فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
قوله :﴿منَ الذين هَادُوا﴾ قال الزجاج : إن جعلت متعلقة بما قبل، فلا يوقف على قوله :﴿نَصِيراً﴾ وإن جعلت منقطعة، فيجوز الوقف على ﴿نصيراً﴾ والتقدير : من الذين هادوا قوم يحرّفون، ثم حذف، وهذا مذهب سيبويه، ومثله قول الشاعر :
قالوا : المعنى : لو قلت ما في قومها أحد يفضلها، ثم حذف. وقال الفراء : المحذوف لفظ من : أي من الذين هادوا من يحرّفون الكلم كقوله :﴿وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ معْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] أي : من له، ومنه قول ذي الرمة :
فظلوا ومنهم دمعه سابق له ***
أي : من دمعه، وأنكره المبرّد والزجاج ؛ لأن حذف الموصول كحذف بعض الكلمة ؛ وقيل إن قوله :﴿منَ الذين هَادُوا﴾ بيان لقوله :﴿الذين أُوتُوا نَصِيبًا منَ الكتاب﴾. والتحريف : الإمالة والإزالة، أي : يميلونه ويزيلونه عن مواضعه، ويجعلون مكانه غيره، أو المراد : أنهم يتأوّلونه على غير تأويله، وذمهم الله عزّ وجلّ بذلك، لأنهم يفعلونه عناداً وبغياً، وتأثيراً لغرض الدنيا.
قوله :﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ أي : سمعنا قولك، وعصينا أمرك ﴿واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ أي : اسمع حال كونك غير مسمع، وهو يحتمل أن يكون دعاء على النبيّ ﷺ، والمعنى : اسمع لا سمعت، ويحتمل أن يكون المعنى : اسمع غير مسمع مكروهاً، أو اسمع غير مسمع جواباً. وقد تقدم الكلام في راعنا. ومعنى :﴿لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾ أنهم يلوونها عن الحق، أي : يميلونها إلى ما في قلوبهم، وأصل الليّ : الفتل وهو منتصب على المصدر، ويجوز أن يكون مفعولاً لأجله. قوله :﴿وَطَعْناً فِى الدين﴾ معطوف على ﴿ليا﴾، أي : يطعنون في الدين بقولهم : لو كان نبياً لعلم أنا نسُّبه، فأطلع الله سبحانه نبيه ﷺ على ذلك :﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا﴾ قولك :﴿وَأَطَعْنَا﴾ أمرك :﴿واسمع﴾ ما نقول :﴿وانظرنا﴾ أي : لو قالوا هذا مكان قولهم راعنا ﴿لَكَانَ خَيْراً لهُمْ﴾ مما قالوه ﴿وَأَقْوَمُ﴾ أي : أعدل، وأولى من قولهم الأوّل، وهو قولهم :﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ وراعنا﴾ لما في هذا من المخالفة وسوء الأدب، واحتمال الذم في راعنا ﴿ولكن﴾ لم يسلكوا المسلك الحسن، ويأتوا بما هو خير لهم وأقوم، ولهذا :﴿لعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي : إلا إيماناً قليلاً، وهو الإيمان ببعض الكتب دون بعض، وببعض الرسل دون بعض.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس قال : كان رفاعة بن زيد بن التابوت من عظماء اليهود، وإذا كلم رسول الله ﷺ لوى لسانه، وقال : أرعنا سمعك يا محمد حتى نفهمك، ثم طعن في الإسلام وعابه، فأنزل الله فيه :﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُوا نَصِيبًا منَ الكتاب﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم، عنه في قوله :﴿يُحَرّفُونَ الكلم عَن مواضعه﴾ يعني : يحرفون حدود الله في التوراة، وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد في قوله :﴿يُحَرّفُونَ الكلم عَن مواضعه﴾ قال : تبديل اليهود التوراة ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ قالوا : سمعنا ما تقول ولا نطيعك ﴿واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ قال : غير مقبول ما تقول :﴿لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾ قال : خلافاً يلوون به ألسنتهم ﴿واسمع وانظرنا﴾ قال : أفهمنا لا تعجل علينا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، عن ابن عباس في قوله :﴿واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ قال : يقولون اسمع لا سمعت.
وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس قال : كلم رسول الله ﷺ رؤساء من أحبار اليهود : منهم عبد الله بن صوريا، وكعب بن أسد، فقال لهم :«يا معشر اليهود اتقوا الله، وأسلموا، فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به لحق» فقالوا : ما نعرف ذلك يا محمد، وأنزل الله فيهم :﴿يَا أَيُّهَا الذين أُوتُوا الكتاب﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله :﴿من قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً﴾ قال : طمسها أن تعمي ﴿فَنَرُدَّهَا على أدبارها﴾ يقول : نجعل وجوههم من قبل أقفيتهم، فيمشون القهقري. ونجعل لأحدهم عينين في قفاه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله :﴿من قَبْلِ أَن نطْمِسَ وُجُوهاً﴾ يقول : عن صراط الحق ﴿فَنَرُدَّهَا على أدبارها﴾ قال : في الضلالة. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الحسن نحوه.
وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني عن أبي أيوب الأنصاري قال : جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال : إن لي ابن أخ لا ينتهي عن الحرام، قال :«وما دينه ؟» قال : يصلي ويوحد الله، قال : استوهب منه دينه، فإن أبى فابتعه منه، فطلب الرجل منه ذلك، فأبى عليه، فأتى النبي ﷺ، فأخبره، فقال : وجدته شحيحاً على دينه، فنزلت :﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية. وأخرج ابن الضريس، وأبو يعلى، وابن المنذر، وابن عدّي بسند صحيح، عن ابن عمر قال : كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا من نبينا ﷺ :«﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾» وقال :«إنيّ ادّخرت دعوتي، وشفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عمر قال : لما نزلت :﴿قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُوا على أَنفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] الآية قام رجل فقال : والشرك يا نبيّ الله ؟ فكره ذلك النبي ﷺ، فقال :﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية. وأخرج ابن المنذر، عن أبي مجلز أن سؤال هذا الرجل هو سبب نزول :﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال في هذه الآية : إن الله حرّم المغفرة على من مات وهو كافر، وأرجأ أهل التوحيد إلى مشيئته، فلم يؤيسهم من المغفرة. وأخرج الترمذي، وحسنه عن علي قال : أحبّ آية إلىّ في القرآن ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية.
| لو قلت ما في قومها لم أيثم | يفضلها في حسب وميسم |
فظلوا ومنهم دمعه سابق له ***
أي : من دمعه، وأنكره المبرّد والزجاج ؛ لأن حذف الموصول كحذف بعض الكلمة ؛ وقيل إن قوله :﴿منَ الذين هَادُوا﴾ بيان لقوله :﴿الذين أُوتُوا نَصِيبًا منَ الكتاب﴾. والتحريف : الإمالة والإزالة، أي : يميلونه ويزيلونه عن مواضعه، ويجعلون مكانه غيره، أو المراد : أنهم يتأوّلونه على غير تأويله، وذمهم الله عزّ وجلّ بذلك، لأنهم يفعلونه عناداً وبغياً، وتأثيراً لغرض الدنيا.
قوله :﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ أي : سمعنا قولك، وعصينا أمرك ﴿واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ أي : اسمع حال كونك غير مسمع، وهو يحتمل أن يكون دعاء على النبيّ ﷺ، والمعنى : اسمع لا سمعت، ويحتمل أن يكون المعنى : اسمع غير مسمع مكروهاً، أو اسمع غير مسمع جواباً. وقد تقدم الكلام في راعنا. ومعنى :﴿لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾ أنهم يلوونها عن الحق، أي : يميلونها إلى ما في قلوبهم، وأصل الليّ : الفتل وهو منتصب على المصدر، ويجوز أن يكون مفعولاً لأجله. قوله :﴿وَطَعْناً فِى الدين﴾ معطوف على ﴿ليا﴾، أي : يطعنون في الدين بقولهم : لو كان نبياً لعلم أنا نسُّبه، فأطلع الله سبحانه نبيه ﷺ على ذلك :﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا﴾ قولك :﴿وَأَطَعْنَا﴾ أمرك :﴿واسمع﴾ ما نقول :﴿وانظرنا﴾ أي : لو قالوا هذا مكان قولهم راعنا ﴿لَكَانَ خَيْراً لهُمْ﴾ مما قالوه ﴿وَأَقْوَمُ﴾ أي : أعدل، وأولى من قولهم الأوّل، وهو قولهم :﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ وراعنا﴾ لما في هذا من المخالفة وسوء الأدب، واحتمال الذم في راعنا ﴿ولكن﴾ لم يسلكوا المسلك الحسن، ويأتوا بما هو خير لهم وأقوم، ولهذا :﴿لعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي : إلا إيماناً قليلاً، وهو الإيمان ببعض الكتب دون بعض، وببعض الرسل دون بعض.
وأخرج ابن أبي حاتم، عنه في قوله :﴿يُحَرّفُونَ الكلم عَن مواضعه﴾ يعني : يحرفون حدود الله في التوراة، وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد في قوله :﴿يُحَرّفُونَ الكلم عَن مواضعه﴾ قال : تبديل اليهود التوراة ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ قالوا : سمعنا ما تقول ولا نطيعك ﴿واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ قال : غير مقبول ما تقول :﴿لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾ قال : خلافاً يلوون به ألسنتهم ﴿واسمع وانظرنا﴾ قال : أفهمنا لا تعجل علينا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، عن ابن عباس في قوله :﴿واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ قال : يقولون اسمع لا سمعت.
وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس قال : كلم رسول الله ﷺ رؤساء من أحبار اليهود : منهم عبد الله بن صوريا، وكعب بن أسد، فقال لهم :«يا معشر اليهود اتقوا الله، وأسلموا، فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به لحق» فقالوا : ما نعرف ذلك يا محمد، وأنزل الله فيهم :﴿يَا أَيُّهَا الذين أُوتُوا الكتاب﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله :﴿من قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً﴾ قال : طمسها أن تعمي ﴿فَنَرُدَّهَا على أدبارها﴾ يقول : نجعل وجوههم من قبل أقفيتهم، فيمشون القهقري. ونجعل لأحدهم عينين في قفاه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله :﴿من قَبْلِ أَن نطْمِسَ وُجُوهاً﴾ يقول : عن صراط الحق ﴿فَنَرُدَّهَا على أدبارها﴾ قال : في الضلالة. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الحسن نحوه.
وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني عن أبي أيوب الأنصاري قال : جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال : إن لي ابن أخ لا ينتهي عن الحرام، قال :«وما دينه ؟» قال : يصلي ويوحد الله، قال : استوهب منه دينه، فإن أبى فابتعه منه، فطلب الرجل منه ذلك، فأبى عليه، فأتى النبي ﷺ، فأخبره، فقال : وجدته شحيحاً على دينه، فنزلت :﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية. وأخرج ابن الضريس، وأبو يعلى، وابن المنذر، وابن عدّي بسند صحيح، عن ابن عمر قال : كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا من نبينا ﷺ :«﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾» وقال :«إنيّ ادّخرت دعوتي، وشفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عمر قال : لما نزلت :﴿قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُوا على أَنفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] الآية قام رجل فقال : والشرك يا نبيّ الله ؟ فكره ذلك النبي ﷺ، فقال :﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية. وأخرج ابن المنذر، عن أبي مجلز أن سؤال هذا الرجل هو سبب نزول :﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال في هذه الآية : إن الله حرّم المغفرة على من مات وهو كافر، وأرجأ أهل التوحيد إلى مشيئته، فلم يؤيسهم من المغفرة. وأخرج الترمذي، وحسنه عن علي قال : أحبّ آية إلىّ في القرآن ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية.