الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله :( وَإِنْ خِفْتُمُ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى... ) الآية [ ٣ ].
إنما جاز أن تقع ( ما ) لمن(١) يعقل، لأنها، والفعل : مصدر، وهي تقع للنعوت فكأنه قال : فانكحوا الطيب من النساء أي : الحلال، ( فَوَاحِدَةً ) أي : فانكحوا واحدة.
وقرأ الأعرج(٢) بالرفع على معنى : فواحدة تقنع(٣) يرفع بالابتداء ويضمر الخبر(٤).
وهذا أيضاً خطاب للأولياء في صداق اليتامى، والمعنى : فإن خفتم يا أولياء ألاّ تعدلوا في صداقهن، فتبلغوا صدقات أمثالهن فلا تنكحوهن ( فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَاءِ ) أي : الطيب يعني الحلال من غيرهن من واحدة إلى أربع ( فَإِنْ خِفْتُمُ ) أن تجوروا إذا نكحتم أكثر من واحدة، فانكحوا واحدة أو ما ملكت أيمانكم.
قالت عائشة رضي الله عنها : هي اليتيمة تكون في حجر وليّها يعجبه يعجبه مالها ويريد أن ينكحها بأدنى من سنة صداقها، فنهى(٥) أن ينكحوهنّ إلاّ أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق، وأمروا أن ينكحوا(٦) من سواهن من النساء(٧).
وقيل : معناها إنهم نهوا عن نكاح ما فوق الأربع لأن قريشاً كانت تتزوج العشرين(٨) من النساء والأكثر، فإذا صار الرجل معدماً رجع إلى مال يتيمه(٩) فأنفقه أو تزوّج به فنهوا عن ذلك.
وقيل لهم : إن أنتم خفتم على أموال اليتامى ألاّ تعدلوا فيها من أجل حاجتكم إليها، فلا تجاوزوا فيما تنكحون من النساء أربعاً، فإن خفتم أيضاً مع الأربع ألاّ تعدلوا في أموال يتاماكم، فاقتصروا على واحدة أو على ما ملكت أيمانكم قاله عكرمة(١٠).
وقيل : إن معناها أنهم كانوا يتحرون في أموال اليتامى ولا يتحرون(١١) في العدل بين النساء فلا تنكحوا منهن إلاّ من واحدة إلى أربع، ولا تزيدوا على ذلك.
( فَإِنْ خِفْتُمُ أَلاَّ تَعْدِلُوا ) في الأربع فانكحوا واحدة ( اَوْ مَا مَلَكَتْ اَيْمَانُكُمْ ) قاله ابن جبير والسدي، وقاله ابن عباس والضحاك وغيرهم(١٢)، وهو اختيار الطبري(١٣).
وقال الحسن المعنى : وإن خفتم ألاّ تعدلوا في يتاماكم إذا نكحتموهنّ، فانكحوا ما طاب لكم منهنّ : اثنين أو ثلاثة أو أربعاً ( فَإِنْ خِفْتُمُ أَلاَّ تَعْدِلُوا ) فانكحوا واحدة، أو فاقنعوا بما ملكت أيمانكم(١٤).
ومعنى :( تُقْسِطُوا فِي اليَتَامَى ) أي : في نكاح اليتامى ثم حذف. ومعنى ( وَإِنْ خِفْتُمْ ) عند أبي عبيدة : وإن أيقنتم(١٥).
وقال القتبي معناه : وإن علمتم(١٦).
ومعنى :( مَا طَابَ لَكُم ) : ما حلّ لكم، وهذه الآية ناسخة لما كانوا عليه في الجاهلية من تزويج ما شاء(١٧) الرجل من النساء(١٨).
( ذلك أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا أي أقرب ألا تجوروا، وتميلوا(١٩). يقال : عال إذا جار، يعول عولاً، ويقال : من الحاجة عال يعيل عيلة إذا احتاج، وأعال يعيل إذا كثر عياله(٢٠).
قال الحسن : العول الميل في النساء، وهو قول مجاهد(٢١) وعكرمة والضحاك وقتادة وغيرهم(٢٢).
وقال مجاهد : ألا تعولوا : ألاّ تضلوا(٢٣).
وعن عائشة : ألاّ تجوروا(٢٤).
وعول الفرائض من هذا لأنها تميل عن وجهها وحقها(٢٥).
وقال الشافعي(٢٦) :( أَلاَّ تَعُولُوا )، ألاّ يكثر من ( أَلاَّ تَعُولُوا(٢٧) )، وخطأه ( في )(٢٨) هذا جميع النحويين وأهل اللغة، وإنما كان يجب على قوله : أن تعيلوا(٢٩).
وأيضاً، فإنه قد أحلّ لنا ملك اليمين، وإن كثروا وهو ممّا يعال.
وقوله :( مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ ) معدول عن اثنين اثنين، وثلاث ثلاث، وأربع أربع دل عليه(٣٠)، ولا تتجاوز العرب في العدل إلى ما بعد الأربع.
( تمّ الجزء )(٣١) العاشر.
١ - (د): ما هن..
٢ - هو ابن داود المدني عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، توفي ١١٧ هـ حافظ مقرئ من المبرزين، انظر: معرفة القراء ١/٦٣ وغاية النهاية ١/٣٨١..
٣ - هو تقدير للكسائي أيضاً كما إعراب النحاس ١/٣٩٤..
٤ - ووجهه الزمخشري على أنه مرفوع على الخبر، أي: فالمقنع واحدة، أو حسبكم واحدة، انظر: الكشاف ١/٤٩٧..
٥ - كذا في جميع النسخ ورواية الطبري فنهوا وهو الصواب، انظر: جامع البيان ٤/٢٣٢..
٦ - (أ): أن تنكحوا وهو تحريف..
٧ - قول السيدة عائشة هو جواب عن سؤال عروة عن معنى الآية، انظر: صحيح البخاري كتاب التفسير ٥/١٧٦، وغيره من الكتب ومسلم ٢/٣٩٨-٣٩٩، وجامع البيان ٤/٢٣٢..
٨ - عند الطبري "العشر" من النساء والأكثر والأقل [المدقق]..
٩ - (ج): يتيمته..
١٠ - انظر: جامع البيان ٤/٢٣٣ والدر المنثور ٢/٤٢٧..
١١ - وعند الطبري: كانوا يتحوّبون في أموال النساء أن لا يعدلوا فيها، ولا يتحوبون في النساء أن لا يعدلوا فيهنّ، فقيل لهم: كما خفتم ألاّ تعدلوا في اليتامى، فكذلك فخافوا أن لا تعدلوا فيهن، و..[المدقق]..
١٢ - انظر: جامع البيان ٤/٢٣٣ والدر المنثور ٢/٤٢٧..
١٣ - انظر: جامع البيان ٤/٢٣٥..
١٤ - انظر: المصدر السابق. وأعراب النحاس ١/٣٩٤ [المدقق]..
١٥ - انظر: مجاز القرآن ١/١١٤، وهو غير صحيح إذ لا يكون الخوف بمعنى اليقين بوجه، وذلك إن فعل خاف من أفعال التوقع إلاّ أنه قد يميل إلى الظنّ إلى أحد الجهتين، ولا يصل إلى حد اليقين، انظر: المحرر ٤/١٣، والبحر ٣/١٦٢..
١٦ - انظر: تفسير الغريب ١١٩..
١٧ - (أ): ما جاء وهو تحريف..
١٨ - هذا مما يجب أن لا يذكر في ناسخ القرآن ومنسوخه، لأنه لم ينسخ قرآناً، وإنما نسخ أمراً كانوا عليه في كفرهم والقرآن كله على هذا الرأي ناسخ لما كان عليه الكفار. انظر: الإيضاح في النسخ ١٧٤..
١٩ - (د): وتقبلوا..
٢٠ - انظر: المفردات ٣٦٦ واللسان ١١/٤٨١..
٢١ - انظر: تفسير مجاهد ١/١٤٤..
٢٢ - انظر: جامع البيان ٤/٢٣٩..
٢٣ - هي رواية سفيان عن مجاهد. انظر: تفسير سفيان ٨٧..
٢٤ - ويعزى لأبي مالك في جامع البيان ٤/٢٤٠..
٢٥ - يحدث العول في الفريضة إذا زادت السهام عن الأنصبة..
٢٦ - (أ): الشعبي..
٢٧ - انظر: أحكام القرآن للشافعي ١/٢٦٠..
٢٨ - ساقط من (ج)..
٢٩ - انظر: أحكام القرآن لابن العربي ١/٣١٤..
٣٠ - الكلام مقطوع، وعند الطبري: "فإنما ترك إجراؤهن لأنهن معدولات عن اثنين وثلاث وأربع كما عدل عمر عن عامر، وزفر عن زافر، فترك إجراؤه. قال: ومما يدل على أن ذلك كذلك، وأن الذكر والأنثى فيه سواء، ما قيل في هذه السورة، وسورة فاطر (مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ) يراد به الجناح، والجناح مذكر، وأنه –أيضاً- لا يضاف إلى ما يضاف إليه الثلاثة والأربعة، وأن الألف واللام لا تدخله، فكان في ذلك دليل على أنه اسم للعدد معرفة، ولو كان نكرة لدخلهُ الألف واللام أو أضيف كما يضاف الثلاثة والأربعة [الطبري ٤/٢٤٣/ ومعاني القرآن للفراء ١/٢٥٤-٢٥٥/ [المدقق]..
٣١ - ساقط من (ج) (د) (هـ)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى