كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني

عن الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً﴾[النساء: ١٠] الآيَةُ، خَافَ النَّاسُ أنْ لاَ يَعْدِلُواْ فِي أمْوَالِ الْيَتَامَى - وَكَانُوا يَتَزَوَّجُونَ مِنَ النِّسَاءِ مَا شَاءُوا - فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ).
ومعناها : إنْ خِفْتُمْ أنْ لاَ تعدِلُوا في أموالِ اليتامَى ؛ فَخَافُوا في النِّساءِ إذا اجتمعنَ عندَكُم أن لا تعدلُوا بينهنَّ، فَتَزَوَّجُوا ما حَلَّ لكم من النِّساءِ، ولاَ تَنْكِحُوا إلاَّ ما يُمكنكم إمساكهُنَّ : ثِنْتَانِ ثِنْتَانِ ؛ وَثَلاَث ثلاث ؛ وأربع أربعِ، ولا يزيدُوا على أربعِ حرائر. وقيل : معنى الآية : إنْ خِفْتُمْ أن لا تعدِلوا يا معشرَ الأولياءِ في اليتامَى إذا تزوجتُم بهِنَّ ؛ فانْكِحُوا ما حلَّ لكم من النساء غيرهنَّ. وقال مجاهدُ :(مَعْنَاهُ : إنْ خِفْتُمْ فِي ولاَيَةِ الْيَتَامَى إيْمَاناً وتَصْدِيْقاً ؛ فَخَافُوا فِي الزِّنَا، وَانْكِحُوا الطَّيِّبَ مِنَ النِّسَاءِ).
وقال بعضُهم : كانوا يَتَحَرَّجُونَ عن أموالِ اليتامى، ويترخَّصون في النساءِ، ولا يعدلونَ فيهنَّ ويتزوجُون منهنَّ ما شاءُوا فربما عدلوا، وربَّما لم يعدلوا، فلما سألُوا عن أموالِ اليتامى، أنزلَ اللهُ تعالى﴿وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾[النساء: ٢]، وأنزلَ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى﴾[النساء: ٣]، أي كما خِفْتُمْ أن لا تُقْسِطُوا في اليتامى وهَمَّكُمْ ذلكَ ؛ فخافُوا في النساءِ أن لا تعدلُوا فيهنَّ ؛ ولا تزوَّجوا أكثرَ مما يُمكنِكم إمساكهنَّ والقيامُ بحقِّهنَّ ؛ لأن النساءَ كاليتامَى في الضَّعْفِ والعَجْزِ، فما لكم تُرَاقِبُونَ اللهَ في شيء، وَتَعْصُونَهُ في مثلهِ، وهذا قولُ سعيدِ بن جبير وقتادةَ والربيعِ والضحَّاك والسديِّ، وروايةٌ ابنِ عبَّاس.
والإقْسَاطُ في اللغة : الْعَدْلُ، يقال : أقْسَطَ ؛ إذا عَدَلَ، وَقَسَطَ ؛ إذا جَارَ، وإنَّما قال :(مَا طَابَ) ولم يقل مَنْ طَابَ ؛ لأن (ما) مع الفعلِ بمنْزلة المصدر، كأنهُ قالَ : فانكحُوا الطيِّبَ، يعني الحلالَ من النساء. وقرأ ابن أبي عبلةَ :(مَنْ طَابَ) ؛ لأن (ما) لِما لا يعقلُ و (من) لمن يعقل، إلاّ أنَّ عامَّة القُرَّاء والعلماءِ يقولون : إن العربَ تجعلُ (ما) بمعنى (مِن) ؛ و (مِن) بمعنى (ما)، وقد جاءَ القُرْآنُ بذلكَ : قال اللهُ تعالى :﴿وَالسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا﴾[الشمس: ٥]، وقال تعالى :﴿فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾[النور: ٤٥]، وقال تعالى :﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾[الشعراء: ٢٣].
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ بدل مِنْ (طَابَ لَكُمْ) وهو مما لا ينصرفُ، لأن ﴿مَثْنَى﴾ معدولٌ عن اثنين وذلكَ نكرةٌ، و (ثُلاَثَ) معدولٌ عن ثلاثةٍ.
وذهبَ بعض الرَّوَافِضِ إلى استحلالِ تِسْعِ استدلالاً بهذه الآية، ولَيْسَ ذلِكَ بشَيْءٍ، فإنَّ الواوَ هنا بمعنى (أو)، " وروي عن قيسِ بن الْحَارثِ : أنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ ثَمَانِي نِسْوَةٍ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ يُمْسِكَ أرْبَعاً وَيُفَارقَ أرْبَعاً، وَقَالَ ﷺ لِغَيْلاَنَ حِيْنَ أسْلَمَ وَتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ :" أمْسِكْ مِنْهُنَّ أرْبعاً ؛ وَفَارقْ سَائِرَهُنَّ ".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى