غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراءات :﴿تسوّى﴾ بإدغام تاء التفعل في السين : أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿تسوّى﴾ بالإمالة وحذف التاء الأولى : حمزة وعلي وخلف. الباقون ﴿تسوّى﴾ مبنياً للمفعول من التسوية ﴿لمستم﴾ من اللمس وكذلك في المائدة : حمزة وعلي وخلف والمفضل. الباقون :﴿لامستم﴾ من الملامسة ﴿فتيلاً انظر﴾ بكسر التنوين : أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم وابن ذكوان. الباقون : بالضم. وفرق بعضهم بين موضع الخفض فلم يجوز الضم كراهة الانتقال من الكسرة إلى الضمة نحو ﴿متشابه انظروا﴾[الأنعام: ٩٩] و﴿برحمة ادخلوا﴾
[الأعراف: ٤٩] و﴿خبيثة اجتثت﴾[إبراهيم: ٢٦] و﴿عذاب اركض﴾[ص: ٤١] وأشباه ذلك. ﴿نضجت جلودهم﴾ وبابه مدغماً : حمزة وعلي وخلف وهشام وأبو عمرو.
الوقوف :﴿شهيداً﴾ ط ﴿الأرض﴾ ط ﴿حديثاً﴾ ه ﴿تغتسلوا﴾ ط ﴿وأيديكم﴾ ط ﴿غفوراً﴾ ه ﴿السبيل﴾ ه ط ﴿بأعدائكم﴾ ط ﴿نصيراً﴾ ه ﴿في الدين﴾ ط ﴿وأقوم﴾ لا لاتصال لكن ﴿قليلاً﴾ ه ﴿السبت﴾ ط ﴿مفعولاً﴾ ه ﴿لمن يشاء﴾ ج ﴿عظيماً﴾ ه ﴿يزكون أنفسهم﴾ ط ﴿فتيلاً﴾ ه ﴿الكذب﴾ ط ﴿مبيناً﴾ ه ط ﴿سبيلا﴾ ه ﴿لعنهم الله﴾ ط ﴿نصيراً﴾ ه ط لأن " أم " بمعنى همزة الاستفهام للإنكار ﴿نقيراً﴾ ه لا للعطف ﴿من فضله﴾ ج لتناهي الاستفهام مع تعقب الفاء ﴿عظيماً﴾ ه ﴿صدّ عنه﴾ ط ﴿سعيراً﴾ ه ﴿ناراً﴾ ط ﴿العذاب﴾ ط ﴿حكيماً﴾ ه ﴿أبداً﴾ ط ﴿مطهرة﴾ ز لاستئناف الفعل على أنه من تمام المقصود ﴿ظليلاً﴾ ه.
ثم لما وصفهم بالضلال والإضلال وصفهم بالبخل والحسد اللذين هما شر الخصال، لأن البخيل يمنع ما أوتي من النعمة، والحاسد يتمنى أن يزول عن الغير ما أوتي من الفضيلة. و " أم " قيل : إنها متصلة وقد سبقها استفهام في المعنى كأنه لما حكى قولهم للمشركين أنهم أهدى سبيلاً من المؤمنين قال : أمن ذلك يتعجب أم من قولهم لهم نصيب من الملك مع أنهم لو كان لهم ملك لبخلوا بأقل القليل ؟ وقيل : الميم زائدة والتقدير ألهم نصيب ؟ والأصح أنها منقطعة كأنه لما تم الكلام الأول قال : بل ألهم نصيب من الملك ؟ ومعنى الآية أنهم كانوا يزعمون أن الملك يعود إليهم في آخر الزمان ويخرج من اليهود من يجدد ملكهم ودينهم فكذبهم الله. وقيل : المراد بالملك التمليك يعني أنهم إنما يقدرون على دفع نبوتك لو كان التمليك إليهم، ولو كان التمليك إليهم لبخلوا بالنقير والقطمير فكيف يقدرون على النفي والإثبات ؟ وقال أبو بكر الأصم : كانوا أصحاب بساتين وأموال وكانوا في عزة ومنعة كما تكون أحوال الملوك، ثم كانوا يبخلون على الفقراء بأقل القليل فنزلت الآية فيهم. وعلى هذا فإنما يتوجه الإنكار على أنهم لا يؤتون أحداً مما يملكون شيئاً. وعلى الأقوال المتقدمة يتوجه الإنكار على أن لهم نصيباً من الملك فكأنه تعالى جعل بخلهم كالمانع من حصول الملك لهم فإن البخل والملك لا يجتمعان كما قيل : بالبر يستعبد الحر والإنسان عبد الإحسان. البخيل تنفر الطباع عن الانقياد له فلا يتيسر له أسباب المملكة، وإن اجتمعت بالندرة فسوق تضمحل. وإنما لم يعمل " إذن " لدخول الفاء عليه. وذلك أن ما بعد العاطف من تمام ما قبله بسبب ربط العاطف بعض الكلام ببعض فينخرم تصدره فكأنه معتمد فترجح إلغاؤه وارتفاع الفعل بعده.
وجاء في قراءة ابن مسعود ﴿فإذن لا يؤتوا﴾ بالأعمال وليس بقوي. والنقير نقرة في ظهر النواة " فعيل " بمعنى " مفعول " ومنها " نبتت النخلة " وهو مثل في القلة كالفتيل. فإن قيل : كيف يعقل أنهم لا يبذلون نقيراً وكثيراً ما يشاهد منهم بذل الأموال ؟ قلنا : المدعى عدم إيتاء النقير على تقدير حصول الملك ويراد به الملك الظاهر كما لملوك الدنيا، أو الباطن كما للعلماء الربانيين، أو كلاهما كما للأنبياء. وحصول شيء من هذه الأقسام لهم ممنوع لما ضربت عليهم الذلة والمسكنة. ولئن فرض حصول شيء منها فما يدريك لعل الشح يغلب عليهم حتى لا يشاهد منهم بذل نقير كما أخبر عنه علام الغيوب. وأما على تفسير الأصم فلعل المراد لأنهم لا يبذلون شيئاً نسبته إلى ما يملكونه كنسبة النقير إلى النواة، أو أنهم لا يطيبون بذلك نفساً لغلبة الشح عليهم والله تعالى أعلم بمراده. هذا بيان بخلهم،
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل :﴿لو تسوّى بهم الأرض﴾ أي يتمنون أن يخلوا في عالم الطبيعة ولم ينكشف لهم عالم الحقيقة كيلا يروا ما يرون من عذاب القطيعة، كما أن السكران ممنوع من الصلاة. فسكران الغفلة والهوى محجوب عن المواصلات ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ من غلبات الأحوال فإن التكاليف حينئذ زائلة ﴿ولا جنباً﴾ بالالتفات إلى غير الله فإن الصلاة إذ ذاك باطلة. وتستثنى من الحالة الأولى حالة الشعور، ومن الثانية حالة العبور " كن في الدنيا كأنك غريب أو كعابر سبيل " فهذا القدر من الالتفات من المحظورات التي أباحها الضرورات. ﴿وإن كنتم مرضى﴾ بحب الدنيا ﴿أو على سفر﴾ في متابعة الهوى ﴿أو جاء أحد منكم الغائط﴾ في قضاء شهوة من الشهوات ﴿أو لامستم﴾ عجوز الدنيا في تحصيل لذة من اللذات ﴿فلم تجدوا ماء﴾ التوبة والاستغفار ﴿فتيمموا﴾ فتمعكوا في تراب أقدام الكرام فإنه طهور الذنوب العظام. ﴿من الذين هادوا﴾ يعني دأب علماء السوء قريب من دأب الذين هادوا ﴿يحرفون الكلم عن مواضعه﴾ يؤولونها على حسب إرادتهم ﴿ويقولون سمعنا﴾ ما في القرآن، بالمقال ﴿وعصينا﴾ بالفعال وينكرون على أرباب المقامات والأحوال ويقولون اسمع ﴿غير مسمع وراعنا﴾ يخاطبونهم بكلام ذي وجهين ﴿ليا بألسنتهم وطعناً﴾ في أهل الدين. ﴿يا أيها الذين أوتوا الكتاب﴾ ظاهراً ولم يؤتوا علم باطن الكتاب ﴿آمنوا بما نزلنا﴾ على الأولياء من علم باطن القرآن ﴿مصدقاً لما معكم﴾ من العلم الظاهر لأن أهل العلم اللدني يصدقون أهل العلم الظاهر، ولكن أهل العلم الظاهر يصعب عليهم تصديق علوم الأولياء لأنه لا يناسب عقولهم ﴿من قبل أن نطمس﴾ وجوه القلوب بالعمى والصمم ﴿فنردها على أدبارها﴾ ناظرين إلى الدنيا وزخارفها بعد أن كانوا ناظرين في الميثاق إلى يومها ﴿أو نلعنهم﴾ نمسخ صفاتهم الإنسانية بالسبعية والشيطانية كما مسخنا أصحاب السبت بالصورة، ومسخ المعنى أصعب من مسخ الصورة لأن فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ للشرك ثلاث مراتب وكذا للمغفرة. فشرك جلي بالأعيان وهو للعوام من عبدة الكواكب والأصنام فلا يغفر إلا بالتوحيد وهو إظهار العبودية في إثبات الربوبية مصدقاً بالسر والعلانية. وشرك خفي بالأوصاف للخواص وهو شوب العبودية بالالتفات إلى غير الربوبية، فلا يغفر إلاّ بالوحدانية وهو إفراد الواحد للواحد. وشرك أخفى للأخص وهو رؤية الأغيار والأنانية فلا يغفر إلا بالوحدة وهو فناء الناسوتية في بقاء اللاهوتية.
﴿ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم﴾ من أهل العلوم الظاهرة تعلموا العلم ليباهوا به العلماء أو ليماروا به السفهاء فحصل له صفات ذميمة أخرى مثل المباهاة والمماراة والكبر والعجب والحسد والرياء وحب الجاه والرياسة وغلبة الأقران والأنداد ﴿بل الله يزكي من يشاء﴾ بتسليم نفوسهم إلى أرباب التزكية من العلماء الراسخين والمشايخ المحققين كما يسلم الجلد إلى الدباغ ليجعله أديماً، فإذا سلموا أنفسهم إليهم وصبروا على تصرفاتهم رأوا أثر الزكاة فيهم ولن يضيع سعيهم ﴿يؤمنون بالجبت﴾ بجبت النفس الأمّارة وطاغوت الهوى ﴿ويقولون للذين كفروا﴾ من أهل الأهواء والمبتدعة والمتفلسفة ﴿هؤلاء أهدى من الذين آمنوا﴾ بكل ما أمر الله به ورسوله. ثم وصفهم بالبخل والحسد ثم قال :﴿فقد آتينا آل إبراهيم﴾ يعني أهل الخلة والمحبة ﴿الكتاب والحكمة﴾ العلم الظاهر والعلم الباطن ﴿وآتيناهم ملكاً عظيماً﴾ هو معرفة الله تعالى ﴿فمنهم من آمن به ومنهم من صدّ عنه﴾ لأن من العلماء مقبلين ومنهم مدبرين ﴿وكفى بجهنم﴾ نفسهم الحاسدة ﴿سعيراً﴾ تحرق حسناتهم فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. ﴿إن الذين كفروا بآياتنا﴾ بأوليائنا الذين هم مظاهر آيات الحق وحجج الله على الخلق ﴿سوف نصليهم﴾ نار الحسد والغضب والكبر والعجب ﴿كلما نضجت جلودهم﴾ أي انقطعت بعض أماني نفوسهم الأمّارة ومقتضيات هواها. ولا يخفى حسن استعارة الجلود لآثار الشيء من حيث الظهور والاشتمال ﴿بدّلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب﴾ فإن دواعي الحرص والغضب والشهوة لا تتناهى ألبتة ما دامت النفس على صفة الأمرية، فلن تزال أسيرة في يد الشهوات ذائقة لعذاب التغلقات ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم﴾ أي نجذبهم بجذبات العناية إلى ﴿جنات﴾ من الوصلة ﴿تجري من تحتها الأنهار﴾ من ماء الحكمة ولبن الفطرة وخمر الشهود وعسل الكشوف ﴿لهم فيها أزواج﴾ من تجلي صفات الجمال والجلال ﴿مطهرة﴾ من لوث الوهم والخيال ﴿وندخلهم ظلاً ظليلاً﴾ هو ظل شمس عالم الوجود يوم لا ظل إلاّ ظله.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى