البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
مثنى وثلاث ورباع : معدولة عن اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة.
ولا يراد بالمعدول عنه التوكيد، إنما يراد بذلك تكرار العدد إلى غاية المعدود.
كقوله : ونفروا بعيراً بعيراً، وفصلت الحساب لك باباً باباً، ويتحتم منع صرفها لهذا العدل.
والوصف على مذهب سيبويه والخليل وأبي عمرو، وأجاز الفرّاء أن تصرف، ومنع الصرف عنده أولى.
وعلة المنع عنده العدل والتعريف بنية الألف واللام، وامتنع عنده إضافتها لأنها في نية الألف واللام.
وامتنع ظهور الألف واللام لأنها في نية الإضافة، وقد ذكرنا الردّ عليه في كتاب التكميل من تأليفنا.
وقال الزمخشري : إنما منعت الصرف لما فيها من العدلين : عدلها عن صيغتها، وعدلها عن تكريرها.
وهي نكرات تعرفن بلام التعريف يقال : فلان ينكح المثنى والثلاث والرباع انتهى كلامه.
وما ذهب إليه من امتناع الصرف لما فيها من العدلين : عدلها عن صيغتها، وعدلها عن تكرّرها، لا أعلم أحداً ذهب إلى ذلك، بل المذاهب في علة منع الصرف المنقولة أربعة : أحدها : ما نقلناه عن سيبويه.
والثاني : ما نقلناه عن الفراء.
والثالث : ما نقل عن الزجاج وهو لأنها معدولة عن اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، وأنه عدل عن التأنيث.
والرابع : ما نقله أبو الحسن عن بعض النحويين أن العلة المانعة من الصرف هي تكرار العدل فيه، لأنه عدل عن لفظ اثنين وعدل عن معناه.
وذلك أنه لا يستعمل في موضع تستعمل فيه الأعداد غير المعدولة تقول : جاءني اثنان وثلاثة، ولا يجوز : جاءني مثنى وثلاث حتى يتقدّم قبله جمع، لأن هذا الباب جعل بياناً لترتيب الفعل.
فإذا قال : جاءني القوم مثنى، أفاد أن ترتيب مجيئهم وقع اثنين اثنين.
فأما الاعداد غير المعدولة فإنما الغرض منها الإخبار عن مقدار المعدودون غيره.
فقد بان بما ذكرنا اختلافهما في المعنى، فلذلك جاز أن تقوم العلة مقام العلتين لإيجابهما حكمين مختلفين انتهى ما قرر به هذا المذهب.
وقد ردّ الناس على الزجاج قوله : أنه عدل عن التأنيث بما يوقف عليه في كتب النحو، والزمخشري لم يسلك شيئاً من هذه العلل المنقولة، فإن كان تقدّمه سلف ممن قال ذلك فيكون قد تبعه، وإلا فيكون مما انفرد بمقالته.
وأما قوله : يعرفن بلام التعريف، يقال : فلان ينكح المثنى والثلاث والرباع، فهو معترض من وجهين : أحدهما : زعمه أنها تعرف بلام التعريف، وهذا لم يذهب إليه أحد، بل لم يستعمل في لسان العرب إلا نكرات.
والثاني : أنه مثل بها، وقد وليت العوامل في قوله : فلان ينكح المثنى، ولا يلي العوامل، إنما يتقدّمها ما يلي العوامل، ولا تقع إلا خبراً كما جاء :« صلاة الليل مثنى » أو حالاً نحو :﴿ما طاب لكم من النساء مثنى﴾ أو صفه نحو :﴿أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع﴾ وقوله :
ذئاب يبغى الناس مثنى وموحدا *** وقد تجيء مضافة قليلاً نحو، قول الآخر :
بمثنى الزقاق المترعات وبالجزر *** وقد ذكر بعضهم أنها تلي العوامل على قلة، وقد يستدل له بقول الشاعر :
ضربت خماس ضربة عبشميأدار سداس أن لا يستقيما
ومن أحكام هذا المعدول أنه لا يؤنث، فلا تقول : مثناة، ولا ثلاثة، ولا رباعة، بل يجري بغير تاء على المذكر والمؤنث.
عال : يعول عولاً وعيالة، مال.
وميزان فلان عائل.
وعال الحاكم في حكمه جار، وقال أبو طالب في النبي ﷺ :
له شاهد من نفسه غير عائل *** وحكى ابن الأعرابي : أن العرب تقول : عال الرجل يعول كثر عياله.
ويقال : عال يعيل افتقر وصار عالة.
وعال الرجل عياله يعولهم ما نهم ومنه :« ابدأ بنفسك ثم بمن تعول » والعول في الفريضة مجاوزته لحد السهام المسماة.
وجماع القول في عال : أنها تكون لازمة ومتعدية.
فاللازمة بمعنى : مال، وجار، وكثر عياله، وتفاقم، وهذا مضارعه يعول.
وعال الرجل افتقر، وعال في الأرض ذهب فيها، وهذا مضارعه يعيل.
والمتعدية بمعنى أثقل، ومان من المؤنة.
وغلب منه أعيل صبري وأعجز.
وإذا كان بمعنى أعجز فهو من ذوات الياء، تقول : عالني الشيء يعيلني عيلاً ومعيلاً أعجزني، وباقي المتعدّي من ذوات الواو.
﴿وإن خفتم أَلاَّ تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ ثبت في صحيح مسلم عن عائشة أنها قالت :« نزلت في أولياء اليتامى الذين يعبجهم جمال ولياتهم فيريدون أن يبخسوهم في المهر لمكان ولا يتهم عليهن.
قيل لهم : أقسطوا في مهورهن، فمن خاف أن لا يقسط فليتزوج ما طاب له من الاجنبيات اللواتي يماكسن في حقوقهن.
وقاله أيضاً ربيعة.
وقال عكرمة : نزلت في قريش يتزوج منهم الرجل العشرة وأكثر وأقل، فإذا ضاق ماله مال على مال يتيمه فيتزوج منه، فقيل له : إن خفتم عجز أموالكم حتى تجوروا في اليتامى فاقتصروا.
وقال ابن عباس، وابن جبير، وقتادة، والسدي : كانت العرب تتحرج في أموال اليتامى ولا تتحرج في العدل بين النساء، يتزوجون العشرة فأكثر، فنزلت في ذلك أي : كما تخافون أن لا تقسطوا في اليتامى فكذلك فتحرجوا في النساء، وانكحوا على هذا الحد الذي يبعد الجور عنه.
وقال مجاهد : إنما الآية تحذير من الزنا وزجر عنه، كما تتحرجون في مال اليتامى فكذلك تحرجوا من الزنا، وانكحوا على ما حد لكم.
وعلى هذه الأقوال غير الأول لا يختص اليتامى بإناث ولا ذكور، وعلى ما روي عن عائشة يكون مختصاً بالإناث كأنه قيل في يتامى النساء.
والظاهر من هذه الأقوال أن يكون التقدير : وإن خفتم أن لا تقسطوا في نكاح يتامى النساء فانكحوا ما طاب لكم من غيرهن، لما أمروا بأن يؤتوا اليتامى أموالهم، ونهوا عن الاستبدال المذكور، وعن أكل أموال اليتامى، كان في ذلك مزيد اعتناء باليتامى واحتراز من ظلمهم كما قال تعالى :﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً﴾ فخوطب أولياء يتامى النساء أو الناس بقوله : وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى أي : في نكاح يتامى النساء، فانكحوا غيرهن، وعلى هذا الذي اخترناه من أن المعنى في نكاح اليتامى.
فاليتامى إن كان أريد به اليتم الشرعي فينطلق على الصغيرات اللاتي لم يبلغن.
وقد استدل بذلك أبو حنيفة على جواز نكاح اليتيمة قبل البلوغ وقال : أما بعد البلوغ فليست يتيمة، بدليل أنها لو أرادت أن تحط عن صداق مثلها جاز لها.
خلافاً لمالك والشافعي والجمهور إذ قالوا : لا يجوز وإن كان المراد اليتم اللغوي، فيندرج فيه البالغات، والبالغة يجوز تزويجها بدون مهر المثل إذا رضيت، فأي معنى للعدول إلى نكاح غيرها ؟ والجواب : أن العدول إنما كان لأن الوليّ يستضعفها ويستولي على مالها وهي لا تقدر على مقاومته، وإذا كان المراد باليتامى هنا البالغات فلا حجة لأبي حنيفة في الآية على جواز تزويج الصغيرة التي لم تبلغ.
ومعنى : خفتم حذرتم، وهو على موضوعه في اللغة من أن الخوف هو الحذر.
وقال أبو عبيدة : معنى خفتم هنا أيقنتم، وخاف تكون بمعنى أيقن، ودليله قول الشاعر :
فقلت لهم خافوا بألفي مدحج *** وما قاله لا يصح، لا يثبت من كلام العرب خاف بمعنى أيقن، وإنما خاف من أفعال التوقع، وقد يميل فيه الظن إلى أحد الجائزين.
وقد روى ذلك البيت : فقلت لهم : ظنوا بألفي مدحج.
هذه الرواية أشهر من خافوا.
قال الراغب : الخوف يقال فيما فيه رجاء مّا، ولهذا لا يقال : خفت أن لا أقدر على بلوغ السماء، أو نسف الجبال انتهى.
ومعنى أن لا تقسطوا أي : أن لا تعدلوا.
أي : وإن خفتم الجور وأقسط : بمعنى عدل.
وقرأ النخعي وابن وثاب تقسطوا بفتح التاء من قسط، والمشهور في قسط أنه بمعنى جار.
وقال الزجاج : ويقال قسط بمعنى أقسط أي عدل.
فإن حملت هذه القراءة على مشهور اللغة كانت لا زائدة، أي : وإن خفتم أن تقسطوا أي : إن تجوروا، لأن المعنى لا يتم إلا باعتقاد زيادتها.
وإن حملت على أن تقسطوا بمعنى تقسطوا، كانت للنفي كما في تقسطوا.
وقرأ ابن أبي عبلة من طاب.
وقرأ الجمهور : ما طاب.
فقيل : ما بمعنى من، وهذا مذهب من يجوز وقوع ما على آحاد العقلاء، وهو مذهب مرجوح.
وقيل : عبر بما عن النساء، لأن إناث العقلاء لنقصان عقولهن يجرين مجرى غير العقلاء.
وقيل : ما واقعة على النوع، أي : فانكحوا النوع الذي طاب لكم من النساء، وهذا قول أصحابنا أنّ ما تقع على أنواع من يعقل.
وقال أبو العباس : ما لتعميم الجنس على المبالغة، وكان هذا القول هو القول الذي قبله.
وقيل : ما مصدرية، والمصدر مقدّر باسم الفاعل.
والمعنى : فانحوا النكاح الذي طاب لكم.
وقيل : ما نكرة موصوفة، أي : فانكحوا جنساً أو عدداً يطيب لكم.
وقيل : ما ظرفية مصدرية، أي : مدة طيب النكاح لكم.
والظاهر أنّ ما مفعولة بقوله : فانكحوا، وأنّ من النساء معناه : من البالغات.
ومن فيه إما لبيان الجنس للإبهام الذي في ما على مذهب من يثبت لها هذا المعنى، وإمّا للتبعيض وتتعلق بمحذوف أي : كائناً من النساء، ويكون في موضع الحال.
وأما إذا كانت ما مصدرية أو ظرفية، فمفعول فانكحوا هو من النساء، كما تقول : أكلتُ من الرغيف، والتقدير فيه : شيئاً من الرغيف.
ولا يجوز أن يكون مفعول فانكحوا مثنى، لأن هذا المعدول من العدد لا يلي العوامل كما تقرر في المفردات.
وقرأ ابن أبي إسحاق والجحدري والأعمش طاب بالإمالة.
وفي مصحف أبي طيب بالياء، وهو دليل الإمالة.
وظاهر فانكحوا الوجوب، وبه قال أهل الظاهر مستدلين بهذا الأمر وبغيره.
وقال غيرهم : هو ندب لقوم، وإباحة لآخرين بحسب قرائن المرء، والنكاح في الجملة مندوب إليه.
ومعنى ما طاب : أي ما حل، لأن المحرمات من النساء كثير قاله : الحسن وابن جبير وأبو مالك.
وقيل : ما استطابته النفس ومال إليه القلب.
قالوا : ولا يتناول قوله فانكحوا العبيد.
ولما كان قوله : ما طاب لكم من النساء عامّاً في الأعداد كلها، خص ذلك بقوله : مثنى وثلاث ورباع.
فظاهر هذا التخصيص تقسيم المنكوحات إلى أنَّ لنا أن أن نتزوج اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، ولا يجوز لنا أن نتزوج خمسة خمسة، ولا ما بعد ذلك من الاعداد.
وذلك كما تقول : أقسم الدراهم بين الزيدين درهمين درهمين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، فمعنى ذلك أن تقع القسمة على هذا التفصيل دون غيره.
فلا يجوز لنا أن نعطي أحداً من المقسوم عليهم خمسة خمسة، ولا يسوغ دخول أو هنا مكان الواو، لأنه كان يصير المعنى أنهم لا ينكحون كلهم إلا على أحد أنواع العدد المذكور، وليس لهم أن يجعلوا بعضه على تثنية وبعضه على تثليث وبعضه على تربيع، لأن أو لأحد الشيئين أو الأشياء.
والواو تدل على مطلق الجمع، فيأخذ الناكحون من أرادوا نكاحها على طريق الجميع إن شاؤوا مختلفين في تلك الأعداد، وإن شاؤوا متفقين فيها محظوراً عليهم ما زاد.
وذهب بعض الشيعة : إلى أنه يجوز النكاح بلا عدد، كما يجوز التسري بلا عدد.
وليست الآية تدل على توقيت في العدد، بل تدل على الإباحة كقولك : تناول ما أحببت واحداً واثنين وثلاثاً.
وذكر بعض مقتضى العموم جاء على طريق التبيين، ولا يقتضي الاقتصار عليه.
وذهب بعضهم إلى أ

تفسير هذه الآية من كتب أخرى