزول. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله :﴿واسألوا الله مِن فَضْلِهِ﴾ قال : ليس بعرض الدنيا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير ﴿واسألوا الله مِن فَضْلِهِ﴾ قال : العبادة ليس من أمر الدنيا. وأخرج الترمذي، عن ابن مسعود قال : قال رسول الله ﷺ :«سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن يسأل». قال الترمذي : كذا رواه حماد بن واقد، وليس بالحافظ، ورواه أبو نعيم، عن إسرائيل، عن حكيم بن جبير، عن رجل، عن النبي ﷺ. وحديث أبي نعيم أشبه أن يكون أصح، وكذا رواه ابن جرير، وابن مردويه، ورواه أيضاً ابن مردويه من حديث ابن عباس.
وأخرج البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس ﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا موَالِي﴾ قال : ورثة ﴿والذين عاقدت أيمانكم﴾ قال : كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه للأخوّة التي آخى النبي ﷺ بينهم، فلما نزلت :﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا موَالِي﴾ نسخت، ثم قال :﴿والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾ من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث، ويوصي له. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه :﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِي﴾ قال : عصبة ﴿والذين عاقدت أيمانكم﴾ قال : كان الرجلان أيهما مات، ورثه الآخر، فأنزل الله :﴿وَأُوْلُوا الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كتاب الله مِنَ المؤمنين والمهاجرين إِلاَّ أَن تَفْعَلُوا إلى أَوْلِيَائِكُمْ معْرُوفاً﴾ [الأحزاب: ٦] يقول : إلا أن يوصوا لأوليائهم الذين عاقدوا وصية، فهو لهم جائز من ثلث مال الميت، وهو المعروف. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه في الآية قال : كان الرجل قبل الإسلام يعاقد الرجل يقول : ترثني وأرثك، وكان الأحياء يتحالفون، فقال رسول الله ﷺ :«كل حلف كان في الجاهلية، أو عقد أدركه الإسلام، فلا يزيده الإسلام إلا شدّة، ولا عقد ولا حلف في الإسلام»، فنسختها هذه الآية :﴿وَأُوْلُوا الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥]. وأخرج أبو داود، وابن جرير، وابن مردويه، والبيهقي، عنه في الآية قال : كان الرجل يحالف الرجل ليس بينهما نسب، فيرث أحدهما الآخر، فنسخ ذلك في الأنفال :﴿وَأُوْلُوا الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ﴾.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الحسن : أن رجلاً من الأنصار لطم امرأته، فجاءت تلتمس القصاص، فجعل النبي ﷺ بينهما القصاص، فنزل :﴿وَلاَ تَعْجَلْ بالقرءان مِن قَبْلِ إن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤] فسكت رسول الله ﷺ، ونزل القرآن :﴿الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النساء﴾ الآية، فقال رسول الله ﷺ :«أردنا أمراً وأراد الله غيره» وأخرج ابن مردويه، عن عليّ نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس :﴿الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النساء﴾ يعني أمراء عليهنّ أن تطيعه فيما أمرها الله به من طاعته، وطاعته أن تكون محسنة إلى أهله حافظة لماله ﴿بِمَا فَضَّلَ الله﴾ فضله عليها بنفقته، وسعيه ﴿فالصالحات قانتات﴾ قال : مطيعات ﴿حفظات للْغَيْبِ﴾ يعني : إذا كنّ كذا، فأحسنوا إليهنّ. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة ﴿حافظات للْغَيْبِ﴾ قال : حافظات للغيب بما استودعهنّ الله من حقه، وحافظات لغيب أزواجهنّ. وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد قال :﴿حافظات للْغَيْبِ﴾ للأزواج. وأخرج ابن جرير، عن السدي قال : تحفظ على زوجها ماله، وفرجها حتى يرجع، كما أمرها الله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس ﴿واللاتى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ قال : تلك المرأة تنشز، وتستخفّ بحق زوجها، ولا تطيع أمره، فأمره الله أن يعظها، ويذكرها بالله، ويعظم حقه عليها، فإن قبلت، وإلا هجرها في المضجع، ولا يكلمها من غير أن يذر نكاحها، وذلك عليها تشديد، فإن رجعت، وإلا ضربها ضرباً غير مبرح، ولا يكسر لها عظماً، ولا يجرح بها جرحاً ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ يقول : إذا أطاعتك، فلا تتجنى عليها العلل. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس :﴿واهجروهن فِى المضاجع﴾ قال : لا يجامعها. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، عنه قال : يهجرها بلسانه، ويغلظ لها بالقول، ولا يدع الجماع. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن جرير، عن عكرمة نحوه. وأخرج ابن جرير، عن عطاء : أنه سأل ابن عباس، عن الضرب غير المبرح، فقال : بالسواك، ونحوه. وقد أخرج الترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه، عن عمرو بن الأحوص : أنه شهد خطبة الوداع مع رسول الله ﷺ، وفيها أنه قال النبي ﷺ «ألا واستوصوا بالنساء خيراً، فإنما هنّ عوان عندكم ليس تملكون منهنّ شيئاً غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن، فاهجروهنّ في المضاجع، واضربوهنّ ضرباً غير مبرح ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾» وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن عبد الله بن زمعة قال : قال رسول الله ﷺ :«أيضرب أحدكم امرأته، كما يضرب العبد ؟ ثم يجامعها في آخر اليوم».


وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ﴾ يقول : لا يتمنى الرجل، فيقول : ليت أن لي مال فلان وأهله، فنهى الله سبحانه عن ذلك، ولكن يسأل الله من فضله :﴿للرّجَالِ نَصِيبٌ ممَّا اكتسبوا﴾ يعني مما ترك الوالدان والأقربون، للذكر مثل حظ الأنثيين. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة : أن سبب نزول الآية أن النساء قلن : لو جعل أنصباؤنا في الميراث، كأنصباء الرجال ؟ وقال الرجال : إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا في الآخرة، كما فضلنا عليهنّ في الميراث.
