جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاءِ أَهْدَىَ مِنَ الّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً﴾. .
يعني بذلك جل ثناؤه : ألم تر بقلبك يا محمد إلى الذين أعطوا حظا من كتاب الله فعلموه يؤمنون بالجبت والطاغوت، يعني : يصدّقون بالجبت والطاغوت ويكفرون بالله، وهم يعلمون أن الإيمان بهما كفر والتصديق بهما شرك.
ثم اختلف أهل التأويل في معنى الجبت والطاغوت، فقال بعضهم : هما صنمان كان المشركون يعبدونهما من دون الله. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، قال : أخبرني أيوب، عن عكرمة أنه قال : الجبت والطاغوت : صنمان.
وقال آخرون : الجبت : الأصنام، والطاغوت : تراجمة الأصنام. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله :﴿ألَمْ تَرَ إلَى الّذِينَ أُوتُو نَصِيبا مِن الكِتابِ يُؤمِنُونَ بالجِبْتِ وَالطّاغُوتِ﴾ الجبت : الأصنام، والطاغوت : الذين يكونون بين أيدي الأصنام يعبرون عنها الكذب ليضلوا الناس.
وزعم رجال أن الجبت : الكاهن والطاغوت : رجل من اليهود يدعى كعب بن الأشرف، وكان سيد اليهود.
وقال آخرون : الجبت : السحر، والطاغوت : الشيطان. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن أبي عديّ، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن حسان بن فائد، قال : قال عمر رضي الله عنه : الجبت : السحر، والطاغوت : الشيطان.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن حسان بن فائد العنسي، عن عمر مثله.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا عبد الملك، عمن حدثه، عن مجاهد، قال : الجبت : السحر، والطاغوت : الشيطان.
حدثني يعقوب، قال : أخبرنا هشيم، قال : أخبرنا زكريا، عن الشعبي، قال : الجبت : السحر، والطاغوت : الشيطان.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله :﴿يُؤْمِنُونَ بالجِبْتِ وَالطّاغُوتِ﴾ قال : الجبت : السحر، والطاغوت : الشيطان في صورة إنسان يتحاكمون إليه، وهو صاحب أمرهم.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن عبد الملك، عن قيس، عن مجاهد، قال : الجبت : السحر، والطاغوت : الشيطات والكاهن.
وقال آخرون : الجبت : الساحر، والطاغوت : الشيطان. ذكر من قال ذلك :
حدثنا يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : كان أبي يقول : الجبت : الساحر، والطاغوت : الشيطان.
وقال آخرون : الجبت : الساحر، والطاغوت : الكاهن. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في هذه الآية :{ الجبت والطاغوت »، قال : الجبت : الساحر بلسان الحبشة، والطاغوت : الكاهن.
حدثنا ابن المثنى، قال : عبد الأعلى، قال : حدثنا داود، عن رفيع، قال : الجبت : الساحر، والطاغوت : الكاهن.
حدثنا ابن المثنى، قال : ثني عبد الأعلى، قال : حدثنا داود، عن أبي العالية، أنه قال : الطاغوت : الساحر، والجبت : الكاهن.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عمرو بن عون، قال : أخبرنا هشيم، عن داود، عن أبي العالية في قوله :﴿الجِبْتِ وَالطّاغُوتِ﴾ قال : أحدهما السحر، والآخر الشيطان.
وقال آخرون : الجبت : الشيطان، والطاغوت : الكاهن. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : قوله :﴿يُؤْمِنُونَ بالجِبْتِ وَالطّاغُوتِ﴾ كنا نحدّث أن الجبت شيطان، والطاغوت الكاهن.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قال : الجبت : الشيطان، والطاغوت : الكاهن.
وقال آخرون : الجبت : الكاهن، والطاغوت : الشيطان. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن سعيد بن جبير، قال : الجبت : الكاهن : والطاغوت : الساحر.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا حماد بن مسعدة، قال : حدثنا عوف، عن محمد، قال في الجبت والطاغوت، قال : الجبت : الكاهن، والاَخر : الساحر.
وقال آخرون : الجبت : حيي بن أخطب، والطاغوت : كعب بن الأشرف. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ، عن ابن عباس قوله :﴿يُؤْمِنُونَ بالجِبْتِ وَالطّاغُوتِ﴾ الطاغوت : كعب بن الأشرف، والجبت : حيي بن أخطب.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك، قال : الجبت : حيي بن أخطب، والطاغوت : كعب بن الأشرف.
حدثني يحيى بن أبي طالب، قال : أخبرنا يزيد، قال : أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله :﴿الجِبْتِ والطّاغُوتِ﴾ قال : الجبت : حيي بن أخطب، والطاغوت. كعب بن الأشرف.
وقال آخرون : الجبت : كعب بن الأشرف، والطاغوت : الشيطان. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد، قال : الجبت كعب بن الأشرف، والطاغوت : الشيطان كان في صورة إنسان.
قال أبو جعفر : والصواب من القول في تأويل :﴿يُؤْمِنُونَ بالجبْتِ وَالطّاغُوتِ﴾ أن يقال : يصدّقون بمعبودين من دون الله يعبدونهما من دون الله، ويتخذونهما إلهين. وذلك أن الجبت والطاغوت اسمان لكل معظم بعبادة من دون الله، أو طاعة أو خضوع له، كائنا ما كان ذلك المعظم من حجر أو إنسان أو شيطان.
وإذ كان ذلك كذلك وكانت الأصنام التي كانت الجاهلية تعبدها كانت معظمة بالعبادة من دون الله فقد كانت جبوتا وطواغيت، وكذلك الشياطين التي كانت الكفار تطيعها في معصية الله، وكذلك الساحر والكاهن اللذان كان مقبولاً منهما ما قالا في أهل الشرك بالله، وكذلك حيي بن أخطب، وكعب بن الأشرف، لأنهما كانا مطاعين في أهل ملتهما من اليهود في معصية الله والكفر به وبرسوله، فكانا جبتين وطاغوتين. وقد بينت الأصل الذي منه قيل للطاغوت طاغوت، بما أغني عن إعادته في هذا الموضع.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَيَقُولُونَ للّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدَى مِن الّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾.
يعني بذلك جلّ ثناؤه : ويقولون للذين جحدوا وحدانية الله ورسالة رسوله محمد ﷺ :﴿هَؤلاء﴾ يعني بذلك : هؤلاء الذين وصفهم الله بالكفر ﴿أهْدَى﴾ يعني أقوم وأعدل ﴿مِنَ الّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني من الذين صدّقوا الله ورسوله وأقرّوا بما جاءهم به نبيهم محمد ﷺ ﴿سَبِيلاً﴾ يعني : طريقا. وإنما ذلك مثل، ومعنى الكلام : إن الله وصف الذين أوتوا نصيبا من الكتاب من اليهود بتعظيمهم غير الله بالعبادة والإذعان له بالطاعة في الكفر بالله ورسوله ومعصيتهما، وأنهم قالوا : إن أهل الكفر بالله أولى بالحق من أهل الإيمان به، وإن دين أهل التكذيب لله ولرسوله أعدل وأصوب من دين أهل التصديق لله ولرسوله، وذكر أن ذلك من صفة كعب بن الأشرف، وأنه قائل ذلك. ذكر الآثار الواردة بما قلنا :
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال : لما قدم كعب بن الأشرف مكة، قالت له قريش : أنت خير أهل المدينة وسيدهم ؟ قال : نعم. قالوا : ألا ترى إلى هذا الصنبور المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج وأهل السدانة وأهل السقاية ؟ قال : أنتم خير منه. قال : فأنزلت :﴿إنّ شانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ﴾، وأنزلت :﴿ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ أُوتُوا نَصِيبا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بالجبْتِ والطّاغُوتِ﴾. . . إلى قوله :﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرا﴾.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا عبد الوهاب، قال : حدثنا داود، عن عكرمة في هذه الاَية :﴿ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ أُوتُوا نَصيبا مِنَ الكِتاب﴾ ثم ذكر نحوه.
وحدثني إسحاق بن شاهين، قال : أخبرنا خالد الواسطي، عن داود، عن عكرمة، قال : قدم كعب بن الأشرف مكة، فقال له المشركون : احكم بيننا وبين هذا الصنبور الأبتر، فأنت سيدنا وسيد قومك. فقال كعب : أنتم والله خير منه. فأنزل الله تبارك وتعالى :﴿ألَمْ تَرَ إلى الّذينَ أُوتُوا نَصيبا مِنَ الكِتاب﴾. . . إلى آخر الاَية.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، قال : أخبرنا أيوب، عن عكرمة : أن كعب بن الأشرف انطلق إلى المشركين من كفار قريش، فاستجاشهم على النبيّ ﷺ، وأمرهم أن يغزوه، وقال : إنا معك نقاتله، فقالوا : إنكم أهل كتاب، وهو صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا مكرا منكم، فإن أردت أن نخرج معك فاسجد لهذين الصنمين وآمن بهما ! ففعل. ثم قالوا : نحن أهدى أم محمد ؟ فنحن ننحر الكوماء، ونسقي اللبن على الماء، ونصل الرحم، ونقري الضيف، ونطوف بهذا البيت، ومحمد قطع رحمه، وخرج من بلده. قال : بل أنتم خير وأهدى ! فنزلت فيه :﴿ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ أُوتُو نَصِيبا مِنَ الكِتاب يُؤْمِنُونَ بالجِبْتِ والطّاغُوتِ وَيَقُولُونَ للّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدَى مِنَ الّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قال : لما كان من أمر رسول الله ﷺ واليهود بني النضير ما كان حين أتاهم يستعينهم في دية العامريين، فهمّوا به وبأصحابه، فأطلع الله ورسوله على ما همّوا به من ذلك، ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، فهرب كعب بن الأشرف حتى أتى مكة، فعاهدهم على محمد، فقال له أبو سفيان : يا أبا سعد، إنكم قوم تقرءون الكتاب، وتعلمون، ونحن قوم لا نعلم، فأخبرنا : ديننا خير أم دين محمد ؟ قال كعب : اعرضوا عليّ دينكم ! فقال أبو سفيان : نحن قوم ننحر الكوماء، ونسقي الحجيج الماء، ونقري الضيف، ونعمر بيت ربنا، ونعبد آلهتنا التي كان يعبد آباؤنا، ومحمد يأمرنا أن نترك هذا ونتبعه. قال : دينكم خير من دين محمد، فاثبتوا عليه ! ألا ترون أن محمدا يزعم أنه بعث بالتواضع، وهو ينكح من النساء ما شاء ؟ وما نعلم ملكا أعظم من ملك النساء ! فذلك حين يقول :﴿ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ أُوتُوا نَصِيبا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنونَ بالجبتِ وَالطّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدَى مِنَ الّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال : نزلت في كعب بن الأشرف وكفار قريش قال : كفار قريش أهدى من محمد عليه الصلاة والسلام. قال ابن جريج : قدم كعب بن الأشرف، فجاءته قريش فسألته عن محمد فص
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ألم تر بقلبك، يا محمد، إلى الذين أُعطوا حظًّا من كتاب الله فعلموه ="يؤمنون بالجبت والطاغوت"، يعني: يصدِّقون بالجبت والطاغوت، ويكفرون بالله، وهم يعلمون أن الإيمان بهما كفر، والتصديقَ بهما شرك.
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في معنى"الجبت" و"الطاغوت".
فقال بعضهم: هما صنمان كان المشركون يعبدونهما من دون الله.
*ذكر من قال ذلك:
٩٧٦٤ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر قال، أخبرني أيوب، عن عكرمة أنه قال:"الجبت" و"الطاغوت"، صنمان.
* * *
وقال آخرون:"الجبت" الأصنام، و"الطاغوت" تراجمة الأصنام. (١)
*ذكر من قال ذلك:
٩٧٦٥ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت"،"الجبت" الأصنام، و"الطاغوت"، الذين يكونون بين أيدي الأصنام يعبّرون عنها الكذبَ ليضلوا الناس.
* * *
وزعم رجال أنّ"الجبت"، الكاهن، و"الطاغوت"، رجل من اليهود يدعى
* * *
وقال آخرون:"الجبت"، السحر، و"الطاغوت"، الشيطان.
*ذكر من قال ذلك:
٩٧٦٦ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن أبي عدي، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن حسان بن فائد قال: قال عمر رحمه الله:"الجبت" السحر، و"الطاغوت" الشيطان. (١)
٩٧٦٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن حسان بن فائد العبسي، عن عمر مثله. (٢)
٩٧٦٨ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الملك، عمن حدثه، عن مجاهد قال:"الجبت" السحر، و"الطاغوت" الشيطان.
٩٧٦٩ - حدثني يعقوب قال، أخبرنا هشيم قال، أخبرنا زكريا، عن الشعبي قال:"الجبت"، السحر، و"الطاغوت"، الشيطان.
٩٧٧٠ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"يؤمنون بالجبت والطاغوت"، قال:"الجبت" السحر، و"الطاغوت"، الشيطان في صورة إنسان يتحاكمون إليه، وهو صاحب أمرهم.
٩٧٧١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عبد الملك، عن قيس، عن مجاهد قال:"الجبت" السحر، و"الطاغوت"، الشيطان والكاهن.
* * *
(٢) الأثر: ٩٧٦٧ - مضى برقم: ٥٨٣٤.
*ذكر من قال ذلك:
٩٧٧٢ - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: كان أبي يقول:"الجبت"، الساحر، و"الطاغوت"، الشيطان.
* * *
وقال آخرون:"الجبت"، الساحر، و"الطاغوت"، الكاهن.
*ذكر من قال ذلك:
٩٧٧٣ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في هذه الآية:"الجبت والطاغوت"، قال:"الجبت" الساحر، بلسان الحبشة، و"الطاغوت" الكاهن.
٩٧٧٤ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن رفيع قال:"الجبت"، الساحر، و"الطاغوت"، الكاهن.
٩٧٧٥ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثني عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن أبي العالية أنه قال:"الطاغوت" الساحر، و"الجبت" الكاهن.
٩٧٧٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن داود، عن أبي العالية، في قوله:"الجبت والطاغوت"، قال: أحدهما السحر، والآخر الشيطان.
* * *
وقال آخرون:"الجبت" الشيطان، و"الطاغوت" الكاهن.
*ذكر من قال ذلك:
٩٧٧٧ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"يؤمنون بالجبت والطاغوت"، كنا نحدَّث أن الجبت شيطان، والطاغوت الكاهن.
٩٧٧٩ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال:"الجبت" الشيطان، و"الطاغوت" الكاهن.
* * *
وقال آخرون:"الجبت" الكاهن، و"الطاغوت" الساحر. (١)
*ذكر من قال ذلك:
٩٧٨٠ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن سعيد بن جبير قال:"الجبت" الكاهن، و"الطاغوت" الساحر.
٩٧٨١ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا حماد بن مسعدة قال، حدثنا عوف، عن محمد قال في الجبت والطاغوت، قال:"الجبت" الكاهن، والآخر الساحر.
* * *
وقال آخرون:"الجبت" حيي بن أخطب، و"الطاغوت"، كعب بن الأشرف.
*ذكر من قال ذلك:
٩٧٨٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي، عن ابن عباس قوله:"يؤمنون بالجبت والطاغوت"،"الطاغوت": كعب بن الأشرف، و"الجبت": حيي بن أخطب.
٩٧٨٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك قال:"الجبت": حيي بن أخطب، و"الطاغوت": كعب بن الأشرف.
٩٧٨٤ - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا
* * *
وقال آخرون:"الجبت" كعب بن الأشرف، و"الطاغوت" الشيطان.
*ذكر من قال ذلك:
٩٧٨٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد قال:"الجبت": كعب بن الأشرف، و"الطاغوت": الشيطان، كان في صورة إنسان.
قال أبو جعفر: والصواب من القول في تأويل:"يؤمنون بالجبت والطاغوت"، أن يقال: يصدِّقون بمعبودَين من دون الله، يعبدونهما من دون الله، ويتخذونهما إلهين.
وذلك أن"الجبت" و"الطاغوت": اسمان لكل معظَّم بعبادةٍ من دون الله، أو طاعة، أو خضوع له، كائنًا ما كان ذلك المعظَّم، من حجر أو إنسان أو شيطان. وإذ كان ذلك كذلك، وكانت الأصنام التي كانت الجاهلية تعبدها، كانت معظمة بالعبادة من دون الله = فقد كانت جُبوتًا وطواغيت. وكذلك الشياطين التي كانت الكفار تطيعها في معصية الله، وكذلك الساحر والكاهن اللذان كان مقبولا منهما ما قالا في أهل الشرك بالله. وكذلك حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف، لأنهما كانا مطاعين في أهل ملّتهما من اليهود في معصية الله والكفر به وبرسوله، فكانا جبتين وطاغوتين.
* * *
وقد بينت الأصل الذي منه قيل للطاغوت:"طاغوت"، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (١)
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ويقولون للذين جحدوا وحدانية الله ورسالة رسوله محمد ﷺ =:"هؤلاء"، يعني بذلك: هؤلاء الذين وصفهم الله بالكفر ="أهدى"، يعني: أقوم وأعدل ="من الذين آمنوا"، يعني: من الذين صدَّقوا الله ورسوله وأقرُّوا بما جاءهم به نبيهم محمد ﷺ ="سبيلا"، يعني: طريقًا.
* * *
قال أبو جعفر: وإنما ذلك مَثَلٌ. ومعنى الكلام: أن الله وصف الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب من اليهود = بتعظيمهم غير الله بالعبادة والإذعان له بالطاعة = في الكفر بالله ورسوله ومعصيتهما، بأنهم قالوا: (١) إن أهل الكفر بالله أولى بالحق من أهل الإيمان به، وأن دين أهل التكذيب لله ولرسوله، أعدل وأصوبُ من دين أهل التصديق لله ولرسوله. وذكر أن ذلك من صفة كعب بن الأشرف، وأنه قائل ذلك.
ذكر الآثار الواردة بما قلنا:
٩٧٨٦ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما قدم كعب بن الأشرف مكة، قالت له قريش: أنت حَبْر أهل المدينة وسيدهم؟ (٢) قال: نعم. قالوا: ألا ترى إلى هذا
(٢) في المطبوعة: "خير أهل المدينة"، وفي المخطوطة"حبر"، وإن كانت غير منقوطة في كثير من المواضع. ووقع في لسان العرب مادة (صنبر) :"خير" وفي مادة (بتر) :"حبر"، فأثبتها ورجحتها، لأنهم إنما سألوه عن شأن الدين، والحبر: العالم من أهل الكتاب، فهو المسئول عن مثل ما سألوه عنه من أمر خير الدينين.
٩٧٨٧ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود، عن عكرمة في هذه الآية:"ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب" ثم ذكر نحوه.
٩٧٨٨ - وحدثني إسحاق بن شاهين قال، أخبرنا خالد الواسطي، عن داود، عن عكرمة قال: قدم كعب بن الأشرف مكة، فقال له المشركون: احكم بيننا، وبين هذا الصنبور الأبتر، فأنت سيدنا وسيد قومك! فقال كعب: أنتم والله خيرٌ منه! فأنزل الله تبارك وتعالى:"ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب"، إلى آخر الآية. (٢)
٩٧٨٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر قال، أخبرنا أيوب، عن عكرمة: أن كعب بن الأشرف انطلق إلى المشركين من كفار قريش، فاستجاشهم على النبي صلى الله عليه وسلم، (٣) وأمرهم أن
و"المنبتر" و"الأبتر": المنقطع الذي لا عقب له.
(٢) الأثر: ٩٧٨٨ -"إسحاق بن شاهين الواسطي"، مضى برقم: ٨٢١١، ولم نجد له ترجمة. و "خالد الواسطي"، هو: خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن الواسطي" مضى برقم: ٧٢١١.
(٣) "استجاش القوم": طلب منهم أن يجيشوا جيشًا.
٩٧٩٠ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: قال: لما كان من أمر رسول الله ﷺ واليهود من بني النضير ما كان، (٢) حين أتاهم يستعينهم في دية العامريَّين، فهمّوا به وبأصحابه، (٣) فأطلع الله رسوله على ما هموا به من ذلك. ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، فهرب كعب بن الأشرف حتى أتى مكة، فعاهدهم على محمد، فقال له أبو سفيان: يا أبا سعد، إنكم قوم تقرؤون الكتابَ وتعلمون، ونحن قوم لا نعلم! فأخبرنا، ديننا خير أم دين محمد؟ قال كعب: اعرضوا عليّ دينكم. فقال أبو سفيان: نحن قوم ننحر الكوماء، ونسقي الحجيج الماء، ونقري الضيف، ونعمر بيت ربنا، ونعبد آلهتنا التي كان يعبد آباؤنا، ومحمد يأمرنا أن نترك هذا ونتبعه! قال: دينكم خير من دين محمد، فاثبتوا عليه، ألا ترون أنّ محمدًا يزعم
(٢) في المطبوعة: "واليهود بني النضير"، وأثبت ما في المخطوطة.
(٣) ذلك في سنة أربع من الهجرة، فأرادوا أن يغدروا برسول الله ﷺ وتمالأوا على أن يلقوا عليه حجرًا من فوق جدار البيت الذي كان رسول الله جالسًا إلى جنبه، فأطلعه الله على ذلك من أمرهم، فقام وخرج راجعًا إلى المدينة، ثم أمر بالتهيؤ لحرب بني النضير، فحاصرهم، وأجلاهم، وفيهم نزلت"سورة الحشر" بأسرها. انظر سيرة ابن هشام ٣: ١٩٩ - ٢١٣.
٩٧٩١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: نزلت في كعب بن الأشرف وكفار قريش، قال: كفار قريش أهدى من محمد! "عليه السلام" = قال ابن جريج: قدم كعب بن الأشرف، فجاءته قريش فسألته عن محمد، فصغَّر أمره ويسَّره، وأخبرهم أنه ضالٌّ. قال: ثم قالوا له: ننشدك الله، نحن أهدى أم هو؟ فإنك قد علمت أنا ننحر الكُوم، ونسقي الحجيج، ونعمر البيت، ونطعم ما هبَّت الريح؟ (٢) قال: أنتم أهدى.
* * *
وقال آخرون: بل هذه الصفة، صفة جماعة من اليهود، منهم: حُيَيّ بن أخطب، وهم الذين قالوا للمشركين ما أخبر الله عنهم أنهم قالوه لهم.
ذكر الأخبار بذلك:
٩٧٩٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن قاله قال، أخبرني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان الذين حَزَّبوا الأحزاب من قريش وغطفان وبني قريظة: حيي بن أخطب، وسلام بن أبي الحقيق أبو رافع، (٣) والربيع بن الربيع بن أبي الحقيق، (٤)
(٢) قوله: "نطعم ما هبت الريح"، يراد به معنى الدوام. ولو أرادوا به زمن الشتاء في القحط، لكان صوابًا.
(٣) في المطبوعة: "وأبو رافع" بزيادة الواو، وهو خطأ: "أبو رافع" كنية سلام ابن أبي الحقيق. والصواب من المخطوطة، وهو مطابق لما في سيرة ابن هشام.
(٤) في المطبوعة: "والربيع بن أبي الحقيق" أسقط"بن الربيع"، والصواب من المخطوطة، وهو مطابق لما في سيرة ابن هشام.
٩٧٩٣ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت"، الآية، قال: ذُكر لنا أن هذه الآية أنزلت في كعب بن الأشرف، وحيي بن أخطب، ورجلين من اليهود من بني النضير، لقيا قريشًا بمَوْسم، (٤) فقال لهم المشركون: أنحن أهدى أم محمد وأصحابه؟ فإنا أهل السِّدانة والسقاية، وأهل الحرم؟ فقالا لا بل أنتم أهدى من محمد وأصحابه! وهما يعلمان أنهما كاذبان، إنما حملهما على ذلك حَسَد محمد وأصحابه.
* * *
وقال آخرون: بل هذه صفة حيي بن أخطب وحده، وإياه عنى بقوله:"ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا".
*ذكر من قال ذلك:
٩٧٩٤ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب" إلى آخر الآية، قال: جاء حيي بن
(٢) "أبو عمار" في المطبوعة في الموضعين"أبو عامر"، وهو خطأ، صوابه من المخطوطة، وهو مطابق لما في سيرة ابن هشام.
(٣) الأثر: ٩٧٩٢ - سيرة ابن هشام ٢: ٢١٠، وهو تابع الآثار التي آخرها رقم: ٩٧٢٤.
(٤) الموسم: مجتمع الناس، في سوق أو في حج أو غيرهما.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصحة في ذلك، قولُ من قال: إن ذلك خبر من الله جل ثناؤه عن جماعة من أهل الكتاب من اليهود. وجائز أن تكون كانت الجماعةَ الذين سماهم ابن عباس في الخبر الذي رواه محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد، = أو يكون حُيَيًّا وآخر معه، (١) إما كعبًا، وإما غيره.
* * *