البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
الجبت : اسم لصنم ثم صار مستعملاً لكل باطل، ولذلك اختلفت فيه أقاويل المفسرين على ما سيأتي.
وقال قطرب : الجبت الجبس، وهو الذي لا خير عنده، قلبت السين تاء.
قيل : وإنما قال هذا لأن الجبت مهمل.
﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت﴾ أجمعوا أنَّها في اليهود.
وسبب نزولها أنَّ كعب بن الأشرف وحيى بن أخطب وجماعة معهما وردوا مكة يحالفون قريشاً على محاربة رسول الله ﷺ فقالوا : أنتم أهل كتاب، وأنتم أقرب إلى محمد منكم إلينا فلاناً من مكركم فاسجدوا لآلهتنا حتى نطمئن إليكم، ففعلوا.
وقال أبو سفيان : أنحن أهدى سبيلاً أم محمد ؟ فقال كعب : ماذا يقول محمد ؟ قالوا : يأمر بعبادة الله وحده، وينهى عن الشرك.
قال : وما دينكم ؟ قالوا : نحن ولاة البيت نسقي الحاج، ونقري الضيف، ونفك العانى، وذكروا أفعالهم.
فقال : أنتم أهدى سبيلاً.
وفي بعض ألفاظ هذا السبب خلاف قاله ابن عباس.
وقال عكرمة، خرج كعب في سبعين راكباً من اليهود إلى مكة بعد وقعة أحد، والكتاب هنا التوراة على قول الجمهور، ويحتمل أن يكون التوراة والإنجيل.
والجبت والطاغوت صنمان كانا لقريش قاله : عكرمة وغيره.
أو الجبت هنا حيي، والطاغوت كعب، قاله : ابن عباس أيضاً.
أو الجبت السحر، والطاغوت الشيطان، قاله : مجاهد، والشعبي وروى عن عمر والجبت الساحر، والطاغوت الشيطان قاله : زيد بن أسلم.
أو الجبت الساحر، والطاغوت الكاهن، قاله : رفيع وابن جبير.
أو الجبت الكاهن، والطاغوت الشيطان، قاله : ابن جبير أيضاً.
أو الجبت الكاهن، والطاغوت الساحر، قاله : ابن سيرين.
أو الجبت الشيطان، والطاغوت الكاهن قاله : قتادة.
أو الجبت كعب، والطاغوت الشيطان كان في صورة انسان، أو الجبت الأصنام وكل ما عبد من دون الله، والطاغوت الشيطان قاله : الزمخشري.
أو الجبت والطاغوت كل معبود من دون الله من حجر، أو صورة، أو شيطان قاله : الزجاج، وابن قتيبة.
وأورد بعض المفسرين الخلاف مفرقاً فقال : الجبت السحر قاله : عمر، ومجاهد، والشعبي.
أو الأصنام رواه عطية عن ابن عباس، وبه قال الضحاك، والفراء، أو كعب بن الأشرف.
رواه الضحاك، عن ابن عباس.
وليث، عن مجاهد.
أو الكاهن روى عن ابن عباس، وبه قال : مكحول، وابن سيرين.
أو الشيطان قاله : ابن جبير في رواية، وقتادة والسدي أو الساحر قاله : أبو العالية وابن زيد.
وروى أبو بشر عن ابن جبير قال : الجبت الساحر بلسان الحبشة، وأما الطاغوت فالشيطان قاله : عمر، ومجاهد في رواية الشعبي وابن زيد.
أو المترجمون بين يدى الأصنام رواه العوفي عن ابن عباس، أو كعب، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال : الضحاك، والفرّاء.
أو الكاهن قاله عكرمة أو الساحر، روي عن ابن عباس، وابن سيرين، ومكحول، أو كل ما عبد من دون الله قاله : مالك.
وقال قوم : الجبت والطاغوت مترادفان على معنى واحد، والجمهور وأقوال المفسرين على خلاف ذلك، وأنهما اثنان.
وقد جعل رسول الله ﷺ الكلام على المغيبات جبتاً لكون علم الغيب يختص بالله تعالى.
خرج أبو داود في سننه عن رسول الله ﷺ أنه قال :« الطرق والطيرة والعيافة من الجبت » الطرق الزجر، والعيافة الخط.
فان الجبت والطاغوت الأصنام أو ما عبد من دون الله، فالإيمان بهما التصديق بأنهما آلهة يشركونهما في العبادة مع الله، وان كان حيياً، وكعباً، أو جماعة من اليهود، أو الساحر، أو الكاهن، أو الشيطان، فالإيمان بهم عبارة عن طاعتهم وموافقتهم على ما هم عليه، ويكون من باب اطلاق ثمرة الإيمان وهي الطاعة على الإيمان.
﴿ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً﴾ الضمير في يقولون عائد على الذين أوتوا.
وفي سبب النزول ان كعباً هو قائل هذه المقالة، والجملة من يؤمنون حال، ويقولون معطوف على يؤمنون فهي حال.
ويحتمل أنْ يكون استئناف أخبار تبين التعجب منهم كأنه قال : ألا تعجب إلى حال الذين أوتوا نصيباً، فكأنه قيل : وما حالهم وهم قد أوتوا نصيباً من كتاب الله ؟ فقال : يؤمنون بكذا، يقولون كذا.
أي : أن أحوالهم متنافية.
فكونهم أوتوا نصيباً من الكتاب يقتضي لهم أن لا يقعوا فيما وقعوا فيه، ولكن الحامل لهم على ذلك هو الحسد.
واللام في للذين كفروا للتبليغ متعلقة بيقولون.
والذين كفروا هم قريش، والإشارة بهؤلاء إليهم، والذين آمنوا هم النبي وأمته.
والظاهر أنهم أطلقوا أفعل التفضيل ولم يلحظوا معنى التشريك فيه، أو قالوا ذلك على سبيل الاستهزاء لكفرهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة أنواعاً من الفصاحة والبيان والبديع.
الاستفهام الذي يراد به التعجب في : ألم تر في الموضعين.
والخطاب العام ويراد به الخاص في : يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا وهو دعاء الرسول ﷺ ابن صوريا وكعباً وغيرهما من الأحبار إلى الإيمان حسب ما في سبب النزول.
والاستعارة في قوله : من قبل أن نطمس وجوهاً، في قول من قال : هو الصرف عن الحق، وفي : ليذوقوا العذاب، أطلق اسم الذوق الذي هو مختص بحاسة اللسان وسقف الحلق على وصول الألم للقلب.
والطباق في : فنردّها على أدبارها، والوجه ضد القفا، وفي للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا، وفي : إن الذين كفروا والذين آمنوا، وفي : من آمن ومن صدّ، وهذا طباق معنوي.
والاستطراد في : أو نلعنهم كما لعن أصحاب السبت.
والتكرار في : يغفر، وفي : لفظ الجلالة، وفي : لفظ الناس، وفي : آتينا وآتيناهم، وفي : فمنهم ومنهم، وفي : جلودهم وجلوداً، وفي : سندخلهم وندخلهم.
والتجنيس المماثل في : نلعنهم كما لعنا وفي : لا يغفر ويغفر، وفي : لعنهم الله ومن يلعن الله، وفي : لا يؤتون ما آتاهم آتينا وآتيناهم وفي : يؤمنون بالجبت وآمنوا أهدى.
والتعجب : بلفظ الأمر في قوله : انظر كيف يفترون.
وتلوين الخطاب في : يفترون أقام المضارع مقام الماضي إعلاماً أنهم مستمرون على ذلك.
والاستفهام الذي معناه التوبيخ والتقريع في : أم لهم نصيب وفي : أم يحسدون.
والإشارة في : أولئك الذين.
والتقسيم في : فمنهم من آمن به ومنهم من صدّ عنه.
والتعريض في : فإذن لا يؤتون الناس نقيراً عرض بشدة بخلهم.
وإطلاق الجمع على الواحد في : أم يحسدون الناس إذا فسر بالرسول، وإقامة المنكر مقام المعرف لملاحظة الشيوع.
والكثرة في : سوف نصليهم ناراً.
والاختصاص في : عزيزاً حكيماً.
والحذف في : مواضع.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى