اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قد تقدَّمَ الكلامُ على مِثْل قوله :" ألم تر "، وقوله :" بل "، إضْرَابٌ عَنْ تزكيتهم أنفُسَهُم، وقدّر أبُو البقاء(١) قبل هذا الإضراب جُمْلَةً ؛ قال : تقديرهُ : أخْطؤوا، ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ﴾.
[ وقوله :" ولا يظلمون "، يجوزُ أنْ يكونَ حَالاً ممَّا تقدَّم، وأنْ يكون مُسْتَأنفاً، والضميرُ في " يظلمون " يجوزُ أنْ يعود على " من يشاء " ](٢) أيْ : لا يُنْقِصُ مِنْ تزكيتهم شيئاً، وإنَّما جَمَعَ الضميرَ ؛ حَمْلاً على مَعْنى " من " وأنْ يَعُودَ على الذين يُزَكونَ، وأنْ يعُودَ على القَبِيليْن مَنْ زَكَّى نَفْسَهُ، وَمَنْ زَكَّاهُ اللَّه، فَذَاكَ لاَ يُنْقِصُ من عقابه شَيْئاً، وهذا لا يُنْقِصُ مِنْ ثَوَابِهِ شَيْئاً، والأوَّلُ أظْهَرُ ؛ لأن " من " أقَرْبُ مَذْكُورٍ، ولأنَّ " بل " إضرابٌ مُنْقطعٌ(٣) ما بَعْدَهَا عمَّا قَبْلَهَا.
وقال أبُو البَقَاءِ(٤) : ويجوزُ أن يكُونَ مُسْتأنَفاً، أيْ : منْ زَكَّى نَفْسَه، ومَنْ زَكَّاهُ اللَّهُ. انتهى.
فجعل عودَ الضميرِ على الفَريقَيْنِ ؛ بِناءً على وَجْهِ الاسْتِئْنافِ، وهذا غيرُ لازِمٍ [ بل ](٥) يجوزُ عودهُ عَلَيْهِمَا، والجملةُ حَالِيَّةٌ.
و ﴿فَتِيلاً﴾ مَفعُولٌ ثانٍ ؛ لأن الأولَ قامَ مَقَامَ الفاعِلِ، ويجوزُ أنْ يكونَ نَعْت مَصْدرٍ مَحْذُوفٍ، كما تقدَّمَ تقديره في :﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠]، والفَتِيلُ : خَيْطٌ رَقيقٌ في شِقِّ النَّوَاة [ يَضْرَبُ به المَثلُ في القِلَّةِ، قالَهُ ابنُ السِّكيتِ، وغيرُهُ.
وقيل : هو مَا خَرَجَ مِنْ بيْن إصْبَعَيْكَ، أو كَفَّيْكَ مِنَ الوَسَخ ](٦) حين تَفْتُلُهُمَا(٧)، فهو فَعِيلٌ بمعنى مَفْعُولٍ، وقد ضرب العَرَبُ المثلَ في القِلّةِ التافِهَةِ بأربَعةِ أشْيَاء، اجتمعْتَ في النواةِ، وهي : الفَتِيلُ، والنَّقِيرُ : وهو النُّقْرَةُ التي في ظهر النَّواةِ، والقِطْميرُ : هو القِشْرُ [ الرقيقُ ](٨) فوقها [ وهذه الثلاثةُ واردَةٌ في الكتابِ العزيز، والثُّفْروق : وهو ما بيْنَ النواةِ والقِمْع ](٩) الَّذِي يكُونُ في رَأسِ التَّمرة كالعلاقَةِ بَيْنَهُمَا.

فصل


لما هَدّد(١٠) اليهود بأنه تعالى(١١) لا يغفرُ أنْ يشركَ به، قالوا : لَسْنَا منَ المشركينَ، بل نحنُ مِنْ خَوَّاصِّ اللَّهِ.
قال الكَلْبيُّ(١٢) :" نزلت هذه الآيةُ في رِجَالٍ مِنْ اليهودِ : منهم " بَحْرى بنُ عُمَرَ "، و " النُّعْمانُ بنُ أوْفَى "، و " مَرْحَبُ بنُ زَيْدٍ " أتَوْا بأطْفالهم إلى النبي ﷺ فقَالُوا : يا محمدُ [ هَلْ ](١٣) على هَؤلاءِ مِنْ ذنْبٍ ؟ فقال : لاَ، قالوا : ما نَحْنُ إلاَّ كَهَيْئتهم، ما عَمِلْنَا بالنهار، يُكَفَّر(١٤) عنّا بالليل، وما علمنا بالليل، يكفرُ عنَّا بالنهار، فنزلت هذه الآيةُ.
وقال مُجاهِدٌ، وعكْرمة(١٥) : كانُوا يُقدِّمُونَ أطْفَالَهُم في الصلاةِ، يَزْعمُوَن أنَّهم لا ذُنُوبَ لَهُم، فتِلْكَ التزكيةُ(١٦).
وقال الحَسنُ، والضحاكُ، وقتادةُ، ومقاتلٌ : نزلت في اليهودِ، والنصارى، حينَ قَالُوا :
﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] ﴿وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى﴾(١٧) [البقرة: ١١١].
قال عبدُ الله بنُ مسعودٍ : هو تزكيةُ بعضِهم لِبَعضٍ(١٨).

فصل


التَّزْكِيَةُ - ها هنا - عِبارةٌ عنْ مَدْح الإنْسَانِ نَفْسَهُ.
قال تعالى :﴿فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ والتَّقْوَى : لا يَعْلَمُ حقيقتَها إلاَّ الله تعالى.
فإن قيل : ألَيْسَ قد قال - عليه الصلاة والسلام - :" واللَّهِ، إنّي لأمِينٌ في السَّماءِ، وأمِينٌ في الأرْضِ " (١٩).
فالجوابُ : إنَّما قال ذلك حين قال المنافِقُون له : اعدِلْ في القِسْمة ؛ ولأنَّ الله تعالى لمَّا زكَّاهُ أوَّلاً بِقِيَامِ المعْجزةِ، جاز له ذَلِكَ، بخلافِ غيرِه.
١ ينظر: الإملاء ١/١٨٣..
٢ سقط في أ..
٣ في أ: فيقطع..
٤ ينظر: الإملاء ١/١٨٣..
٥ سقط في ب..
٦ سقط في ب..
٧ في أ: حتى يفتلها..
٨ سقط في ب..
٩ سقط في أ..
١٠ في ب: حدد..
١١ في ب: بأن الله..
١٢ ينظر: تفسير البغوي ١/٤٤٠..
١٣ سقط في أ..
١٤ في ب: كفر..
١٥ ينظر: معالم التنزيل ١/٤٤٠..
١٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٥٣) عن مجاهد وأبي مالك وعكرمة وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٠٤) عن مجاهد وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر..
١٧ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٥٢) عن الحسن والضحاك وقتادة وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٠٤) عن الحسن وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وعبد الرزاق. ومعالم التنزيل ١/٤٤٠..
١٨ ينظر: معالم التنزيل ١/٤٤٠..
١٩ انظر إتحاف السادة المتقين (٥/٢٣٩) والشفا للقاضي عياض (١/٣٢٦٩)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى