التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي
عن الكتاب
ثم شرع - سبحانه - فى نهيهم عن منكر آخر كانوا يباشرونه فقال - تعالى.
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء مثنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ﴾.
وقوله ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ شرط، وجوابه قوله ﴿فانكحوا﴾.
والمراد من الخوف : العلم، وعبر عنه بذلك للأشعار بكون المعلوم مخوفا محذورا. ويقوم الظن الغالب مقام العلم.
وقوله ﴿تُقْسِطُواْ﴾ من الإِقساط وهو العدل. يقال : أقسط الرجل إذا عدل. قال - تعالى - :﴿وأقسطوا إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين﴾ ويقال : قسط الرجل إذا جار وظلم صاحبه. قال - تعالى - ﴿وَأَمَّا القاسطون فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ والمراد " باليتامى : يتامى النساء. قال الزمخشرى : ويقال للاناث اليتامى كما يقال للذكور وهو جمع يتيمة.
ومعنى ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾ ما مالت إليه نفوسكم واستطابته من النساء اللائى أحل الله لكم نكاحهن.
هذا، وللعلماء أقوال فى تفسير هذه الآية الكريمة منها : ما رواه البخارى ومسلم وأبو داود والنسائى وغيرهم عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة - رضى الله عنها - عن هذه الآية فقال : يا ابن أختى هى اليتيمة تكون فى حجر وليها تشركه فى ماله ويعحبه مالها وجمالها.
فيريد وليها أن يتزوجها من غير أن يقسط فى صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره.
قال عروة : قالت عائشة : وإن الناس استفتوا رسول الله ﷺ بعد هذه الآية، فأنزل الله - تعالى - ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النسآء قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ فِي الكتاب فِي يَتَامَى النسآء اللاتي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ قالت عائشة : وقوله الله - تعالى - ﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال. قالت : فنهوا عن أن ينكحوا من رغبوا فى مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط، من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال ".
وعلى هذه الرواية التى ساقها أئمة المحدثين عن عائشة فى المراد من الآية الكريمة يكون المعنى : وإن علمتم أيها الأولياء على النساء اليتامى أنكم لن تعدلوا فيهن إذا تزوجتم بهن - بأن تسيئوا إليهن فى العشرة، أو بأن تمتنعوا عن إعطائهن الصداق المناسب لهن - إذا علمتم ذلك فانكحوا غيرهن من النساء الحلائل اللائى تميل إليهن نفوسكم ولا تظلموا هؤلاء اليامى بنكاحهن دون أن تعطوهون حقوقهن ؛ فإن الله - تعالى - قد وسع عليكم فى نكاح عيرهن.
فالمقصود من الآية الكريمة على هذا المعنى : نهى الأولياء عن نكاح النساء اليتامى اللائى يلونهن عند خوف عدم العدل فيهن، إلا أنه أوثر التعبير عن ذلك بالأمر بنكاح النساء الأجنبيات، كراهة للنهى الصريح عن نكاح اليتيمات، وتلطفا فى صرف المخاطبين عن نكاح التيامى حال العلم بعدم العدل فيهن.
فكأنه - سبحانه - يقول : إن علمتم أيها الأولياء الجور والظلم فى نكاح اليتامى اللائى فى ولايتكم فلا تنكحوهن، وانكحوا غيرهن مما طالب لكم من النساء.
وعلى هذا القول الذى أورده المحدثون عن عائشة - رضى الله عنهما - سار كثير من المفسرين في الآية الكريمة. وبعضهم اقتصر عليه ولم يذكر سواه.
قال بعض العلماء : وكلامها هذا أحسن تفسير لهذه الآية. وهى وإن لم تسند ما قالته إلى رسول الله، إلا أن سياق كلامها يؤذن بأنه عن توقيف ؛ ولذلك أخرجه البخارى فى باب تفسير سورة النساء بسياق الأحاديث المرفوعة، اعتدادا بأنها ما قالت ذلك إلا عن معاينة حال النزول.
لا سيما وقد قالت : ثم إن الناس استفتوا رسول الله - ﷺ - ؛ وعليه يكون إيجاز لفظ الآية اعتدادا بما فهمه الناس مما يعلمون من أحوالهم، وتكون قد جمعت إلى جانب حفظ حقوق اليتامى فى أموالهم الموروثة، حفظ حقوفهم فى الأموال التى يستحقها النساء اليتامى كمهور لهن عند الزوج بهن.. "
أما الرأى الثانى فيرى أصحابه أن الآية مسوقة للنهى عن نكاح ما فوق الأربع خوفا على أموال اليتامى أن يتلفها أولياؤهم.
وقد حكى هذا القول الإِمام ابن جرير فقال : وقال آخرون بل معنى ذلك : النهى عن نكاح ما فوق الأربع، حذرا على أموال اليتامى أن يتلفها أولياؤهم وذلك أن قريشا كان الرجل منهم يتزوج العشر من النساء والأكثر والأقل، فإذا صار معدما مال على مال اليتيمة التى فى حجره فأنفقه، أو تزوج به، فنهوا عن ذلك. وقيل لهم : إن أنتم خفتم على أموال أيتاكم أن تنفقوها فلا تعدلوا فيها من أجل حاجتكم إليها لما يلزمكم من مؤن نسائكم، - إن خفتم ذلك. فلا تجاوزوا فيما تنكحون من عدد النساء على أربع. وإن خفتم أيضاً من الأربع ألا تعدلوا فى أموالهم - أى أموال اليتامى -، فاقتصروا على الواحدة أو على ما ملكت أيمانكم - أى إن كان زواجكم بالأربع يؤدى إلى الجور فى أموال اليتامى فاقتصروا على الزواج بامرأة واحدة - ".
وقد انتصر ابن جرير لهذا القول وعده أرجح الأقوال، فقال ما ملخصه وإنما قلنا : إن ذلك أولى بتأويل الآية ؛ لأن الله - تعالى - افتتح الآية التى قبلها بالنهى عن أكل أموال اليتامى بغير حقها. ثم أعلمهم - هنا - المخلص من الجور فى أموال اليتامى فقال : انكحوا إن أمنتم الجور فى النساء على أنفسكم ما أبحت لكم منهن وحللته : مثنى وثلاث ورباع. فإن خفتم أيضاً الجور على أنفسكم فى أمر الواحدة فلا تنكحوها، ولكن تسروا من المماليك، فإنكم أحرى ألا تجوروا عليهن، لأنهن أملاككم وأموال، ولا يلزمكم لهن من الحقوق كالذى يلزمكم للحرائر، فيكون ذلك اقرب لكم إلى السلام من الإِثم والجور ".
وينسب هذا الرأى إلى ابن عباس وسعيد بن جبير، والسدى، وقتادة، وعكرمة.
وقال مجاهد : إن الآية الكريمة مسوقة للنهى عن الزنا. وقد حكى هذا الرأى صاحب الكشاف فقال : كانوا لا يتحرجون من الزنا. ويتحرجون من ولاية اليامى. فقيل لهم : إن خفتم الجور في حق اليتامى، فخافوا الزنا، فانكحوا ما حل من النساء، ولا تحوموا حول المحرمات ".
هذه أشهر الأقوال فى معنى الآية الكريمة، ويبدو لنا أن أرجحها أولها، لأنه هو الظاهر من معنى الآية، ولأن الغالب أن السيدة عائشة - رضى الله عنها - ما فسرت الآية بهذا التفسير الذى قالته لابن أختلها إلا عن توقيف ومعاينة لحال النزول، ولأن الملازمة بين الشرط والجزاء فى الآية على هذا الوجه تكون ظاهرة. إذ التقدير وإن خفتم أيها الأولياء الجور والظلم فى نكاح اليتامى اللاتى فى ولايتكم فانكحوا من غيرهن ما طاب لكم من النساء.
أما على القول الثانى فمحل الملازمة بين الشرط والجزاء إنما هو فيما تفرع عن الجزاء وهو قوله ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
وعلى قول مجاهد تضعف الملازمة بين الشرط والجزاء.
هذا، والأمر فى قوله ﴿فانكحوا﴾ - على التفسير الأول - للإِباحة كما فى قوله - تعالى - ﴿وكُلُواْ واشربوا...﴾ خلافا للظاهرية الذين يرون أنه للوجوب. و ﴿مَا﴾ فى قوله - تعالى - ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾ موصولة أو موصوفة. وما بعدها صلتها أو صفتها. وأوثرت على ﴿مِّنَ﴾ لأنها أريد بها الصفة وهو الطيب من النساء بدون تحديد لذات معينة، ولو قال ﴿فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ لتبادر إلى الذهن أن المراد نسوة طيبات معروفات بينهم.
وقوله - تعالى - ﴿مثنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ﴾ حال من فاعل ﴿طَابَ﴾ المستتر أو من مرجعه - وهو ﴿مَا﴾ -، أو بدل منه.
وهذه الكلمات الثلاث من ألفاظ العدد. وتدل كل واحدة منها على المكرر من نوعها. فمثنى تدل على اثنين اثنين. وثلاث تدل على ثلاثة ثلاثة. ورباع تدل على أربعة أربعة.
والمراد منها هنا : الإِذن لكل من يريد الجمع أن ينكح ما شاء من العدد المذكور متفقين فيه ومختلفين.
والمعنى : فانكحوا ما طالب لكم من النساء معدودات هذا العدد : ثنتين ثنتين. وثلاثا ثلاثا. وأربعا أربعا. حسبما تريدون وتستطيعون.
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : الذى أطلق للنكاح فى الجمع أن يجمع بين ثنتين أو ثلاث أو أربع. فما معنى التكرير فى مثنى وثلاث ورباع.
قلت : الخطاب للجميع. فوجب التكرير ليصيب كل ناكح يريد الجمع ما أراد من العدد الذى أطلق له. كما تقول للجماعة : اقتسموا هذا المال - وهو ألف درهم - : درهمين درهمين، وثلاثة ثلاثة. وأربعة أربعة. ولو أفردت لم يكن له معنى.
فإن قلت : فلم جاء العطف بالواو دون أو ؟
قلت : كما جاء بالواو فى المثال الذى حذوته لك. ولو ذهبت تقول : اقتسموا هذا المال درهمين درهمين أو ثلاثة ثلاثة أو أربعة أربعة ؛ علمت أنه لا يسوغ لهم أن يقتسموه إلا على أحد أنواع هذه القسمة. وليس لهم أن يجمعوا بينها. فيجعوا بعض القسم على تثنية، وبعضا على تثليث، وبعضا على تربيع، وذهب معنى تجويز الجمع بين أنواع القسمة الذى دلت عليه الواو.
وتحريره : أن الواو دلت على إطلاق أن يأخذ الناكحون من أرادوا نكاحهن من النساء على طريق الجمع : إن شاؤوا مختلفين فى تلك الأعداد، وإن شاؤوا متفقين فيها، محظوراً عليهم ما وراء ذلك ".
ثم بين - سببحاه - لعباده ما ينبغى عليهم فعله فى حال توقعهم عدم العدل بين الزوجات فقال - تعالى ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
فالمراد بالعدل عنا : العدل بين الزوجات المتعددات.
أى : فإن علمتم أنكم لا تعدلون بين الأكثر من الزوجة الواحدة فى القسم والنفقة وحقوق الزوجية بحسب طاقتكم، كما علمتم فى حق اليتامى أنكم لا تعدلون - إذا علمتم ذلك فالزموا زوجة واحدة، أو أى عدد شئتم من السرارى بالغة ما بلغت.
فكأنه - سبحانه - لما وسع عليهم بأن أباح لهم الزواج بالمثنى والثلاث والرباع من النساء، أتبأهم بأنه قد يلزم من هذه التوسعة خوف الميل وعدم العدل. فمن الواجب عليهم حينئذ أن يحترزوا بالتقليل من عدد النساء فيقتصروا على الزوجة الواحدة.
ومفهومه : إباحة الزيادة على الواحدة إذا أمن الجور بين الزوجات المتعدات.
وقوله ﴿فَوَاحِدَةً﴾ منصوب بفعل مضمر والتقدير : فالزموا واحدة أو فاختاروا واحدة فإن الأمر كله يدور مع العدل، فأينما وجدتم العدل فعليكم به.
وقرىء بالرفع أى فحسبكم واحدة. ﴿أَوْ﴾ للتسوية أى سوى - سبحانه - فى السهولة واليسر بين نكاح الحرة الواحدة وبين السرارى من غير تقييد بعدد، لقلة تبعتهن، ولخفة مؤنتهن، وعدم وجوب القسم فيهن.
وقوله ﴿ذلك أدنى أَلاَّ تَعُولُواْ﴾ جملة مستأنفة بمنزلة التعليل مما قبلها.
واسم الإِشارة " ذلك " يعود إلى اختيار الواحدة أو التسرى.
وقوله ﴿أدنى﴾ هنا بمعى أقرب. وهو قرب مجازى. أى أحق وأعون أن لا تعولوا.
وقوله ﴿تَعُولُواْ﴾ مأخوذ من العول وهو فى الأصل الميل المحسوس.
يقال. عال الميزان عولا إذا مال. ثم نقل إلى الميل المعنوى وهو الجور والظلم ؛ ومنه عال الحاكم إذا جار، والمراد هنا الميل المحظور المقابل للعدل.
والمعنى : أن ما ذكر من اختيار الزوجة الواحدة والتسرى، أقرب بالنسبة إلى ما عداهما إلى العدل وإلى عدم الميل المحظور، لأن من اختار زوجة واحدة فقد انتفى عنه الميل والجور رأسا لانتفاء
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء مثنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ﴾.
وقوله ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ شرط، وجوابه قوله ﴿فانكحوا﴾.
والمراد من الخوف : العلم، وعبر عنه بذلك للأشعار بكون المعلوم مخوفا محذورا. ويقوم الظن الغالب مقام العلم.
وقوله ﴿تُقْسِطُواْ﴾ من الإِقساط وهو العدل. يقال : أقسط الرجل إذا عدل. قال - تعالى - :﴿وأقسطوا إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين﴾ ويقال : قسط الرجل إذا جار وظلم صاحبه. قال - تعالى - ﴿وَأَمَّا القاسطون فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ والمراد " باليتامى : يتامى النساء. قال الزمخشرى : ويقال للاناث اليتامى كما يقال للذكور وهو جمع يتيمة.
ومعنى ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾ ما مالت إليه نفوسكم واستطابته من النساء اللائى أحل الله لكم نكاحهن.
هذا، وللعلماء أقوال فى تفسير هذه الآية الكريمة منها : ما رواه البخارى ومسلم وأبو داود والنسائى وغيرهم عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة - رضى الله عنها - عن هذه الآية فقال : يا ابن أختى هى اليتيمة تكون فى حجر وليها تشركه فى ماله ويعحبه مالها وجمالها.
فيريد وليها أن يتزوجها من غير أن يقسط فى صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره.
قال عروة : قالت عائشة : وإن الناس استفتوا رسول الله ﷺ بعد هذه الآية، فأنزل الله - تعالى - ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النسآء قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ فِي الكتاب فِي يَتَامَى النسآء اللاتي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ قالت عائشة : وقوله الله - تعالى - ﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال. قالت : فنهوا عن أن ينكحوا من رغبوا فى مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط، من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال ".
وعلى هذه الرواية التى ساقها أئمة المحدثين عن عائشة فى المراد من الآية الكريمة يكون المعنى : وإن علمتم أيها الأولياء على النساء اليتامى أنكم لن تعدلوا فيهن إذا تزوجتم بهن - بأن تسيئوا إليهن فى العشرة، أو بأن تمتنعوا عن إعطائهن الصداق المناسب لهن - إذا علمتم ذلك فانكحوا غيرهن من النساء الحلائل اللائى تميل إليهن نفوسكم ولا تظلموا هؤلاء اليامى بنكاحهن دون أن تعطوهون حقوقهن ؛ فإن الله - تعالى - قد وسع عليكم فى نكاح عيرهن.
فالمقصود من الآية الكريمة على هذا المعنى : نهى الأولياء عن نكاح النساء اليتامى اللائى يلونهن عند خوف عدم العدل فيهن، إلا أنه أوثر التعبير عن ذلك بالأمر بنكاح النساء الأجنبيات، كراهة للنهى الصريح عن نكاح اليتيمات، وتلطفا فى صرف المخاطبين عن نكاح التيامى حال العلم بعدم العدل فيهن.
فكأنه - سبحانه - يقول : إن علمتم أيها الأولياء الجور والظلم فى نكاح اليتامى اللائى فى ولايتكم فلا تنكحوهن، وانكحوا غيرهن مما طالب لكم من النساء.
وعلى هذا القول الذى أورده المحدثون عن عائشة - رضى الله عنهما - سار كثير من المفسرين في الآية الكريمة. وبعضهم اقتصر عليه ولم يذكر سواه.
قال بعض العلماء : وكلامها هذا أحسن تفسير لهذه الآية. وهى وإن لم تسند ما قالته إلى رسول الله، إلا أن سياق كلامها يؤذن بأنه عن توقيف ؛ ولذلك أخرجه البخارى فى باب تفسير سورة النساء بسياق الأحاديث المرفوعة، اعتدادا بأنها ما قالت ذلك إلا عن معاينة حال النزول.
لا سيما وقد قالت : ثم إن الناس استفتوا رسول الله - ﷺ - ؛ وعليه يكون إيجاز لفظ الآية اعتدادا بما فهمه الناس مما يعلمون من أحوالهم، وتكون قد جمعت إلى جانب حفظ حقوق اليتامى فى أموالهم الموروثة، حفظ حقوفهم فى الأموال التى يستحقها النساء اليتامى كمهور لهن عند الزوج بهن.. "
أما الرأى الثانى فيرى أصحابه أن الآية مسوقة للنهى عن نكاح ما فوق الأربع خوفا على أموال اليتامى أن يتلفها أولياؤهم.
وقد حكى هذا القول الإِمام ابن جرير فقال : وقال آخرون بل معنى ذلك : النهى عن نكاح ما فوق الأربع، حذرا على أموال اليتامى أن يتلفها أولياؤهم وذلك أن قريشا كان الرجل منهم يتزوج العشر من النساء والأكثر والأقل، فإذا صار معدما مال على مال اليتيمة التى فى حجره فأنفقه، أو تزوج به، فنهوا عن ذلك. وقيل لهم : إن أنتم خفتم على أموال أيتاكم أن تنفقوها فلا تعدلوا فيها من أجل حاجتكم إليها لما يلزمكم من مؤن نسائكم، - إن خفتم ذلك. فلا تجاوزوا فيما تنكحون من عدد النساء على أربع. وإن خفتم أيضاً من الأربع ألا تعدلوا فى أموالهم - أى أموال اليتامى -، فاقتصروا على الواحدة أو على ما ملكت أيمانكم - أى إن كان زواجكم بالأربع يؤدى إلى الجور فى أموال اليتامى فاقتصروا على الزواج بامرأة واحدة - ".
وقد انتصر ابن جرير لهذا القول وعده أرجح الأقوال، فقال ما ملخصه وإنما قلنا : إن ذلك أولى بتأويل الآية ؛ لأن الله - تعالى - افتتح الآية التى قبلها بالنهى عن أكل أموال اليتامى بغير حقها. ثم أعلمهم - هنا - المخلص من الجور فى أموال اليتامى فقال : انكحوا إن أمنتم الجور فى النساء على أنفسكم ما أبحت لكم منهن وحللته : مثنى وثلاث ورباع. فإن خفتم أيضاً الجور على أنفسكم فى أمر الواحدة فلا تنكحوها، ولكن تسروا من المماليك، فإنكم أحرى ألا تجوروا عليهن، لأنهن أملاككم وأموال، ولا يلزمكم لهن من الحقوق كالذى يلزمكم للحرائر، فيكون ذلك اقرب لكم إلى السلام من الإِثم والجور ".
وينسب هذا الرأى إلى ابن عباس وسعيد بن جبير، والسدى، وقتادة، وعكرمة.
وقال مجاهد : إن الآية الكريمة مسوقة للنهى عن الزنا. وقد حكى هذا الرأى صاحب الكشاف فقال : كانوا لا يتحرجون من الزنا. ويتحرجون من ولاية اليامى. فقيل لهم : إن خفتم الجور في حق اليتامى، فخافوا الزنا، فانكحوا ما حل من النساء، ولا تحوموا حول المحرمات ".
هذه أشهر الأقوال فى معنى الآية الكريمة، ويبدو لنا أن أرجحها أولها، لأنه هو الظاهر من معنى الآية، ولأن الغالب أن السيدة عائشة - رضى الله عنها - ما فسرت الآية بهذا التفسير الذى قالته لابن أختلها إلا عن توقيف ومعاينة لحال النزول، ولأن الملازمة بين الشرط والجزاء فى الآية على هذا الوجه تكون ظاهرة. إذ التقدير وإن خفتم أيها الأولياء الجور والظلم فى نكاح اليتامى اللاتى فى ولايتكم فانكحوا من غيرهن ما طاب لكم من النساء.
أما على القول الثانى فمحل الملازمة بين الشرط والجزاء إنما هو فيما تفرع عن الجزاء وهو قوله ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
وعلى قول مجاهد تضعف الملازمة بين الشرط والجزاء.
هذا، والأمر فى قوله ﴿فانكحوا﴾ - على التفسير الأول - للإِباحة كما فى قوله - تعالى - ﴿وكُلُواْ واشربوا...﴾ خلافا للظاهرية الذين يرون أنه للوجوب. و ﴿مَا﴾ فى قوله - تعالى - ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾ موصولة أو موصوفة. وما بعدها صلتها أو صفتها. وأوثرت على ﴿مِّنَ﴾ لأنها أريد بها الصفة وهو الطيب من النساء بدون تحديد لذات معينة، ولو قال ﴿فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ لتبادر إلى الذهن أن المراد نسوة طيبات معروفات بينهم.
وقوله - تعالى - ﴿مثنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ﴾ حال من فاعل ﴿طَابَ﴾ المستتر أو من مرجعه - وهو ﴿مَا﴾ -، أو بدل منه.
وهذه الكلمات الثلاث من ألفاظ العدد. وتدل كل واحدة منها على المكرر من نوعها. فمثنى تدل على اثنين اثنين. وثلاث تدل على ثلاثة ثلاثة. ورباع تدل على أربعة أربعة.
والمراد منها هنا : الإِذن لكل من يريد الجمع أن ينكح ما شاء من العدد المذكور متفقين فيه ومختلفين.
والمعنى : فانكحوا ما طالب لكم من النساء معدودات هذا العدد : ثنتين ثنتين. وثلاثا ثلاثا. وأربعا أربعا. حسبما تريدون وتستطيعون.
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : الذى أطلق للنكاح فى الجمع أن يجمع بين ثنتين أو ثلاث أو أربع. فما معنى التكرير فى مثنى وثلاث ورباع.
قلت : الخطاب للجميع. فوجب التكرير ليصيب كل ناكح يريد الجمع ما أراد من العدد الذى أطلق له. كما تقول للجماعة : اقتسموا هذا المال - وهو ألف درهم - : درهمين درهمين، وثلاثة ثلاثة. وأربعة أربعة. ولو أفردت لم يكن له معنى.
فإن قلت : فلم جاء العطف بالواو دون أو ؟
قلت : كما جاء بالواو فى المثال الذى حذوته لك. ولو ذهبت تقول : اقتسموا هذا المال درهمين درهمين أو ثلاثة ثلاثة أو أربعة أربعة ؛ علمت أنه لا يسوغ لهم أن يقتسموه إلا على أحد أنواع هذه القسمة. وليس لهم أن يجمعوا بينها. فيجعوا بعض القسم على تثنية، وبعضا على تثليث، وبعضا على تربيع، وذهب معنى تجويز الجمع بين أنواع القسمة الذى دلت عليه الواو.
وتحريره : أن الواو دلت على إطلاق أن يأخذ الناكحون من أرادوا نكاحهن من النساء على طريق الجمع : إن شاؤوا مختلفين فى تلك الأعداد، وإن شاؤوا متفقين فيها، محظوراً عليهم ما وراء ذلك ".
ثم بين - سببحاه - لعباده ما ينبغى عليهم فعله فى حال توقعهم عدم العدل بين الزوجات فقال - تعالى ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
فالمراد بالعدل عنا : العدل بين الزوجات المتعددات.
أى : فإن علمتم أنكم لا تعدلون بين الأكثر من الزوجة الواحدة فى القسم والنفقة وحقوق الزوجية بحسب طاقتكم، كما علمتم فى حق اليتامى أنكم لا تعدلون - إذا علمتم ذلك فالزموا زوجة واحدة، أو أى عدد شئتم من السرارى بالغة ما بلغت.
فكأنه - سبحانه - لما وسع عليهم بأن أباح لهم الزواج بالمثنى والثلاث والرباع من النساء، أتبأهم بأنه قد يلزم من هذه التوسعة خوف الميل وعدم العدل. فمن الواجب عليهم حينئذ أن يحترزوا بالتقليل من عدد النساء فيقتصروا على الزوجة الواحدة.
ومفهومه : إباحة الزيادة على الواحدة إذا أمن الجور بين الزوجات المتعدات.
وقوله ﴿فَوَاحِدَةً﴾ منصوب بفعل مضمر والتقدير : فالزموا واحدة أو فاختاروا واحدة فإن الأمر كله يدور مع العدل، فأينما وجدتم العدل فعليكم به.
وقرىء بالرفع أى فحسبكم واحدة. ﴿أَوْ﴾ للتسوية أى سوى - سبحانه - فى السهولة واليسر بين نكاح الحرة الواحدة وبين السرارى من غير تقييد بعدد، لقلة تبعتهن، ولخفة مؤنتهن، وعدم وجوب القسم فيهن.
وقوله ﴿ذلك أدنى أَلاَّ تَعُولُواْ﴾ جملة مستأنفة بمنزلة التعليل مما قبلها.
واسم الإِشارة " ذلك " يعود إلى اختيار الواحدة أو التسرى.
وقوله ﴿أدنى﴾ هنا بمعى أقرب. وهو قرب مجازى. أى أحق وأعون أن لا تعولوا.
وقوله ﴿تَعُولُواْ﴾ مأخوذ من العول وهو فى الأصل الميل المحسوس.
يقال. عال الميزان عولا إذا مال. ثم نقل إلى الميل المعنوى وهو الجور والظلم ؛ ومنه عال الحاكم إذا جار، والمراد هنا الميل المحظور المقابل للعدل.
والمعنى : أن ما ذكر من اختيار الزوجة الواحدة والتسرى، أقرب بالنسبة إلى ما عداهما إلى العدل وإلى عدم الميل المحظور، لأن من اختار زوجة واحدة فقد انتفى عنه الميل والجور رأسا لانتفاء