فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِى اليتامى فانكحوا﴾ وجه ارتباط الجزاء بالشرط أن الرجل كان يكفل اليتيمة لكونه ولياً لها ويريد أن يتزوجها، فلا يقسط لها في مهرها، أي : يعدل فيه، ويعطيها ما يعطيها غيره من الأزواج، فنهاهم الله أن ينكحوهنّ إلا أن يقسطوا لهنّ، ويبلغوا بهنّ أعلى ما هو لهنّ من الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهنّ من النساء سواهنّ، فهذا سبب نزول الآية كما سيأتي، فهو نهي يخص هذه الصورة. وقال جماعة من السلف : إن هذه الآية ناسخة لما كان في الجاهلية، وفي أوّل الإسلام من أن للرجل أن يتزوج من الحرائر ما شاء، فقصرهم بهذه الآية على أربع، فيكون وجه ارتباط الجزاء بالشرط أنهم إذا خافوا ألا يقسطوا في اليتامى، فكذلك يخافون ألا يقسطوا في النساء، لأنهم كانوا يتحرجون في اليتامى، ولا يتحرجون في النساء، والخوف من الأضداد، فإن المخوف قد يكون معلوماً، وقد يكون مظنوناً، ولهذا اختلف الأئمة في معناه في الآية، فقال أبو عبيدة :﴿خِفْتُمْ﴾ بمعنى أيقنتم. وقال آخرون :﴿خِفْتُمْ﴾ بمعنى ظننتم. قال ابن عطية : وهو الذي اختاره الحذاق، وأنه على بابه من الظن لا من اليقين، والمعنى : من غلب على ظنه التقصير في العدل لليتيمة، فليتركها، وينكح غيرها.
وقرأ النخعي وابن وثاب :" تُقْسِطُوا " بفتح التاء من قسط : إذا جار، فتكون هذه القراءة على تقدير زيادة " لا "، كأنه قال : وإن خفتم أن تقسطوا. وحكى الزجاج أن أقسط يستعمل استعمال قسط، والمعروف عند أهل اللغة أن أقسط بمعنى عدل، وقسط بمعنى جار. و«ما » في قوله :﴿مَا طَابَ﴾ موصولة، وجاء " بما " مكان " من ". لأنهما قد يتعاقبان، فيقع كل واحد منهما مكان الآخر كما في قوله :﴿والسماء وَمَا بناها﴾ [الشمس: ٥] ﴿فَمِنْهُمْ من يَمْشِي على بَطْنِهِ﴾ ﴿وَمِنهُمْ من يَمْشِي على أَرْبَع﴾ [النور: ٤٥]. وقال البصريون : إن «ما » تقع للنعوت كما تقع لما لا يعقل، يقال ما عندك ؟ فيقال ظريف وكريم، فالمعنى : فانكحوا الطيب من النساء، أي : الحلال، وما حرّمه الله، فليس بطيب، وقيل : إن «ما » هنا مدّية، أي : ما دمتم مستحسنين للنكاح، وضعفه ابن عطية. وقال الفراء : إن «ما » ها هنا مصدرية. قال النحاس : وهذا بعيد جداً. وقرأ ابن أبي عبلة :﴿فانكحوا منْ طَابَ﴾. وقد اتفق أهل العلم على أن هذا الشرط المذكور في الآية لا مفهوم له، وأنه يجوز لمن لم يخف أن يقسط في اليتامى أن ينكح أكثر من واحدة، و«من » في قوله :﴿منَ النساء﴾ إما بيانية، أو تبعيضية، لأن المراد غير اليتائم. قوله :﴿مثنى وثلاث وَرُبَاعَ﴾ في محل نصب على البدل من «ما » كما قاله أبو علي الفارسي. وقيل : على الحال، وهذه الألفاظ لا تنصرف للعدل والوصفية، كما هو مبين في علم النحو، والأصل : انكحوا ما طاب لكم من النساء اثنتين اثنتين، وثلاثاً ثلاثاً، وأربعاً أربعاً.
وقد استدل بالآية على تحريم ما زاد على الأربع، وبينوا ذلك بأنه خطاب لجميع الأمة، وأن كل ناكح له أن يختار ما أراد من هذا العدد، كما يقال للجماعة : اقتسموا هذا المال، وهو ألف درهم، أو هذا المال الذي في البدرة درهمين درهمين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة. وهذا مسلم إذا كان المقسوم قد ذكرت جملته، أو عين مكانه، أما لو كان مطلقاً، كما يقال : اقتسموا الدراهم، ويراد به ما كسبوه، فليس المعنى هكذا. والآية من الباب الآخر لا من الباب الأوّل. على أن من قال لقوم يقتسمون مالاً معيناً كثيراً اقتسموه مثنى وثلاث ورباع، فقسموا بعضه بينهم درهمين درهمين، وبعضه ثلاثة ثلاثة، وبعضه أربعة أربعة، كان هذا هو المعنى العربيّ، ومعلوم أنه إذا قال القائل جاءني القوم مثنى، وهم مائة ألف. كان المعنى أنهم جاؤوه اثنين اثنين، وهكذا في جاء القوم ثلاث ورباع، والخطاب للجميع بمنزلة الخطاب لكل فرد فرد، كما في قوله تعالى :﴿اقتلوا المشركين﴾ [التوبة: ٥] ﴿أَقِيمُوا الصلاة﴾ [النور: ٥٦]، ﴿آتَوا الزكاة﴾ [النور: ٥٦] ونحوها، فقوله :﴿فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ منَ النساء مثنى وثلاث وَرُبَاعَ﴾ معناه لينكح كل فرد منكم ما طاب له من النساء اثنتين اثنتين، وثلاثاً ثلاثاً، وأربعاً أربعاً، هذا ما تقتضيه لغة العرب.
فالآية تدلّ على خلاف ما استدلوا بها عليه، ويؤيد هذا قوله تعالى في آخر الآية :﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فواحدة﴾ فإنه وإن كان خطاباً للجميع، فهو بمنزلة الخطاب لكل فرد فرد. فالأولى أن يستدل على تحريم الزيادة على الأربع بالسنة لا بالقرآن.
وأما استدلال من استدّل بالآية على جواز نكاح التسع باعتبار الواو الجامعة، فكأنه قال : انكحوا مجموع هذا العدد المذكور، فهذا جهل بالمعنى العربي، ولو قال : انكحوا اثنتين وثلاثاً وأربعا كان هذا القول له وجه، وأما مع المجيء بصيغة العدل فلا، وإنما جاء سبحانه بالواو الجامعة دون «أو »، لأن التخيير يشعر بأنه لا يجوز إلا أحد الأعداد المذكورة دون غيره، وذلك ليس بمراد من النظم القرآني. وقرأ النخعي، ويحيى بن وثاب «ثلث وربع » بغير ألف.
قوله :﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فواحدة﴾ فانكحوا واحدة، كما يدل على ذلك قوله :﴿فانكحوا مَا طَابَ﴾ وقيل : التقدير فالزموا، أو فاختاروا واحدة. والأول أولى، والمعنى : فإن خفتم ألا تعدلوا بين الزوجات في القسم، ونحوه، فانكحوا واحدة، وفيه المنع من الزيادة على الواحدة لمن خاف ذلك. وقرئ بالرفع على أنه مبتدأ والخبر محذوف. قال الكسائي : أي فواحدة تقنع. وقيل التقدير : فواحدة فيها كفاية، ويجوز أن تكون واحدة على قراءة الرفع خبر مبتدأ محذوف، أي : فالمقنع واحدة. قوله :﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم﴾ معطوف على واحدة، أي : فانكحوا واحدة، أو انكحوا ما ملكت أيمانكم من السراري، وإن كثر عددهنّ، كما يفيده الموصول. والمراد : نكاحهن بطريق الملك لا بطريق النكاح، وفيه دليل على أنه لا حق للمملوكات في القسم، كما يدل على ذلك جعله قسيماً للواحدة في الأمن من عدم العدل، وإسناد الملك إلى اليمين، لكونها المباشرة لقبض الأموال، وإقباضها، ولسائر الأمور التي تنسب إلى الشخص في الغالب، ومنه :
إذا ما راية نصبت لمجدتلقاها عرابة باليمين
قوله :﴿ذلك أدنى أَلاَّ تَعُولُوا﴾ أي : ذلك أقرب إلى ألا تعولوا، أي : تجوروا، من عال الرجل يعول : إذا مال وجار، ومنه قولهم عال السهم عن الهدف : مال عنه، وعال الميزان إذا مال، ومنه :
قالوا اتبعنا رسول الله واطرحواقول الرسول وعالوا في الموازين
ومنه قول أبى طالب :
بميزان صدق لا يغل شعيرةله شاهد من نفسه غير عائل
ومنه أيضاً :
فنحن ثلاثة وثلاث ذودلقد عال الزمان على عيال
والمعنى : إن خفتم عدم العدل بين الزوجات، فهذه التي أمرتم بها أقرب إلى عدم الجور، ويقال عال الرجل يعيل : إذا افتقر، وصار عالة، ومنه قوله تعالى :
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ [التوبة: ٢٨]، ومنه قول الشاعر :
وما يدري الفقير متى غناهوما يدري الغنيّ متى يعيل
وقال الشافعي :﴿أَلاَّ تَعُولُوا﴾ ألا تكثر عيالكم. قال الثعلبي : وما قال هذا غيره، وإنما يقال أعال يعيل : إذا كثر عياله. وذكر ابن العربي أن عال تأتي لسبعة معان : الأوّل عال : مال. الثاني زاد. الثالث جار. الرابع افتقر الخامس أثقل، السادس قام بمؤونة العيال، ومنه قوله ﷺ :«وابدأ بمن تعول »، السابع عال غلب، ومنه عيل صبري، قال : ويقال أعال الرجل : كثر عياله. وأما عال بمعنى كثر عياله، فلا يصح، ويجاب عن إنكار الثعلبي لما قاله الشافعي، وكذلك إنكار ابن العربي لذلك، بأنه قد سبق الشافعي إلى القول به زيد بن أسلم وجابر بن زيد، وهما إمامان من أئمة المسلمين لا يفسران القرآن هما، والإمام الشافعي بما لا وجه له في العربية. وقد أخرج ذلك عنهما الدارقطني في سننه. وقد حكاه القرطبي عن الكسائي، وأبي عمر الدوري، وابن الأعرابي، وقال أبو حاتم : كان الشافعي أعلم بلغة العرب منا، ولعله لغة. وقال الثعلبي : قال أستاذنا أبو القاسم بن حبيب : سألت أبا عمر الدوري عن هذا، وكان إماماً في اللغة غير مدافع، فقال : هي لغة حمير، وأنشد :
وإن الموت يأخذ كل حيبلا شك وإن أمشي وعالا
أي : وإن كثرت ماشيته وعياله. وقرأ طلحة بن مصرف :«أَن لا تعيلوا » قال ابن عطية : وقدح الزجاج في تأويل عال من العيال بأن الله سبحانه قد أباح كثرة السراري، وفي ذلك تكثير العيال، فكيف يكون أقرب إلى أن لا يكثروا، وهذا القدح غير صحيح، لأن السراري إنما هي مال يتصرف فيه بالبيع، وإنما العيال الحرائر ذوات الحقوق الواجبة. وقد حكى ابن الأعرابي أن العرب تقول : عال الرجل إذا كثر عياله، وكفى بهذا.
وقد ورد عال لمعان غير السبعة التي ذكرها ابن العربي، منها عال : اشتدّ وتفاقم، حكاه الجوهري، وعال الرجل في الأرض : إذا ضرب فيها، حكاه الهروي، وعال : إذا أعجز، حكاه الأحمر، فهذه ثلاثة معان غير السبعة والرابع عال كثر عياله، فجملة معاني عال أحد عشر معنى.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله :﴿خَلَقَكُمْ من نفْسٍ واحدة﴾ قال : آدم ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ قال : حواء من قصيري آدم، أي : قصيري أضلاعه. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس مثله.
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر قال : خلقت حواء من خلف آدم الأيسر. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك قال : من ضلع الخلف، وهو من أسفل الأضلاع. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس :﴿واتقوا الله الذى تَسَاءلُونَ بِهِ﴾ قال : تعاطون به. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الربيع قال : تعاقدون وتعاهدون. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال : يقول أسألك بالله والرحم. وأخرج ابن جرير، عن الحسن نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال : اتقوا الله الذي تساءلون به، واتقوا الأرحام، وصلوها.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد :﴿إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ قال : حفيظاً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير قال : إن رجلاً من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له، فلما بلغ اليتيم طلب ماله، فمنعه عمه، فخاصمه إلى النبي ﷺ، فنزلت :﴿وَآتُوا اليتامى أموالهم﴾ يعني الأوصياء، يقول : أعطوا اليتامى أموالهم :﴿وَلاَ تَتَبَدَّلُوا الخبيث بالطيب﴾ يقول : لا تستبدلوا الحرام من أموال الناس بالحلال من أموالكم، يقول : لا تذروا أموالكم الحلال، وتأكلوا أموالهم الحرام. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في شعب الإيمان، عن مجاهد قال : لا تعجل بالرزق الحرام قبل أن يأتيك الحلال الذي قدّر لك :﴿وَلاَ تَأْكُلُوا أموالهم إلى أموالكم﴾ قال : مع أموالكم تخلطونها، فتأكلونها جميعاً ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوباً﴾ إثماً. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد في الآية قال : كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء، ولا يورثون الصغار يأخذه الأكبر، فنصيبه من الميراث طيب، وهذا الذي يأخذ خبيث. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة قال : مع أموالكم. وأخرج ابن جرير، عن الحسن قال : لما نزلت هذه الآية في أموال اليتامى كرهوا أن يخالطوهم، وجعل وليّ اليتيم يعزل مال اليتيم عن ماله، فشكوا ذلك إلى النبي ﷺ، فأنزل الله :﴿ويَسْأَلُونَكَ عَنِ اليتامى قُلْ إِصْلاَحٌ لهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فإخوانكم﴾ [البقرة: ٢٢٠] قال : فخالطوهم.
وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما : أن عروة سأل عائشة عن قول الله عز وجل :﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِى اليتامى﴾ قالت : يا بن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في مالها، ويعجبه مالها، وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا عن أن ينكحوهنّ إلا أن يقسطوا لهنّ، ويبلغوا بهنّ أعلى سننهنّ في الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهنّ، وأن الناس قد استفتوا رسول الله ﷺ بعد هذه الآية، فأنزل الله :
﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى النساء﴾ [النساء: ١٢٧] قالت عائشة : وقول الله في الآية الأخرى :﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال، والجمال، فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها، وجمالها من باقي النساء إلا بالقسط، من أجل رغبتهم عنهنّ إذا كن قليلات المال، والجمال. وأخرج البخاري، عن عائشة : أن رجلاً كانت له يتيمة، فنكحها، وكان لها عذق، فكان يمسكها عليه، ولم يكن لها من نفسه شيء، فنزلت :﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِى اليتامى﴾ أحسبه قال : كانت شريكته في ذلك العذق، وفي ماله. وقد روي هذا المعنى من طرق. وأخرج ابن جرير، من طريق العوفي، عن ابن عباس في الآية قال : كان الرجل يتزوج بمال اليتيم ما شاء الله تعالى، فنهى الله عن ذلك. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه قال : قصر الرجال على أربع نسوة من أجل أموال اليتامى.
وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله :﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِى اليتامى﴾ قال : كان الرجل يتزوج ما شاء، فقال : كما تخافون ألا تعدلوا في اليتامى، فخافوا في النساء ألا تعدلوا فيهنّ، فقصرهم على الأربع. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في الآية قال : كانوا في الجاهلية ينكحون عشراً من النساء الأيامى، وكانوا يعظمون شأن اليتيم، فتفقدوا من دينهم شأن اليتامى، وتركوا ما كانوا ينكحون في الجاهلية. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه في الآية قال : كما خفتم ألا تعدلوا في اليتامى، فخافوا ألا تعدلوا في النساء إذا جمعتموهنّ عندكم. وأخرج ابن أبي حاتم، من طريق محمد بن أبي موسى الأشعري عنه قال : فإن خفتم الزنا، فانكحوهن، يقول : كما خفتم في أموال اليتامى ألا تقسطوا فيها، فكذلك فخافوا على أنفسكم ما لم تنكحوا. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد نحوه.
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي مالك :﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾ قال : ما أحلّ لكم. وأخرج ابن جرير، عن الحسن، وسعيد بن جبير مثله. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن عائشة نحوه. وأخرج الشافعي، وابن أبي شيبة، وأحمد، والترمذي، وابن ماجه، والنحاس في ناسخه، والدارقطني، والبيهقي، عن ابن عمر : أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم، وتحته عشر نسوة، فقال له النبي ﷺ :«اختر منهنّ» وفي لفظ :«أمسك منهنّ أربعاً، وفارق سائرهن» هذا الحديث أخرجه هؤلاء المذكورون من طرق، عن إسماعيل بن علية، وغندر، وزيد بن زريع، وسعيد بن أبي عروبة، وسفيان الثوري، وعيسى بن يونس، وعبد الرحمن بن محمد المحاربي، والفضل بن موسى، وغيرهم من الحفاظ عن معمر، عن الزهري، عن سالم عن أبيه، فذكره.
وقد علل البخاري هذا الحديث، فحكى عنه الترمذي أنه قال : هذا حديث غير محفوظ. والصحيح ما روي عن شعيب، وغيره، عن الزهري حدثت، عن محمد بن سويد الثقفي أن غيلان بن سلمة، فذكره، وأما حديث الزهري، عن أبيه : أن رجلاً من ثقيف طلق نساءه، فقال له عمر : لأرجمنّ قبرك، كما رجم قبر أبي رغال. وقد رواه معمر، عن الزهري مرسلاً، وهكذا رواه مالك عن الزهري مرسلاً. قال أبو زرعة : وهو أصح. ورواه عقيل، عن الزهري : بلغنا عن عثمان بن محمد بن أبي سويد قال أبو حاتم : وهذا وهم، إنما هو الزهري، عن عثمان بن أبي سويد. وقد سامه أحمد برجال الصحيح، فقال : حدثنا إسماعيل، ومحمد بن جعفر قالا : حدثنا معمر، عن الزهري قال أبو جعفر في حديثه : أخبرنا ابن شهاب، عن سالم عن أبيه أن غيلان، فذكره، وقد روى من غير طريق معمر، والزهري، فأخرجه البيهقي، عن أيوب، عن نافع، وسالم، عن ابن عمر : أن غيلان فذكره.
وأخرج أبو داود وابن ماجه في سننهما عن عمير الأسدي قال : أسلمت، وعندي ثمان نسوة، فذكرت للنبي ﷺ، فقال :" اختر منهنّ أربعاً ". قال ابن كثير : إن إسناده حسن. وأخرج الشافعي في مسنده، عن نوفل بن معاوية الديلي قال : أسلمت، وعندي خمس نسوة، فقال رسول الله ﷺ :" أمسك أربعاً، وفارق الأخرى " وأخرج ابن ماجه، والنحاس في ناسخه، عن قيس بن الحارث الأسدي قال :«أسلمت وكان تحتي ثمان نسوة، فأتيت النبي ﷺ، فأخبرته، فقال :" اختر منهنّ أربعاً، وخلّ سائرهنّ، ففعلت ". وهذه شواهد للحديث الأوّل، كما قال البيهقي. وأخرج ابن أبي شيبة، والبيهقي في سننه عن الحكم قال : أجمع أصحاب رسول الله ﷺ على أن المملوك لا يجمع من النساء فوق اثنتين. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة في الآية يقول : إن خفت ألا تعدل في أربع فثلاث، وإلا فثنتين، وإلا فواحدة، فإن خفت ألا تعدل في واحدة، فما ملكت يمينك. وأخرج ابن جرير، عن الربيع مثله.
وأخرج أيضاً، عن الضحاك :﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا﴾ قال : في المجامعة والحبّ. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي :﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم﴾ قال : السراري. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان في صحيحه، عن عائشة، عن النبي ﷺ :﴿ذلك أدنى أَلاَّ تَعُولُوا﴾ قال :" ألا تجوروا ". قال ابن أبي حاتم قال أبي : هذا حديث خطأ، والصحيح، عن عائشة موقوف. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله :﴿ألا تعولوا﴾ قال : ألا تميلوا.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة قال : ألا تميلوا، ثم قال : أما سمعت قول أبي طالب :
بميزان قسط لا يخيس شعيرةووزان صدق وزنه غير عائل
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد : قال : ألا تميلوا. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي رزين وأبي مالك والضحاك مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في الآية، قال : ذلك أدنى ألا يكثر من تعولوا. وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة : قال : ألا تفتقروا. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح قال : كان الرجل إذا زوج أيمة أخذ صداقها دونها، فنهاهم الله عن ذلك ونزلت ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿نحلة﴾ قال : يعني بالنحلة المهر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة ﴿نحلة﴾ قالت : واجبة وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾ قال : فريضة مسماة.
وأخرج عبد ابن حميد وابن جرير عن قتادة مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿فإن طبن لكم﴾ قال : هي للأزواج. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه﴾ قال : من الصداق. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا﴾ يقول : إذا كان من غير ضرار ولا خديعة فهو هنيء مريء كما قال الله.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى