مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى﴾.
اعلم أن هذا من النوع الثاني من الأحكام التي ذكرها في هذه السورة وهو حكم الأنكحة وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قال الواحدي رحمه الله : الأقساط العدل، يقال أقسط الرجل إذا عدل، قال الله تعالى :﴿وأقسطوا إن الله يحب المقسطين﴾ والقسط العدل والنصفة، قال تعالى :﴿كونوا قوامين بالقسط﴾ قال الزجاج : وأصل قسط وأقسط جميعا من القسط وهو النصيب، فإذا قالوا : قسط بمعنى جار أرادوا أنه ظلم صاحبه في قسطه الذي يصيبه، ألا ترى أنهم قالوا : قاسطته إذا غلبته على قسطه، فبنى قسط على بناء ظلم وجار وغلب، وإذا قالوا أقسط فالمراد أنه صار ذا قسط عدل، فبنى على بناء أنصف إذا أتى بالنصف والعدل في قوله وفعله وقسمه.
المسألة الثانية : اعلم أن قوله :﴿وإن خفتم أن لا تقسطوا﴾ شرط وقوله :﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ جزاء، ولا بد من بيان أنه كيف يتعلق هذا الجزء بهذا الشرط، وللمفسرين فيه وجوه : الأول : روي عن عروة أنه قال : قلت لعائشة : ما معنى قول الله :﴿وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى﴾ فقالت : يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في مالها وجمالها، إلا أنه يريد أن ينكحها بأدنى من صداقها، ثم إذا تزوج بها عاملها معاملة رديئة لعلمه بأنه ليس لها من يذب عنها ويدفع شر ذلك الزوج عنها، فقال تعالى :«وإن خفتم أن تظلموا اليتامى عند نكاحهن فانكحوا من غيرهن ما طاب لكم من النساء، قالت عائشة رضي الله عنها : ثم إن الناس استفتوا رسول الله ﷺ بعد هذه الآية فيهن، فأنزل الله تعالى :﴿ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء﴾ قالت : وقوله تعالى :﴿وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء﴾ المراد منه هذه الآية وهي قوله :﴿وإن خفتم أن لا تقسطوا﴾.
الوجه الثاني : في تأويل الآية : أنه لما نزلت الآية المتقدمة في اليتامى وما في أكل أموالهم من الحوب الكبير، خاف الأولياء أن يلحقهم الحوب بترك الإقساط في حقوق اليتامى، فتحرجوا من ولايتهم، وكان الرجل منهم ربما كان تحته العشر من الأزواج وأكثر، فلا يقوم بحقوقهن ولا يعدل بينهن، فقيل لهم : إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فتحرجتم منها، فكونوا خائفين من ترك العدل من النساء، فقالوا عدد المنكوحات، لأن من تحرج من ذنب أو تاب عنه وهو مرتكب لمثله فكأنه غير متحرج.
الوجه الثالث : في التأويل : أنهم كانوا يتحرجون من ولاية اليتامى فقيل : إن خفتم في حق اليتامى فكونوا خائفين من الزنا، فانكحوا ما حل لكم من النساء ولا تحوموا حول المحرمات.
الوجه الرابع : في التأويل : ما روي عن عكرمة أنه قال : كان الرجل عنده النسوة ويكون عنده الأيتام، فإذا أنفق مال نفسه على النسوة ولم يبق له مال وصار محتاجا، أخذ في إنفاق أموال اليتامى عليهن فقال تعالى :﴿وإن خفتم أن لا تقسطوا في أموال اليتامى﴾ عند كثرة الزوجات فقد حظرت عليكم أن لا تنكحوا أكثر من أربع كي يزول هذا الخوف، فإن خفتم في الأربع أيضا فواحدة، فذكر الطرف الزائد وهو الأربع، والناقص وهو الواحدة، ونبه بذلك على ما بينهما، فكأنه تعالى قال : فإن خفتم من الأربع فثلاث، فإن خفتم فاثنتان، فإن خفتم فواحدة، وهذا القول أقرب، فكأنه تعالى خوف من الإكثار من النكاح بما عساه يقع من الولي من التعدي في مال اليتيم للحاجة إلى الإنفاق الكثير عند التزوج بالعدد الكثير.
أما قوله تعالى :﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى أن لا تعولوا﴾.
ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قال أصحاب الظاهر : النكاح واجب وتمسكوا بهذه الآية، وذلك لأن قوله ﴿فانكحوا﴾ أمر، وظاهر الأمر للوجوب، وتمسك الشافعي في بيان أنه ليس بواجب بقوله تعالى :﴿ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات أو ما ملكت أيمانكم﴾ إلى قوله :﴿ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم﴾ فحكم تعالى بأن ترك النكاح في هذه الصورة خير من فعله، وذلك يدل على أنه ليس بمندوب، فضلا عن أن يقال إنه واجب.
المسألة الثانية : إنما قال :﴿ما طاب﴾ ولم يقل : من طاب لوجوه : أحدها : أنه أراد به الجنس تقول : ما عندك ؟ فيقول رجل أو امرأة، والمعنى ما ذلك الشيء الذي عندك، وما تلك الحقيقة التي عندك، وثانيها : أن ( ما ) مع ما بعده في تقدير المصدر، وتقديره : فانكحوا الطيب من النساء، وثالثها : أن «ما » و«من » ربما يتعاقبان. قال تعالى :﴿والسماء وما بناها﴾ وقال :﴿ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾ وحكى أبو عمرو بن العلاء : سبحان ما سبح له الرعد، وقال :﴿فمنهم من يمشى على بطنه﴾ ورابعها : إنما ذكر «ما » تنزيلا للإناث منزلة غير العقلاء. ومنه : قوله :﴿إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾.
المسألة الثالثة : قال الواحدي وصاحب «الكشاف » : قوله ﴿ما طاب لكم﴾ أي ما حل لكم من النساء لأن منهن من يحرم نكاحها، وهي الأنواع المذكورة في قوله :﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم﴾ وهذا عندي فيه نظر، وذلك لأنا بينا أن قوله :﴿فانكحوا﴾ أمر إباحة. فلو كان المراد بقوله :﴿ما طاب لكم﴾ أي ما حل لكم لنزلت الآية منزلة ما يقال : أبحنا لكم نكاح من يكون نكاحها مباحا لكم : وذلك يخرج الآية عن الفائدة، وأيضا فبتقدير أن تحمل الآية على ما ذكروه تصير الآية مجملة، لأن أسباب الحل والإباحة لما لم تكن مذكورة في هذه الآية صارت الآية مجملة لا محالة، أما إذا حملنا الطيب على استطابة النفس وميل القلب، كانت الآية عاما دخله التخصيص. وقد ثبت في أصول الفقه أنه متى وقع التعارض بين الإجمال والتخصيص كان رفع الإجمال أولى، لأن العام المخصوص حجة في غير محل التخصيص، والمجمل لا يكون حجة أصلا.
المسألة الرابعة : ﴿مثنى وثلاث ورباع﴾ معناه : اثنين اثنين، وثلاثا ثلاثا، وأربعا أربعا، وهو غير منصرف وفيه وجهان : الأول : أنه اجتمع فيها أمران : العدل والوصف، أما العدل فلأن العدل عبارة عن أنك تذكر كلمة وتريد بها كلمة أخرى، كما تقول : عمر وزفر وتريد به عامرا وزافرا، فكذا ههنا تريد بقولك : مثنى : ثنتين ثنتين فكان معدولا، وأما أنه وصف، فدليله قوله تعالى :﴿أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع﴾ ولا شك أنه وصف.
الوجه الثاني : في بيان أن هذه الأسماء غير منصرفة أن فيها عدلين لأنها معدولة عن أصولها كما بيناه، وأيضا أنها معدولة عن تكررها فإنك لا تريد بقولك : مثنى ثنتين فقط، بل ثنتين ثنتين، فإذا قلت : جاءني اثنان أو ثلاثة كان غرضك الإخبار عن مجيء هذا العدد فقط، أما إذا قلت : جاءني القوم مثنى أفاد أن ترتيب مجيئهم وقع اثنين اثنين، فثبت أنه حصل في هذه الألفاظ نوعان من العدد فوجب أن يمنع من الصرف، وذلك لأنه إذا اجتمع في الاسم سببان أوجب ذلك منع الصرف، لأنه يصير لأجل ذلك نائبا من جهتين فيصير مشابها للفعل فيمتنع صرفه، وكذا إذا حصل فيه العدل من جهتين فوجب أن يمنع صرفه والله أعلم.
المسألة الخامسة : قال أهل التحقيق :﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ لا يتناول العبيد وذلك لأن الخطاب إنما يتناول إنسانا متى طابت له امرأة قدر على نكاحها، والعبد ليس كذلك بدليل أنه لا يتمكن من النكاح إلا بإذن مولاه، ويدل عليه القرآن والخبر، أما القرآن فقوله تعالى :﴿ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شىء﴾ فقوله :﴿لا يقدر على شىء﴾ ينفي كونه مستقلا بالنكاح، وأما الخبر فقوله عليه الصلاة والسلام :«أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر » فثبت بما ذكرناه أن هذه الآية لا يندرج فيها العبد.
إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : ذهب أكثر الفقهاء إلى أن نكاح الأربع مشروع للأحرار دون العبيد، وقال مالك : يحل للعبد أن يتزوج بالأربع وتمسك بظاهر هذه الآية.
والجواب الذي يعتمد عليه : أن الشافعي احتج على أن هذه الآية مختصة بالأحرار بوجهين آخرين سوى ما ذكرناه : الأول : أنه تعالى قال بعد هذه الآية :﴿فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم﴾ وهذا لا يكون إلا للأحرار، والثاني : أنه تعالى قال :
﴿فإن طبن لكم عن شىء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا﴾ والعبد لا يأكل ما طابت عنه نفس امرأته من المهر، بل يكون لسيده قال مالك : إذا ورد عمومان مستقلان، فدخول التقييد في الأخير لا يوجب دخوله في السابق.
أجاب الشافعي رضي الله عنه بأن هذه الخطابات في هذه الآيات وردت متوالية على نسق واحد فلما عرف في بعضها اختصاصها بالأحرار عرف أن الكل كذلك، ومن الفقهاء من علم أن ظاهر هذه الآية متناول للعبيد إلا أنهم خصصوا هذا العموم بالقياس، قالوا : أجمعنا على أن للرق تأثيرا في نقصان حقوق النكاح، كالطلاق والعدة، ولما كان العدد من حقوق النكاح وجب أن يحصل للعبد نصف ما للحر، والجواب الأول أولى وأقوى والله أعلم.
المسألة السادسة : ذهب قوم سدى إلى أنه يجوز التزوج بأي عدد أريد، واحتجوا بالقرآن والخبر، أما القرآن فقد تمسكوا بهذه الآية من ثلاثة أوجه : الأول : أن قوله :﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ إطلاق في جميع الأعداد بدليل أنه لا عدد إلا ويصح استثناؤه منه، وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لكان داخلا. والثاني : أن قوله :﴿مثنى وثلاث ورباع﴾ لا يصلح تخصيصا لذلك العموم، لأن تخصيص بعض الأعداد بالذكر لا ينفي ثبوت الحكم في الباقي، بل نقول : إن ذكر هذه الأعداد يدل على رفع الحرج والحجر مطلقا، فإن الإنسان إذا قال لولده : افعل ما شئت اذهب إلى السوق وإلى المدينة وإلى البستان، كان تنصيصا في تفويض زمام الخيرة إليه مطلقا، ورفع الحجر والحرج عنه مطلقا، ولا يكون ذلك تخصيصا للإذن بتلك الأشياء المذكورة، بل كان إذنا في المذكور وغيره فكذا ههنا، وأيضا فذكر جميع الأعداد متعذر، فإذا ذكر بعض الأعداد بعد قوله :﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ كان ذلك تنبيها على حصول الإذن في جميع الأعداد. والثالث : أن الواو للجمع المطلق فقوله :﴿مثنى وثلاث ورباع﴾ يفيد حل هذا المجموع، وهو يفيد تسعة، بل الحق أنه يفيد ثمانية عشر، لأن قوله : مثنى ليس عبارة عن اثنين فقط، بل عن اثنين اثنين وكذا القول في البقية. وأما الخبر فمن وجهين : الأول : أنه ثبت بالتواتر أنه ﷺ مات عن تسع، ثم إن الله تعالى أمرنا باتباعه فقال :﴿فاتبعوه﴾ وأقل مراتب الأمر الإباحة. الثاني : أن سنة الرجل طريقته، وكان التزوج بالأكثر من الأربع طريقة الرسول عليه الصلاة والسلام، فكان ذلك سنة له، ثم إنه عليه السلام قال :«فمن رغب عن سنتي فليس مني » فظاهر هذا الحديث يقتضي توجه اللوم على من ترك التزوج بأكثر من الأربعة، فلا أقل من أن يثبت أصل الجواز.
واعلم أن معتمد الفقهاء في إثبات الحصر على أمرين : الأول : الخبر، وهو ما روي أن غيلان أسلم وتحته عشر نسوة، فقال الرسول ﷺ : أمسك أربعا وفارق باقيهن، وروي أن نوفل بن معاوية أسلم وتحته خمس نسوة فقال عليه السلام :" أمسك أربعا وفارق واحدة ".
واعلم أن هذا الطريق ضعيف لوجهين : الأول : أن القرآن لما دل على عد

تفسير هذه الآية من كتب أخرى