وقد تقدم ذكر سبب النزول. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله :﴿واسألوا الله مِن فَضْلِهِ﴾ قال : ليس بعرض الدنيا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير ﴿واسألوا الله مِن فَضْلِهِ﴾ قال : العبادة ليس من أمر الدنيا. وأخرج الترمذي، عن ابن مسعود قال : قال رسول الله ﷺ :«سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن يسأل». قال الترمذي : كذا رواه حماد بن واقد، وليس بالحافظ، ورواه أبو نعيم، عن إسرائيل، عن حكيم بن جبير، عن رجل، عن النبي ﷺ. وحديث أبي نعيم أشبه أن يكون أصح، وكذا رواه ابن جرير، وابن مردويه، ورواه أيضاً ابن مردويه من حديث ابن عباس.
وأخرج البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس ﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا موَالِي﴾ قال : ورثة ﴿والذين عاقدت أيمانكم﴾ قال : كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه للأخوّة التي آخى النبي ﷺ بينهم، فلما نزلت :﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا موَالِي﴾ نسخت، ثم قال :﴿والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾ من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث، ويوصي له. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه :﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِي﴾ قال : عصبة ﴿والذين عاقدت أيمانكم﴾ قال : كان الرجلان أيهما مات، ورثه الآخر، فأنزل الله :﴿وَأُوْلُوا الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كتاب الله مِنَ المؤمنين والمهاجرين إِلاَّ أَن تَفْعَلُوا إلى أَوْلِيَائِكُمْ معْرُوفاً﴾ [الأحزاب: ٦] يقول : إلا أن يوصوا لأوليائهم الذين عاقدوا وصية، فهو لهم جائز من ثلث مال الميت، وهو المعروف. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه في الآية قال : كان الرجل قبل الإسلام يعاقد الرجل يقول : ترثني وأرثك، وكان الأحياء يتحالفون، فقال رسول الله ﷺ :«كل حلف كان في الجاهلية، أو عقد أدركه الإسلام، فلا يزيده الإسلام إلا شدّة، ولا عقد ولا حلف في الإسلام»، فنسختها هذه الآية :﴿وَأُوْلُوا الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥]. وأخرج أبو داود، وابن جرير، وابن مردويه، والبيهقي، عنه في الآية قال : كان الرجل يحالف الرجل ليس بينهما نسب، فيرث أحدهما الآخر، فنسخ ذلك في الأنفال :﴿وَأُوْلُوا الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ﴾.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الحسن : أن رجلاً من الأنصار لطم امرأته، فجاءت تلتمس القصاص، فجعل النبي ﷺ بينهما القصاص، فنزل :﴿وَلاَ تَعْجَلْ بالقرءان مِن قَبْلِ إن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤] فسكت رسول الله ﷺ، ونزل القرآن :﴿الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النساء﴾ الآية، فقال رسول الله ﷺ :«أردنا أمراً وأراد الله غيره» وأخرج ابن مردويه، عن عليّ نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس :﴿الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النساء﴾ يعني أمراء عليهنّ أن تطيعه فيما أمرها الله به من طاعته، وطاعته أن تكون محسنة إلى أهله حافظة لماله ﴿بِمَا فَضَّلَ الله﴾ فضله عليها بنفقته، وسعيه ﴿فالصالحات قانتات﴾ قال : مطيعات ﴿حفظات للْغَيْبِ﴾ يعني : إذا كنّ كذا، فأحسنوا إليهنّ. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة ﴿حافظات للْغَيْبِ﴾ قال : حافظات للغيب بما استودعهنّ الله من حقه، وحافظات لغيب أزواجهنّ. وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد قال :﴿حافظات للْغَيْبِ﴾ للأزواج. وأخرج ابن جرير، عن السدي قال : تحفظ على زوجها ماله، وفرجها حتى يرجع، كما أمرها الله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس ﴿واللاتى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ قال : تلك المرأة تنشز، وتستخفّ بحق زوجها، ولا تطيع أمره، فأمره الله أن يعظها، ويذكرها بالله، ويعظم حقه عليها، فإن قبلت، وإلا هجرها في المضجع، ولا يكلمها من غير أن يذر نكاحها، وذلك عليها تشديد، فإن رجعت، وإلا ضربها ضرباً غير مبرح، ولا يكسر لها عظماً، ولا يجرح بها جرحاً ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ يقول : إذا أطاعتك، فلا تتجنى عليها العلل. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس :﴿واهجروهن فِى المضاجع﴾ قال : لا يجامعها. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، عنه قال : يهجرها بلسانه، ويغلظ لها بالقول، ولا يدع الجماع. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن جرير، عن عكرمة نحوه. وأخرج ابن جرير، عن عطاء : أنه سأل ابن عباس، عن الضرب غير المبرح، فقال : بالسواك، ونحوه. وقد أخرج الترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه، عن عمرو بن الأحوص : أنه شهد خطبة الوداع مع رسول الله ﷺ، وفيها أنه قال النبي ﷺ «ألا واستوصوا بالنساء خيراً، فإنما هنّ عوان عندكم ليس تملكون منهنّ شيئاً غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن، فاهجروهنّ في المضاجع، واضربوهنّ ضرباً غير مبرح ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾» وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن عبد الله بن زمعة قال : قال رسول الله ﷺ :«أيضرب أحدكم امرأته، كما يضرب العبد ؟ ثم يجامعها في آخر اليوم».

تفسير هذه الآية من كتب أخرى