فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب

عن الكتاب
﴿من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه﴾ من اليهود طائفة- وما أكثرها- يبدلون ويغيرون الكلام عن أماكنه ووجوهه التي هي وجوهه، ويفسرونه بغير مراد الله عز وجل زورا منهم وافتراء ؛ ﴿ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين﴾ عن ابن عباس : كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم : اسمع لا سمعت، وهم يظهرون أنهم يريدون :.. غير مستمع مكروها ولا أذى ؛ وعن مجاهد : قالت اليهود : سمعنا ما تقول ولا نطيعك ؛ وقال ابن زيد : قال :﴿راعنا﴾ طعنهم في الدين، وليهم بألسنتهم ليبطلوه ويكذبوه، قال : والراعن : الخطأ من الكلام ؛ ويقول الألوسي :﴿راعنا﴾ عطف على ما قبله، أي : ويقولون أيضا في أثناء خطابهم له صلى الله عليه وسلم هذا، وهو ذو وجهين كسابقه، فاحتماله للخير على معنى : أمهلنا وانظر إلينا، .. ، واحتماله للشر بحمله على السب، ففي التيسير : إن راعنا بعينه مما يتسابون به، وهو للوصف بالرعونة، ... ، وقيل : بل كانوا يشبعون كسر العين، ويعنون- لعنهم الله تعالى –أنه- وحاشاه صلى الله عليه وسلم- بمنزله خدمهم ورعاة غنمهم، ... ، ﴿ليا بألسنتهم﴾ اللي يكون بمعنى الانحراف.. والانعطاف عن جهة إلى أخرى، ... ، والمراد هنا : إما صرف الكلام من جانب الخير إلى جانب الشر، وإما ضم أحد الأمرين إلى الآخر، ..
﴿وطعنا في الدين﴾ أي : قدحا فيه بالاستهزاء والسخرية، .. ، ﴿ولو أنهم﴾ عندما سمعوا شيئا من أوامر الله تعالى ونواهيه ﴿قالوا﴾ بلسان المقال، كما هو الظاهر، أو : به وبلسان الحال، كما قيل :﴿سمعنا﴾ سماع قبول، .. ﴿وأطعنا﴾ مكان قولهم :﴿عصينا﴾، ﴿واسمع﴾ بدل قولهم :﴿اسمع غير مسمع﴾ ﴿وانظرنا﴾ بدل قولهم :﴿راعنا﴾ ﴿لكان﴾ قولهم هذا ﴿خيرا لهم﴾ وأنفع من قولهم ذلك ﴿وأقوم﴾ أي : أعدل في نفسه، ...
﴿ولكن لعنهم الله بكفرهم﴾ أي : ولكن لم يقولوا الأنفع والأقوم، واستمروا على ذلك، فخذلهم الله تعالى، وأبعدهم عن الهدى بسبب كفرهم ﴿فلا يؤمنون﴾ بعد ﴿إلا قليلا﴾... ، إلا فريقا قليلا منهم، فإنه سبحانه لم يلعنهم ؛ فلهذا آمن من آمن منهم، كعبد الله بن سلام وأضرابه، ... ، وقيل : إنه صفة مصدر محذوف، أي : إلا إيمانا قليلا، ... وجوز على هذا الوجه أن يراد بالقلة العدم.. ا ه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى