اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قال المفسِّرُون(١) : خرج كَعْبُ بنُ الأشْرَفِ، وحُيَيّ بن أخْطَبَ، فِي سَبْعِينَ رَاكِباً من اليَهُودِ إلى مَكَّةَ بعد وَقْعَةِ أحُد ؛ ليُحالفُوا قُرَيْشاً، على مُحَارَبَةِ الرَّسُولِ - عليه الصَّلاة والسلام - ويَنقُضُوا العهدَ الذي كان بينَهُم وبين النبيِّ ﷺ، فنزل كَعْبٌ علَى أبِي سُفْيانَ ؛ فأحْسنَ مَثْوَاهُ، ونزلت اليهودُ في دُورِ قُرَيْشٍ، فقال أهْلُ " مكة " : إنكم(٢) أهل كتاب، ومُحَمَّدٌ صاحبُ كِتابٍ، ولا نأمَنُ أن يكُونَ هذا مَكْراً مِنكم، فإن أرَدْتَ أن نخرجَ مَعَكَ، فاسْجُدْ لهذين الصَّنَميْنِ وآمنوا بهما، فَفَعلُوا ذلك ؛ فذلك قوله تعالى :﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾(٣).
ثم قال كَعْبٌ لأهْلِ مَكَّةَ : ليجيء منكم [ الآن ](٤) ثلاثُونَ ومِنَّا ثلاثُونَ فنلْزقَ أكْبَادنا بالكعبةِ ؛ فنعاهد رَبَّ هذا البيتِ، لنجهدنَّ على قِتَالِ مُحَمَّدٍ ؛ فَفَعلُوا، ثُمَّ قال أبُو سُفْيانَ لِكَعْبٍ : إنَّك امرؤٌ تَقْرَأُ الكِتَابَ، وتَعْلَمُ، ونحنُ أُمُّيُّون، ولا نَعلَمُ، فَأيُّنَا أهْدَى طَريقاً : نَحْنُ أم(٥) مُحَمَّدٌ ؟
فقال كَعْبٌ لأبي سُفْيان : اعرضُوا عليَّ دينكم، فقال أبُو سُفْيَانَ : نحن نَنْحَرُ للحَجِيج الكُومَاء(٦)، ونَسْقيهمُ [ الماء ](٧) ونَقْري الضَّيْفَ، ونُقِلُّ العَانِي، ونَصِلُ الرَّحِمَ، ونعَمِّرُ بين رَبِّنَا، ونطوفُ به، ونحنُ أهْلُ الحَرَم، ومحمدٌ فارق دينَ آبَائِهِ، وقطعَ الرَّحمَ، وفارقَ الحَرَمَ، ودينُنَا القَديمُ، ودينُ محمدٍ الحديثُ، فقال كَعْبٌ : أنْتُمْ واللَّهِ أهْدَى سَبِيلاً مَمَّا عليه محمدٌ ؛ فنزلتْ هذه الآيةُ.
قوله :﴿يُؤْمِنُونَ﴾ فيه وجهانِ :
أحدُهُمَا : أنه حَالٌ إمَّا من :" الذين " وإمَّا مِنْ واوِ " أوتوا "، و " بالجبت " مُتعلِّقٌ به، و " يقولون " عطفٌ عليه، و " الذين " مُتعلِّقٌ ب " يقولون "، واللامُ ؛ إمَّا للتبيلغِ، وإمَّا لِلْعلةِ ؛ كنظائرها، و " هؤلاء أهدى " مُبْتَدأٌ وخَبَرٌ في محل نَصْبٍ(٨) بالقول و " سبيلاً " تَميِيزٌ.
والثَّانِي : أنَّ " يؤمنون " مُستأنَفٌ، وكأنَّه تعجَّبَ مِنْ حَالِهم ؛ إذْ كَانَ يَنْبَغِي لِمَنْ أوتِيَ نَصيباً من الكتاب ؛ ألاَّ يَفْعَلَ شَيْئاً مِمَّا ذُكِرَ، فَيكُونُ جواباً لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ ؛ كأنَّهُ قيلَ : ألاَ تَعْجَبُ مِنْ حَالِ الذِين أوتُوا نَصِيباً من الكتاب ؟ فقيل : وما حَالُهم ؟ فقالَ : يؤمِنُون [ ويقولُونَ، وهذان ](٩) منافيان لحالهم.
والجِبْتُ : حَكَى القَفَّالُ، وغيرهُ، عَن بَعْضِ أهلِ اللُّغَةِ : وهو الجِبْسُُ، بِالسِّينِ المُهْمَلَةِ، أُبدلتْ تاءً، كالنَّات، والأكْيَاتِ، وست ؛ في النَّاسِ، والأكياسِ، وسدس، قال [ الرجز المشطور ]
والجبس : هو الذي لا خير عنده.
يُقالُ رَجِلٌ جِبس، وجِبتٌ، أيْ : رَذْلٌ، قِيلَ : وإنما ادَّعَى قلبَ السِّين تاءً ؛ لأنَّ مَادَةَ ( ج ب ت ) مُهْمَلَةٌ. قَالَ(١١) قُطْرُبٌ : وغيرهُ يَجْعَلُها(١٢) مَادَّةً مُسْتَقِلَّةً، وقِيل : الجِبْتُ : السَّاحِرُ بلُغَةِ الحَبَشَةِ، والطَّاغُوتُ : الكَاهِنُ، قالهُ سعيدُ بنُ جُبَيْر، وأبُو العَالِيَةِ(١٣)، وقال عِكْرمَةُ : هما صَنَمانِ(١٤)، وقال أبُو عُبَيْدَةَ : هُما كُلُّ مَعْبُودٍ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ.
وقال عُمَر : الجِبْتُ : السِّحْرُ، والطاغُوتُ : الشَّيْطَانُ ؛ وهو قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، ومُجاهِدٍ(١٥)، وقال مُحمدُ بنُ سيرينََ، ومَكْحُولٌ : الجِبْتُ : الكاهِنُ، والطَّاغُوتُ : السَّاحِرُ(١٦)، ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ : الجِبْتُ :- بلسانِ الحبَشَةِ - : شَيْطَانٌ(١٧)، وقال الضَّحَّاكُ : الجبتُ : حُيَيُّ بنُ أخْطب، والطَّاغُوتُ : كَعْبُ بنُ الأشْرَف(١٨)، وقِيل : الجبتُ كُلُّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، والطاغوتُ : كُلُّ ما يُطْغي الإنْسانَ.
ورَوى قَبيصةُ : أنَّ النبي ﷺ قال : العِيافَةُ : والطَّرْقُ، والطِّيرةُ : مِنَ الجِبْتِ(١٩).
الطَّرْقُ : الزَّجْرُ، والعِيَافَة(٢٠) : الحط
ثم قال كَعْبٌ لأهْلِ مَكَّةَ : ليجيء منكم [ الآن ](٤) ثلاثُونَ ومِنَّا ثلاثُونَ فنلْزقَ أكْبَادنا بالكعبةِ ؛ فنعاهد رَبَّ هذا البيتِ، لنجهدنَّ على قِتَالِ مُحَمَّدٍ ؛ فَفَعلُوا، ثُمَّ قال أبُو سُفْيانَ لِكَعْبٍ : إنَّك امرؤٌ تَقْرَأُ الكِتَابَ، وتَعْلَمُ، ونحنُ أُمُّيُّون، ولا نَعلَمُ، فَأيُّنَا أهْدَى طَريقاً : نَحْنُ أم(٥) مُحَمَّدٌ ؟
فقال كَعْبٌ لأبي سُفْيان : اعرضُوا عليَّ دينكم، فقال أبُو سُفْيَانَ : نحن نَنْحَرُ للحَجِيج الكُومَاء(٦)، ونَسْقيهمُ [ الماء ](٧) ونَقْري الضَّيْفَ، ونُقِلُّ العَانِي، ونَصِلُ الرَّحِمَ، ونعَمِّرُ بين رَبِّنَا، ونطوفُ به، ونحنُ أهْلُ الحَرَم، ومحمدٌ فارق دينَ آبَائِهِ، وقطعَ الرَّحمَ، وفارقَ الحَرَمَ، ودينُنَا القَديمُ، ودينُ محمدٍ الحديثُ، فقال كَعْبٌ : أنْتُمْ واللَّهِ أهْدَى سَبِيلاً مَمَّا عليه محمدٌ ؛ فنزلتْ هذه الآيةُ.
قوله :﴿يُؤْمِنُونَ﴾ فيه وجهانِ :
أحدُهُمَا : أنه حَالٌ إمَّا من :" الذين " وإمَّا مِنْ واوِ " أوتوا "، و " بالجبت " مُتعلِّقٌ به، و " يقولون " عطفٌ عليه، و " الذين " مُتعلِّقٌ ب " يقولون "، واللامُ ؛ إمَّا للتبيلغِ، وإمَّا لِلْعلةِ ؛ كنظائرها، و " هؤلاء أهدى " مُبْتَدأٌ وخَبَرٌ في محل نَصْبٍ(٨) بالقول و " سبيلاً " تَميِيزٌ.
والثَّانِي : أنَّ " يؤمنون " مُستأنَفٌ، وكأنَّه تعجَّبَ مِنْ حَالِهم ؛ إذْ كَانَ يَنْبَغِي لِمَنْ أوتِيَ نَصيباً من الكتاب ؛ ألاَّ يَفْعَلَ شَيْئاً مِمَّا ذُكِرَ، فَيكُونُ جواباً لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ ؛ كأنَّهُ قيلَ : ألاَ تَعْجَبُ مِنْ حَالِ الذِين أوتُوا نَصِيباً من الكتاب ؟ فقيل : وما حَالُهم ؟ فقالَ : يؤمِنُون [ ويقولُونَ، وهذان ](٩) منافيان لحالهم.
والجِبْتُ : حَكَى القَفَّالُ، وغيرهُ، عَن بَعْضِ أهلِ اللُّغَةِ : وهو الجِبْسُُ، بِالسِّينِ المُهْمَلَةِ، أُبدلتْ تاءً، كالنَّات، والأكْيَاتِ، وست ؛ في النَّاسِ، والأكياسِ، وسدس، قال [ الرجز المشطور ]
| . . . . . . . . . . . . . . شِرَارَ النَّاتِ | لَيْسُوا بِأجْوَادٍ ولاَ أكْيَاتِ(١٠) |
يُقالُ رَجِلٌ جِبس، وجِبتٌ، أيْ : رَذْلٌ، قِيلَ : وإنما ادَّعَى قلبَ السِّين تاءً ؛ لأنَّ مَادَةَ ( ج ب ت ) مُهْمَلَةٌ. قَالَ(١١) قُطْرُبٌ : وغيرهُ يَجْعَلُها(١٢) مَادَّةً مُسْتَقِلَّةً، وقِيل : الجِبْتُ : السَّاحِرُ بلُغَةِ الحَبَشَةِ، والطَّاغُوتُ : الكَاهِنُ، قالهُ سعيدُ بنُ جُبَيْر، وأبُو العَالِيَةِ(١٣)، وقال عِكْرمَةُ : هما صَنَمانِ(١٤)، وقال أبُو عُبَيْدَةَ : هُما كُلُّ مَعْبُودٍ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ.
وقال عُمَر : الجِبْتُ : السِّحْرُ، والطاغُوتُ : الشَّيْطَانُ ؛ وهو قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، ومُجاهِدٍ(١٥)، وقال مُحمدُ بنُ سيرينََ، ومَكْحُولٌ : الجِبْتُ : الكاهِنُ، والطَّاغُوتُ : السَّاحِرُ(١٦)، ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ : الجِبْتُ :- بلسانِ الحبَشَةِ - : شَيْطَانٌ(١٧)، وقال الضَّحَّاكُ : الجبتُ : حُيَيُّ بنُ أخْطب، والطَّاغُوتُ : كَعْبُ بنُ الأشْرَف(١٨)، وقِيل : الجبتُ كُلُّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، والطاغوتُ : كُلُّ ما يُطْغي الإنْسانَ.
ورَوى قَبيصةُ : أنَّ النبي ﷺ قال : العِيافَةُ : والطَّرْقُ، والطِّيرةُ : مِنَ الجِبْتِ(١٩).
الطَّرْقُ : الزَّجْرُ، والعِيَافَة(٢٠) : الحط
١ ينظر: معالم التنزيل ١/٤٤١ وتفسير الرازي ١٠/١٠٣ وتفسير القرطبي ٥/١٦١..
٢ في ب: ألكم..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٦٨) عن عكرمة وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٠٦) وزاد نسبته إلى عبد الرازق..
٤ سقط في أ..
٥ في ب: أو..
٦ في ب: الكرماء..
٧ سقط في ب..
٨ في أ: وخبره في محل نصب..
٩ سقط في أ..
١٠ تقدم..
١١ في ب: قال..
١٢ في ب: فجعلناه..
١٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٦٣) عن سعيد بن جبير وأبي العالية وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٠٧) عن عكرمة وعزاه لعبد بن حميد. ومعالم التنزيل ١/٤٤١..
١٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٦٩) عن عكرمة..
١٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٦٢) عن عمر والشعبي ومجاهد وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٠٧) وزاد نسبته للفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.
وذكره أيضا (٢/٣٠٧) عن مجاهد وزاد نسبته لعبد بن حميد..
١٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٦٤) عن سعيد بن جبير ومحمد بن سيرين..
١٧ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٠٧) عن ابن عباس وعزاه لعبد بن حميد وابن أبي حاتم..
١٨ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٦٥) عن ابن عباس والضحاك..
١٩ أخرجه أحمد (٥/٦٠) وأبو داود كتاب الطب ب ٢٣ والبيهقي (٨/١٣٩) وعبد الرازق (١٩٥٠٢) وابن حبان (١٤٢٦ ـ موارد) وابن أبي شيبة (٩/٤٣) والطبراني (١٨/٣٦٩) وابن سعد (٧/٢٣) والطحاوي "شرح معاني الآثار" (٤/٣١٣) والخطيب (١٠/٤٢٥) عن قطن بن قبيصة بن مخارق عن أبيه مرفوعا.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٠٨) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم..
٢٠ العيافة: زجر الطير، والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرها، وهو من عادة العرب كثيرا..
٢ في ب: ألكم..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٦٨) عن عكرمة وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٠٦) وزاد نسبته إلى عبد الرازق..
٤ سقط في أ..
٥ في ب: أو..
٦ في ب: الكرماء..
٧ سقط في ب..
٨ في أ: وخبره في محل نصب..
٩ سقط في أ..
١٠ تقدم..
١١ في ب: قال..
١٢ في ب: فجعلناه..
١٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٦٣) عن سعيد بن جبير وأبي العالية وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٠٧) عن عكرمة وعزاه لعبد بن حميد. ومعالم التنزيل ١/٤٤١..
١٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٦٩) عن عكرمة..
١٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٦٢) عن عمر والشعبي ومجاهد وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٠٧) وزاد نسبته للفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.
وذكره أيضا (٢/٣٠٧) عن مجاهد وزاد نسبته لعبد بن حميد..
١٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٦٤) عن سعيد بن جبير ومحمد بن سيرين..
١٧ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٠٧) عن ابن عباس وعزاه لعبد بن حميد وابن أبي حاتم..
١٨ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٦٥) عن ابن عباس والضحاك..
١٩ أخرجه أحمد (٥/٦٠) وأبو داود كتاب الطب ب ٢٣ والبيهقي (٨/١٣٩) وعبد الرازق (١٩٥٠٢) وابن حبان (١٤٢٦ ـ موارد) وابن أبي شيبة (٩/٤٣) والطبراني (١٨/٣٦٩) وابن سعد (٧/٢٣) والطحاوي "شرح معاني الآثار" (٤/٣١٣) والخطيب (١٠/٤٢٥) عن قطن بن قبيصة بن مخارق عن أبيه مرفوعا.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٠٨) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم..
٢٠ العيافة: زجر الطير، والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرها، وهو من عادة العرب كثيرا..