جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿مّنَ الّذِينَ هَادُواْ يُحَرّفُونَ الْكَلِمَ عَن مّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدّينِ وَلَوْ أَنّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلاً﴾. .
ولقوله جلّ ثناؤه :﴿مِنَ الّذِينَ هادُوا يُحَرّفُونَ الكَلِمَ﴾ وجهان من التأويل : أحدهما : أن يكون معناه : ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب من الذين هادوا يحرّفون الكلم. فيكون قوله :﴿مِنَ الّذِينَ هادُوا﴾ من صلة «الذين ». وإلى هذا القول كانت عامة أهل العربية من أهل الكوفة يوجهون. قوله :﴿مِنَ الّذِينَ هادُوا يُحَرّفُونَ﴾. والآخر منهما : أن يكون معناه : من الذين هادوا من يحرّف الكلم عن مواضعه. فتكون «من » محذوفة من الكلام اكتفاء بدلالة قوله :﴿مِنَ الّذِينَ هادُوا﴾ عليها، وذلك أن «مِن » لو ذكرت في الكلام كانت بعضا ل «مَنْ »، فاكتفى بدلالة «مِنْ » عليها، والعرب تقول : منا من يقول ذلك، ومنا لا يقوله، بمعنى : منا من يقول ذاك، ومنا من لا يقوله، فتحذف «من » اكتفاء بدلالة من عليه، كما قال ذو الرمة :
| فَظَلّوا وَمِنْهُمْ دَمْعُهُ سابِقٌ لَهُ | وآخَرُ يُذْرِي دَمْعَةَ العْينِ بالمَهْلِ |
| كأنّكَ مِنْ جِمالِ بني أُقَيْشٍ | يُقَعْقَعُ خَلْفَ رِجْلَيهِ بِشَنّ |
فأما نحويو الكوفة، فينكرون أن يكون المضمر مع «مِن » إلا «مَن«أو ما أشبهها.
والقول الذي هو أولى بالصواب عندي في ذلك قول من قال قوله :﴿مِنَ الذِينَ هادُوا﴾ من صلة الذين أوتوا نصيبا من الكتاب، لأن الخبرين جميعا والصفتين من صفة نوع واحد من الناس، وهم اليهود الذين وصف الله صفتهم في قوله :﴿ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ أُوتُوا نَصِيبا مِنَ الكِتابِ﴾. وبذلك جاء تأويل أهل التأويل، فلا حاجة بالكلام إذ كان الأمر كذلك إلى أن يكون فيه متروك.
وأما تأويل قوله :﴿يُحَرّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ فإنه يقول : يبدّلون معناها ويغيرونها عن تأويله، والكلم جماع كلمة. وكان مجاهد يقول : عنى بالكلم : التوراة.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله :﴿يُحَرّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ : تبديل اليهود التوراة.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
وأما قوله :﴿عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ فإنه يعني : عن أماكنه ووجوهه التي هي وجوهه.
وأما تأويل قوله :﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا﴾.
يعني بذلك جلّ ثناؤه : من الذين هادوا يقولون : سمعنا يا محمد قولك، وعصينا أمرك. كما :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة عن مجاهد، في قوله :﴿سَمِعْنا وَعَصَيْنا﴾ قال : قالت اليهود : سمعنا ما تقول، ولا نطيعك.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :﴿سَمعنا وَعَصَيْنا﴾ قالوا : قد سمعنا، ولكن لا نطيعك.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَاسمَعْ غيرَ مُسْمَعٍ﴾.
وهذا خبر من الله جلّ ثناؤه عن اليهود الذين كانوا حوالى مهاجَر رسول الله ﷺ في عصره، أنهم كانوا يسبون رسول الله ﷺ ويؤذونه بالقبيح من القول، ويقولون له : اسمع منا غير مسمع، كقول القائل للرجل يسبه : اسمع لا أسمعك الله. كما :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :﴿وَاسمَعْ غيرَ مُسْمَعٍ﴾ قال : هذا قول أهل الكتاب يهود، كهيئة ما يقول الإنسان : اسمع لا سمعت، أذى لرسول الله ﷺ، وشتما له واستهزاء.
حُدثت عن المنجاب، قال : حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس :﴿وَاسمَعْ غيرَ مُسْمَعٍ﴾ قال : يقولون لك : واسمع لاسمعت.
وقد رُوي عن مجاهد والحسن أنهما كانا يتأوّلان في ذلك بمعنى : واسمع غير مقبول منك. ولو كان ذلك معناه لقيل : واسمع غير مسموع، ولكن معناه : واسمع لا تسمع، ولكن قال الله تعالى ذكره :﴿لَيّا بألْسِنَتِهِمْ وَطَعْنا فِي الدّينِ﴾ فوصفهم بتحريف الكلام بألسنتهم والطعن في الدين بسبّ النبيّ ﷺ.
وأما القول الذي ذكرته عن مجاهد :﴿وَاسمَعْ غيرَ مُسْمَعٍ﴾ يقول : غير مقبول ما تقول، فهو كما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد :﴿وَاسمَعْ غيرَ مُسْمَعٍ﴾ قال : غير مستمع. قال ابن جريج عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد :﴿وَاسمَعْ غيرَ مُسْمَعٍ﴾ : غير مقبول ما تقول.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن الحسن، في قوله :﴿وَاسمَعْ غيرَ مُسْمَعٍ﴾ قال : كما تقول : اسمع غير مسموع منك.
وحدثنا موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قال : كان ناس منهم يقولون :﴿وَاسمَعْ غيرَ مُسْمَعٍ﴾ كقولك : اسمع غير صاغ.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَرَاعِنا لَيّا بألْسِنَتِهِمْ وَطَعْنا فِي الدّينِ﴾.
يعني بقوله :﴿وَرَاعِنا﴾ : أي راعنا سمعك، افهم عنا وأفهمنا. وقد بينا تأويل ذلك في سورة البقرة بأدلته بما فيه الكفاية عن إعادته.
ثم أخبر الله جلّ ثناؤه عنهم أنهم يقولون ذلك لرسول الله ﷺ :﴿لَيّا بألْسِنَتِهِمْ﴾ يعني : تحريكا منهم بألسنتهم بتحريف منهم لمعناه إلى المكروه من معنييه، واستخفافا منهم بحقّ النبيّ ﷺ ﴿وَطَعْنا فِي الدّين﴾. كما :
حدثني الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، قال : قال قتادة : كانت اليهود يقولون للنبيّ ﷺ : راعنا سمعك ! يستهزئون بذلك، فكانت اليهود قبيحة، فقال : راعنا سمعك ليّا بألسنتهم¹ والليّ : تحريكهم ألسنتهم بذلك، ﴿وطَعْنا في الدّينِ﴾.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :﴿رَاعِنا لَيّا بألْسِنَتِهِمْ﴾ كان الرجل من المشركين يقول : أرعني سمعك ! يلوي بذلك لسانه، يعني : يحرّف معناه.
حدثنا محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس :﴿مِنَ الّذِينَ هادُوا يُحَرّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾. . . إلى :﴿وَطَعْنا فِي الدّينِ﴾ فإنهم كانوا يستهزئون ويلوون ألسنتهم برسول الله ﷺ ويطعنون في الدين.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد :﴿وَرَاعِنا لَيّا بألْسِنَتِهِمْ وَطَعْنا فِي الدّينِ﴾ قال :«راعنا » طعنهم في الدين، وليهم بألسنتهم ليبطلوه ويكذبوه. قال : والراعن : الخطأ من الكلام.
حُدثت عن المنجاب، قال : حدثنا بشر، أبو روق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله :﴿لَيّا بألْسِنَتِهِمْ﴾ قال : تحريفا بالكذب.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَلَوْ أنّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وَاسمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْرا لَهُمْ وأقُوَمَ﴾.
يعني بذلك جلّ ثناؤه : ولو أن هؤلاء اليهود الذين وصف الله صفتهم قالوا لنبيّ لله : سمعنا يا محمد قولك، وأطعنا أمرك، وقبلنا ما جئتنا به من عند الله، واسمع منا، وانظرنا ما نقول، وانتظرنا نفهم عنك ما تقول لنا، ﴿لَكَانَ خَيْرا لَهُمْ وأَقْوَمَ﴾ يقول : لكان ذلك خيرا لهم عند الله وأقوم، يقول : وأعدل وأصوب في القول. وهو من الاستقامة من قول الله :﴿وَأقْوَمَ قِيلاً﴾ بمعنى : وأصوب قيلاً. كما :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :﴿وَلَوْ أنّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وَاسمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْرا لَهُمْ﴾ قال : يقولون : اسمع منا فإنا قد سمعنا وأطعنا، وانظرنا فلا تعجل علينا.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو تميلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن عكرمة ومجاهد، قوله :﴿وَانظُرْنا﴾ قال : اسمع منا.
حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد :﴿وَانْظُرْنا﴾ قال : أفهمنا.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :﴿وَانْظُرْنا﴾ قال : أفهمنا.
قال أبو جعفر : وهذا الذي قاله مجاهد وعكرمة من توجيههما معنى :﴿وَانْظُرْنا﴾ إلى : اسمع منا، وتوجيه مجاهد ذلك إلى : أفهمنا، ما لا نعرف في كلام العرب، إلا أن يكون أراد بذلك من توجيهه إلى أفهمنا : انتظرنا نفهم ما تقول، أو انتظرنا نقل حتى تسمع منا، فيكون ذلك معنى مفهوما وإن كان غير تأويل الكلمة ولا تفسير لها، فلا نعرف «انظرنا » في كلام العرب إلا بمعنى : انتظرنا وانظر إلينا، فأما «انظرنا » بمعنى انتظرنا، فمنه قول الحطيئة :
| وَقَدْ نَظَرْتُكُمْ لَوْ أنّ دِرّتَكُمْ | يَوْما يَجِيءُ بِها مَسْحِي وَإبْساسِي |
| ظاهِرَاتُ الجَمالِ والحُسْنِ يَنْظُرْ | نَ كمَا يَنْظُرُ الأرَاكَ الظّباءُ |
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إلاّ قَلِيلاً﴾.
يعني بذلك : ولكن الله تبارك وتعالى أخزى هؤلاء اليهود الذين وصف صفتهم في هذه الآية فأقصاهم وأبعدهم من الرشد، واتباع الحقّ بكفرهم، يعني بجحودهم نبوّة نبيه محمد ﷺ، وما جاءهم به من عند ربهم من الهدى والبينات ﴿فلا يُؤْمِنُونَ إلاّ قَلِيلاً﴾ يقول : فلا يصدّقون بمحمد ﷺ، وما جاءهم به من عند ربهم، ولا يقرّون بنبوّته إلا قليلاً، يقول : لا يصدّقون بالحقّ الذي جئتهم به يا محمد إلا إيمانا قليلاً. كما :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله :{ فَلا يُؤْمِنُونَ إلا
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
"وكفى بالله نصيرًا"، يقول: وحسبكم بالله ناصرًا لكم على أعدائكم وأعداء دينكم، وعلى من بغاكم الغوائل، وبغى دينكم العَوَج. (٢)
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾
قال أبو جعفر: ولقوله جل ثناؤه:"من الذين هادوا يحرفون الكلم"، وجهان من التأويل.
أحدهما: أن يكون معناه:"ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب" ="من الذين هادوا يحرفون الكلم"، فيكون قوله:"من الذين هادوا" من صلة"الذين". وإلى هذا القول كانت عامة أهلِ العربية من أهل الكوفة يوجِّهون قوله:"من الذين هادوا يحرِّفون". (٣)
* * *
والآخر منهما: أن يكون معناه: من الذين هادوا من يُحرِّف الكلم عن مواضعه، فتكون"مَن" محذوفة من الكلام، اكتفاء بدلالة قوله:"من الذين هادوا"، عليها. وذلك أن"مِن" لو ذكرت في الكلام كانت بعضًا ل"مَن"، فاكتفى بدلالة"مِنْ"، عليها. والعرب تقول:"منا من يقول ذلك، ومِنا لا يقوله"، (٤) بمعنى: منا
(٢) انظر تفسير"النصير" فيما سلف ٢: ٤٨٩، ٥٦٤ / ٥: ٥٨١ / ٦: ٤٤٣، ٤٤٩.
(٣) انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٧١.
(٤) في المطبوعة: "والعرب تقول: منا من يقول ذلك" بزيادة"من" وهو خطأ، والصواب من معاني القرآن للفراء. أما المخطوطة فكان فيها: "والعرب تقول ذلك ومثالا لا يقوله" وهو من عبث الناسخ وإسقاطه.
| فَظَلُّوا، وَمِنْهُمْ دَمْعُهُ سَابِقٌ لَهُ | وَآخَرُ يَثْنِي دَمْعَةَ العَيْنِ بِالهَمْلِ (١) |
| كَأَنَّكَ مِنْ جِمَالِ بَنِي أُقَيْشٍ | يُقَعْقَعُ خَلْفَ رِجْلَيْهِ بِشَنِّ (٢) |
فأما نحويو الكوفة فينكرون أن يكون المضمر مع"مِن" إلا"مَن" أو ما أشبهها. (٣)
* * *
| بَكَيْتُ عَلَى مَيٍّ بِهَا إذْ عَرَفْتُهَا | وَهِجْتُ الْهَوَى حَتَّى بَكَى القَوْمُ مِنْ أَجْلِي |
| فَظَلُّوا وَمِنْهُمْ دَمْعُهُ غَالِبٌ لَهُ | وَآخَرُ يَثْنِي عَبْرَةَ العَيْنِ بالهَمْلِ |
| وَهَلْ هَمَلانُ الْعَيْنِ رَاجِعُ مَا مَضَى | مِنَ الوَجْدِ، أوْ مُدْنِيكِ يَا مَيُّ مِنْ أَهْلِي |
وقوله: "يثني دمعة العين"، أي يرد هملانها. وقوله: "بالهمل" متعلق بقوله"دمعة" ووضع"دمعة" هنا مصدرًا لقوله: "دمعت عينه دمعًا ودمعانًا ودموعًا"، وزاده هو"دمعة" على وزن"رحمة" في المصادر = وكذلك في رواية"عبرة"، كلاهما مصدر، ولم تثبته كتب اللغة. يقول: وآخر يرد إرسال العين دمعها منهملا، يعني: لولا ذلك لسالت دموعه غزارًا.
(٢) مضى تخريجه فيما سلف ١: ١٧٩، تعليق: ٢، ونسيت هناك أن أرده إلى هذا المكان، فأثبته.
(٣) انظر مقالة الفراء في معاني القرآن ١: ٢٧١.
* * *
وأما تأويل قوله:"يُحَرِّفون الكلِمَ عن مواضعه"، (١) فإنه يقول: يبدِّلون معناها ويغيِّرونها عن تأويله.
* * *
و"الكلم" جماع"كلمة".
* * *
وكان مجاهد يقول: عنى بـ "الكلم"، التوراة.
٩٦٩١ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"يحرفون الكلم عن مواضعه"، تبديل اليهود التوراة.
٩٦٩٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
* * *
وأما قوله:"عن مواضعه"، فإنه يعني: عن أماكنه ووجوهه التي هي وجوهه.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾
يعني بذلك جل ثناؤه: من الذين هادوا يقولون: سمعنا، يا محمد، قولك، وعصينا أمرك، كما:-
٩٦٩٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد في قوله:"سمعنا وعصينا"، قال: قالت اليهود: سمعنا ما نقول ولا نطيعك.
٩٦٩٤ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
٩٦٩٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
٩٦٩٦ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله:"سمعنا وعصينا"، قالوا: قد سمعنا، ولكن لا نطيعك.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾
قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن اليهود الذين كانوا حوالَيْ مهاجر رسول الله ﷺ في عصره: أنهم كانوا يسبّون رسول الله ﷺ ويؤذونه بالقبيح من القول، ويقولون له: اسمع منا غير مسمع، كقول القائل للرجل يَسُبُّه:"اسمع، لا أسمعَك الله"، كما:-
٩٦٩٧ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"واسمع غير مسمع"، قال: هذا قول أهل الكتاب يهود، كهيئة ما يقول الإنسان:
٩٦٩٨ - حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس:"واسمع غير مسمع" قال: يقولون لك:"واسمع لا سمعت".
وقد روي عن مجاهد والحسن: أنهما كانا يتأوّلان في ذلك بمعنى: واسمع غير مقبول منك.
= ولو كان ذلك معناه لقيل:"واسمع غير مسموع"، ولكن معناه: واسمع لا تسمع، ولكن قال الله تعالى ذكره:"ليًّا بألسنتهم وطعنًا في الدين"، فوصفهم بتحريف الكلام بألسنتهم، والطعن في الدين بسبِّ النبي صلى الله عليه وسلم.
* * *
وأما القول الذي ذكرته عن مجاهد:"واسمع غير مسمع"، يقول: غير مقبول ما تقول، فهو كما:-
٩٦٩٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد:"واسمع غير مسمع"، قال: غير مُسْتمع - قال ابن جريج، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد:"واسمع غير مسمع"، غير مقبول ما تقول.
٩٧٠٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
٩٧٠١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الحسن في قوله:"واسمع غير مسمع"، قال: كما تقول اسمع غير مَسْموع منك.
٩٧٠٢ - وحدثنا موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط،
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله:"وراعنا"، أي: راعنا سمعك، افهم عنّا وأفهمنا. وقد بينا تأويل ذلك في"سورة البقرة" بأدلته، بما فيه الكفاية عن إعادته. (٢)
* * *
ثم أخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم يقولون ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم:"ليًّا بألسنتهم"، يعني تحريكًا منهم بألسنتهم بتحريف منهم لمعناه إلى المكروه من معنييه، (٣) واستخفافًا منهم بحق النبي صلى الله عليه وسلم، وطعنًا في الدين، كما:-
٩٧٠٣ - حدثني الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر قال، قال قتادة: كانت اليهود يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم:"راعنا سمعك"! يستهزئون بذلك، فكانت اليهود قبيحة أن يقال: (٤) "راعنا سمعك" ="ليًّا بألسنتهم" والليّ: تحريكهم ألسنتهم بذلك ="وطعنًا في الدين".
٩٧٠٤ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"راعنا ليًّا بألسنتهم"، كان
(٢) انظر ما سلف ٢: ٤٥٩-٤٦٧.
(٣) انظر تفسير"اللي" و"اللي بالألسنة" فيما سلف ٦: ٥٣٥-٥٣٧.
(٤) في المخطوطة والمطبوعة: "فكان في اليهود قبيحة فقال"، وهو كلام لا يستقيم البتة، وصوابه الذي لا شك فيه ما أثبت، وانظر كونها كلمة قبيحة لليهود في ٢: ٤٦٠.
٩٧٠٥ - حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أييه، عن ابن عباس:"من الذين هادوا يحرّفون الكلم عن مواضعه"، إلى"وطعنًا في الدين"، فإنهم كانوا يستهزئون، ويلوون ألسنتهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، ويطعنون في الدين.
٩٧٠٦ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد:"وراعنا ليا بألسنتهم وطعنًا في الدين"، قال:"راعنا"، طعنهم في الدين، وليهم بألسنتهم ليبطلوه، ويكذبوه. قال: و"الرَّاعن"، الخطأ من الكلام. (١)
٩٧٠٧ - حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر قال، حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله:"ليا بألسنتهم"، قال: تحريفًا بالكذب.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ولو أن هؤلاء اليهود الذين وصف الله صفتهم، قالوا لنبي الله:"سمعنا يا محمد قولك، وأطعنا أمرك، وقبلنا ما جئتنا به من عند الله، واسمع منا، وانظرنا ما نقول، وانتظرنا نفهم عنك ما تقول لنا" ="لكان خيرًا لهم وأقوم"، يقول: لكان ذلك خيرًا لهم عند الله ="وأقوم"، يقول: وأعدل وأصوبَ في القول.
* * *
٩٧٠٨ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرًا لهم"، قال: يقولون اسمع منا، فإنا قد سمعنا وأطعنا، وانظرنا فلا تعجل علينا.
٩٧٠٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو تميلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن عكرمة ومجاهد قوله:"وانظُرنا"، قال: اسمع منا.
٩٧١٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد:"وانظرنا"، قال: أفهمنا.
٩٧١١ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد،"وانظرنا"، قال: أفهمنا.
* * *
قال أبو جعفر: وهذا الذي قاله مجاهد وعكرمة، من توجيههما معنى:"وانظرنا" إلى:"اسمع منا" = وتوجيه مجاهد ذلك إلى"أفهمنا" = فما لا نعرف في كلام العرب، (٢) إلا أن يكون أراد بذلك من توجيهه إلى"أفهمنا"، انتظرنا نفهم ما تقول = أو: انتظرنا نقل حتى تسمع منا = فيكون ذلك معنًى مفهومًا، وإن كان غير تأويلٍ للكلمة ولا تفسير لها. (٣) ولا نعرف:"انظرنا" في كلام العرب، (٤) إلا بمعنى: انتظرنا وانظر إلينا = فأما"انظرنا" بمعنى: انتظرنا، فمنه قول الحطيئة:
| وَقَدْ نَظَرْتُكُمُ لَوْ أَنَّ دِرَّتَكُمْ | يَوْمًا يَجِيء بها مَسْحِي وَإِبْسَاسِي (٥) |
(٢) في المطبوعة والمخطوطة: "ما لا نعرف" بغير فاء، ولكني زدتها لأنها أعرق في العربية وأقوم للسياق.
(٣) في المخطوطة والمطبوعة: "غير تأويل الكلمة" والصواب ما أثبت.
(٤) في المطبوعة: "فلا نعرف" بالفاء، والأجود ما في المخطوطة، كما أثبته.
(٥) ديوانه: ٥٢، والكامل ١: ٣٥١، وهذا خطأ لا شك فيه في رواية البيت، وأثبته على حاله، لأنه دلالة على عجلة أبي جعفر أحيانًا في كتابة تفسيره، ودليل على حفظه الشعر، ولولا ذلك لم يخلط هذا الخلط فإن هذه القصيدة، هي التي هجا بها الزبرقان بن بدر، ومدح بغيض ابن عامر، والتي شكاه من أجلها الزبرقان إلى عمر بن الخطاب فحبسه، يقول للزبرقان لما غضب حين استضافه بغيض:
| مَا كانَ ذَنْبُ بَغِيض لا أَبَا لَكُمُ | فِي بَائِسٍ جَاءَ يَحْدُو آخِرَ الناسِ |
| لَقَدْ مَرَيْتُكُمُ لَوْ أَنَّ دِرَّتكُمْ | يَوْمًا يجِيءُ بِهَا مَسْحِي وَإبْسَاسِي |
| وَقَدْ مَدَحْتُكُمْ عَمْدًا لأُرْشِدَكُمْ | كَيْمَا يَكُونَ لَكُمْ مَتْحٍي وَإمْرَاسِي |
| وَقَدْ نَظَرْتُكُمُ أَعْشَاءَ صَادِرَةٍ | لِلْخِمْسِ طَالَ بِهَا حَوْزِي وَتَنْسَاسِي |
وكان في المخطوطة: "يجيء به" وهو خطأ.
| ظَاهِرَاتُ الجَمالِ وَالحُسْنِ يَنْظُرْنَ | كَمَا يَنْظُرُ الأَرَاكَ الظِّبَاءُ (١) |
| وَحِسَانٌ مِثْلُ الدُّمَي عَبْشَمِيَّاتٌ | عَلَيْهِن بَهْجَةٌ وَحَيَاءُ |
| لا يَبِعْنَ العِيَابَ في مَوْسِمٍ النَّاسِ | إذَا طَافَ بِالعِيابِ النِّسَاءُ |
و"السرو": الشرف وكرم المحتد. وهي أجود الروايتين، وقوله: "كما ينظر الأراك الظباء"، من حسن التشبيه، ودقة الملاحظة للعلاقة بين الشرف والسؤدد. وما يكون للمرء من شمائل وسمت وهيأة. ويعني أنهن قد ينصبن أجيادهن، كأنهن ظباء تعطو الأراك لتناله. وذلك أظهر لجمال أجيادهن، وحركتهن. والجيد فيه دلالة من دلائل الخلق لا يخطئها بصير.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَلَٰكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك: ولكن الله تبارك وتعالى أخْزَى هؤلاء اليهود الذين وصف صفتهم في هذه الآية، فأقصاهم وأبعدهم من الرشد واتباع الحق (٢) ="بكفرهم"، يعني: بجحودهم نبوّة نبيه محمد ﷺ وما جاءهم به من عند ربهم من الهدى والبينات ="فلا يؤمنون إلا قليلا"، يقول: فلا يصدقون بمحمد ﷺ وما جاءهم به من عند ربهم، ولا يقرُّون بنبوته ="إلا قليلا"، يقول: لا يصدقون بالحق الذي جئتهم به، يا محمد، إلا إيمانًا قليلا كما:-
٩٧١٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"فلا يومنون إلا قليلا"، قال: لا يؤمنون هم إلا قليلا.
قال أبو جعفر: وقد بيّنا وجه ذلك بعلله في"سورة البقرة". (٣)
* * *
(٢) انظر تفسير"اللعنة" فيما سلف ٢: ٣٢٨ / ٣: ٢٥٤، ٢٦١ / ٦: ٥٧٧.
(٣) يعني تفسير قوله تعالى"فقليلا ما يؤمنون" ٢: ٣٢٩ - ٣٣١.