محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي

عن الكتاب
( وان خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعدلوا٣ ).
( وان خفتم ألا تقسطوا ) أي أن لا تعدلوا ( في اليتامى ) أي يتامى النساء. قال الزمخشري : ويقال للإناث اليتامى كما يقال للذكور، وهو جمع يتيمة، على القلب. كما قيل أيامى والأصل أيائم ويتائم ( فانكحوا ما طاب لكم من النساء ) أي من طبن لنفوسكم من جهة الجمال والحسن أو العقل أو الصلاح منهن ( مثنى وثلاث ورباع ) ومعنى الآية : وان خفتم يا أولياء اليتامى أن لا تعدلوا فيهن إذا نكحتموهن، باساءة العشرة أو بنقص الصداق، فانكحوا غيرهن من الغريبات فانهن كثير ولم يضيق الله عليكم. فالآية للتحذير من التورط / في الجور عليهن والأمر بالاحتياط. وان في غيرهن متسعا إلى الأربع. وروى البخاري(١) عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها " أن رجلا كانت له يتيمة فنكحها وكان لها عذق ( أي نخلة ) وكان يمسكها عليه ولم يكن لها من نفسه شيء. فنزلت فيه :( وان خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ). أحسبه قال : كانت شريكته في ذلك العذق وفي ماله ". ورواه مسلم وأبو داود والنسائي. وفي رواية لهم عن عائشة(٢) هي اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في ماله ويعجبه مالها وجمالها. فيريد وليها ان يتزوجها بغير ان يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره. فنهوا عن أن ينكحوهن الا أن يقسطوا لهن ويبلغوا لهن أعلى سنتهن في الصداق. فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن. قال عروة : قالت عائشة : وان الناس استفتوا رسول الله ﷺ بعد هذه الآية فأنزل الله :( ويستفتونك في النساء ) |٤/ ١٢٧|. قالت عائشة : وقول الله تعالى في آية أخرى :( وترغبون أن تنكحوهن ) |٤/ ١٢٧|، رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال. قالت : فنهوا أن ينكحوا عن من رغبوا في ماله وجماله في يتامى النساء الا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن، إذا كن قليلات المال والجمال ".
وفي رواية(٣) " وفي قوله تعالى :( ويستفتونك في النساء... ) إلى آخر الآية. قالت عائشة رضي الله عنها : هي اليتيمة تكون في حجر الرجل قد شركته في ماله فيرغب عنها أن يتزوجها / ويكره أن يزوجها غيره فيدخل عليه في ماله فيحبسها. فنهاهم الله عن ذلك ". زاد أبو داود(٤) رحمه الله تعالى :" وقال ربيعة في قوله تعالى :( وان خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ). قال يقول : اتركوهن ان خفتم فقد أحللت لكم أربعا ".
لطائف :
الأول :( ما ) في قوله تعالى :( ما طاب لكم )، موصولة. وجاء ب ( ما ) مكان ( من ) لأنهما قد يتعاقبان. فيقع كل واحد منهما مكان الآخر. كما في قوله تعالى :( والسماء وما بناها ) (٥) وقوله :( ولا أنتم عابدون ما أعبد )(٦). ( فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع ) (٧). قال بعضهم : وحسن وقوعها هنا أنها واقعة على النساء، وهن ناقصات العقول.
الثانية : في ايثار الأمر بنكاحهن على النهي عن نكاح اليتامى، مع انه المقصود بالذات، مزيد لطف في استنزالهم عن ذلك. فان النفس مجبولة على الحرص على ما منعت منه. كما ان وصف النساء بالطيب على الوجه الذي أشير إليه، فيه مبالغة في الاستمالة إليهن والترغيب فيهن. وكل ذلك للاعتناء بصرفهم عن نكاح اليتامى –أفاده أبو السعود-.
الثالثة : اتفق أهل العلم على أن هذا الشرط المذكور في الآية لا مفهوم له. وأنه يجوز لمن لم يخف أن يقسط في اليتامى أن ينكح أكثر من واحدة.
الرابعة : مثنى وثلاث ورباع معدولة عن أعداد مكررة. ومحلهن النصب على أنها حال من فاعل ( طاب ) مؤكدة لما أفاده وصف الطيب من الترغيب فيهن، والاستمالة اليهن، بتوسيع دائرة الاذن. أي فانكحوا الطيبات لكم، معدودات هذا العدد. ثنتين ثنتين. وثلاثا ثلاثا. وأربعا أربعا. حسبما تريدون. فان قلت : الذي أطلق للناكح في الجمع أن يجمع بين ثنتين أو ثلاث أو أربع، فما معنى التكرير في مثنى وثلاث ورباع ؟ قلت : الخطاب للجميع. فوجب التكرير ليصيب كل ناكح يريد الجمع ما أراد من العدد الذي أطلق له. كما تقول للجماعة : اقتسموا هذا المال وهو ألف درهم، درهمين درهمين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة. ولو أفردت لم يكن له معنى. فان قلت : فلم جاء العطف بالواو دون ( أو ). قلت : كما جاء بالواو في المثال الذي حذوته لك. ولو ذهبت تقول : اقتسموا هذا المال درهمين درهمين أو ثلاثة ثلاثة أو أربعة أربعة، أعلمت أنه لا يسوغ لهم أن يقتسموه الا على أحد أنواع هذه القسمة. وليس لهم أن يجمعوا بينها. فيجعلوا بعض القسم على تثنية وبعضه على تثليث وبعضه على تربيع. وذهب معنى تجويز الجمع بين أنواع القسمة الذي دلت عليه الواو. وتحريره أن الواو دلت على اطلاق أن يأخذ الناكحون من أرادوا نكاحها من النساء على طريق الجمع ان شاءوا مختلفين في تلك الأعداد، وان شاءوا متفقين فيها، محظورا عليهم ما وراء ذلك. أفاده الزمخشري.
بحث جليل :
قال الرازي : ذهب قوم سدى ( كحتى. موضع قرب زبيد باليمن اه ( قاموس ) ) إلى أنه يجوز التزوج بأي عدد أريد. واحتجوا بالقرآن والخبر. أما القرآن فقد تمسكوا بهذه الآية من / ثلاثة أوجه :
الأول : أن قوله تعالى :( فانكحوا ما طاب لكم من النساء )، اطلاق في جميع الأعداد. بدليل أنه لا عدد الا ويصح استثناؤه منه. وحكم الاستثناء اخراج ما لولاه لكان داخلا.
والثاني : أن قوله :( مثنى وثلاث ورباع )، لا يصلح تخصيصا لذلك العموم، لأن تخصيص بعض الأعداد بالذكر لا ينفي ثبوت الحكم في الباقي. بل نقول : ان ذكر هذه الأعداد يدل على رفع الحرج والحجر مطلقا. فان الانسان إذا قال لولده : افعل ما شئت. اذهب إلى السوق والى المدينة والى البستان، كان تنصيصا في تفويض زمام الخيرة إليه مطلقا. ورفع الحجر والحرج عنه مطلقا. ولا يكون ذلك تخصيصا للاذن بتلك الأشياء المذكورة. بل كان ذلك اذنا في المذكور وغيره. فكذا هنا. وأيضا، فذكر جميع الأعداد متعذر. فاذا ذكر بعض الأعداد بعد قوله :( فانكحوا ما طاب لكم من النساء )، كان ذلك تنبيها على حصول الاذن في جميع الأعداد.
الثالث : أن الواو للجمع المطلق. فقوله :( مثنى وثلاث ورباع )، يفيد حل هذا المجموع. وهو يفيد تسعة. بل الحق أنه يفيد ثمانية عشر. لأن قوله تعالى : مثنى ليس عبارة عن اثنين فقط، بل عن اثنين اثنين. وكذا القول في البقية.
واما الخبر فمن وجهين :
الأول : أنه ثبت بالتواتر أنه ﷺ مات عن تسع. ثم ان الله تعالى أمرنا باتباعه فقال :( فاتبعوه )، وأقل مراتب الأمر الاباحة.
الثاني : أن سنة الرجل طريقته. وكان يتزوج بالأكثر من الأربع طريقة الرسول عليه الصلاة والسلام. فكان ذلك سنة له. ثم انه عليه السلام قال(٨) :" فمن رغب عن سنتي فليس مني ". فظاهر هذا الحديث يقتضي توجه اللوم على من ترك التزوج بأكثر من الأربعة. فلا أقل من أن يثبت أصل الجواز.
واعلم أن معتمد الفقهاء في اثبات الحصر على أمرين :
الأول : الخبر. وهو ما روي أن غيلان أسلم وتحته عشر نسوة، فقال رسول الله ﷺ :" أمسك أربعا وفارق باقيهن ". وروي أن نوفل بن معاوية أسلم وتحته خمس نسوة، فقال عليه الصلاة والسلام :" أمسك أربعا وفارق واحدة ".
واعلم أن هذا الطريق ضعيف لوجهين :
الأول : أن القرآن لما دل على عدم الحصر بهذا الخبر كان ذلك نسخا للقرآن بخبر الواحد وانه غير جائز.
والثاني : وهو أن الخبر واقعة حال. فلعله عليه الصلاة والسلام انما أمره بامساك أربع ومفارقة البواقي لأن الجمع بين الأربعة وبين البواقي غير جائز، اما بسبب النسب أو بسبب الرضاع. وبالجملة فهذا الاحتمال قائم في هذا الخبر فلا يمكن نسخ القرآن بمثله ( الطريق الثاني ) وهو اجماع فقهاء الأمصار على أنه لا يجوز الزيادة على الأربع. وهذا هو المعتمد، وفيه سؤالان :
الأول : أن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ. فكيف يقال : الإجماع نسخ هذه الآية ؟.
الثاني/ أن في الأمة أقواما شذاذا لا يقولون بحرمة الزيادة على الأربع. والإجماع، مع مخالفة الواحد والاثنين، لا ينعقد.
( والجواب عن الأول ) أن الإجماع يكشف عن حصول الناسخ في زمن الرسول ﷺ. ( وعن الثاني ) أن مخالف هذا الإجماع من أهل البدعة. فلا عبرة بمخالفته، انتهى كلام الرازي، وقوله ( من أهل البدعة ) لا يجوز أخذه على عمومه لما ستراه.
وقال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى في ( وبل الغمام ) : الذي نقله الينا أئمة اللغة والاعراب وصار كالمجمع عليه عندهم، أن العدل في الأعداد يفيد ان المعدود لما كان متكثرا يحتاج استيفاؤه إلى أعداد كثيرة كانت صيغة العدل المفردة في قوة تلك الأعداد. فان كان مجيء القوم مثلا اثنين اثنين، أو ثلاثة ثلاثة، أو أربعة أربعة، وكانوا ألوفا مؤلفة، فقلت : جاءني القوم مثنى، أفادت هذه الصيغة أنهم جاءوا اثنين اثنين، حتى تكاملوا. فان قلت : مثنى وثلاث ورباع، أفاد ذلك أن القوم جاءوك تارة اثنين اثنين، وتارة ثلاثة ثلاثة، وتارة أربعة أربعة. فهذه الصيغ بينت مقدار عدد دفعات المجيء لا مقدار عدد جميع القوم، فانه لا يستفاد منها أصلا. بل غاية ما يستفاد منها أن عددهم متكثر تكثرا تشق الاحاطة به. ومثل هذا إذا قلت : نكحت النساء مثنى. فان معناه نكحتهن اثنتين اثنتين. وليس فيه دليل على أن كل دفعة من هذه الدفعات لم يدخل في نكاحه الا بعد خروج الأولى. كما أنه لا دليل في قولك : جاءني القوم مثنى، أنه لا يصل الاثنان الآخران اليك الا وقد فارقك الاثنان الأولان. إذا تقرر هذا فقوله تعالى :( مثنى وثلاث ورباع ) يستفاد منه جواز نكاح النساء اثنتين اثنتين وثلاثا وثلاثا وأربعا وأربعا. والمراد جواز تزوج كل دفعة من هذه الدفعات في وقت من الأوقات. وليس في هذا تعرض لمقدار عددهن. بل يستفاد من الصيغ الكثرة، من غير تعيين. كما قدمنا في مجيء القوم، وليس فيه أيضا دليل على أن الدفعة الثانية كانت بعد مفارقة الدفعة الأولى. ومن زعم أنه نقل الينا أئمة اللغة والاعراب ما يخالف هذا، فهذا مقام الاستفادة منه، فليتفضل بها علينا. وابن عباس، ان صح عنه في الآية أنه قصر الرجال على أربع فهو فرد من أفراد الأمة. وأما القعقعة بدعوى الاجماع فما أهونها وأيسر خطبها عند من لم تفزعه هذه الجلبة. وكيف يصح اجماع خالفته الظاهرية وابن الصباغ، والعمراني، والقاسم بن ابراهيم، نجم آل الرسول، وجماعة من الشيعة، وثلة من محققي المتأخرين، وخالفه أيضا القرآن الكريم، كما بيناه. وخالفه أيضا فعل رسول الله ﷺ. كما صح / ذلك تواترا، من جمعه بين تسع أو أكثر في بعض الأوقات. ( وما آتاكم الرسول فخذوه )(٩). ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة )(١٠). ( قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله )(١١) ودعوى الخصوصية مفتقرة إلى دليل. والبراءة الأصلية مستصحبة لا ينقل عنها الا ناقل صحيح تنقطع عنده المعاذير.
وأما حديث(١٢) أمره ﷺ لغيلان، لما أسلم وتحته عشر نسوة، بأن يختار منهن أربعا ويفارق سائرهن، كما أخرجه الترمذي وابن ماجه وابن حبان، فهو وان كان له طرق، فقد قال ابن عبد البر :
١ أخرجه البخاري في: ٦٥ –كتاب التفسير، ٤ –سورة النساء، ١ –باب قوله: (وان خفتم ألا تقسطوا في اليتامى)، حديث ١٢٣٤..
٢ أخرجه البخاري في: ٦٥ –كتاب التفسير، ٤ –سورة النساء، ١ –باب قوله: (وان خفتم ألا تقسطوا في اليتامى)، حديث ١٢٣٤..
٣ أخرجه البخاري في: ٦٧ –كتاب النكاح، ٣٧ –باب اذا كان الولي هو الخاطب، حديث ١٢٣٤..
٤ أخرجه أبو داود في: ١٢ –كتاب النكاح، ١٢ –باب ما يكره أن يجمع بينهن من النساء، حديث ٢٠٦٥..
٥ |٩١/ الشمس/ ٥|..
٦ |١٠٩/ الكافرون/ ٥|..
٧ |٢٤/ النور/ ٤٥| ونصها: (والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجليه ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء ان الله على كل شيء قدير٤٥)..
٨ أخرجه البخاري في: ٦٧ –كتاب النكاح، ١- باب الترغيب في النكاح، حديث ٢٠٩٩ ونصه:
عن أنس بن مالك قال: جاء ثلاثة رهط الى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم. فلما أخبروه، كأنهم تقالوها. فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
قال أحدهم: اما أنا فاني أصلي الليل أبدا.
وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر.
وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا.
فجاء رسول الله ﷺ فقال: "انتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله اني لأخشاكم لله وأتقاكم له. لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني"..

٩ |٥٩/ الحشر/ ٧| ونصها: (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله ان الله شديد العقاب٧)..
١٠ |٣٣/ الأحزاب/ ٢١| (... لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا٢١)..
١١ |٣/ آل عمران/ ٣١| (... ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم٣١)..
١٢ أخرجه الترمذي في: ٩ –كتاب النكاح، ٣٣ –باب ما جاء في الرجل يسلم وعنده ع شر نسوة.
وابن ماجه في: ٩ –كتاب النكاح، ٤٠ –باب يسلم وعنده أكثر من أربع نسوة، حديث ١٩٥٣ (طبعتنا)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى