الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله :( اِنَّ الذِينَ كَفَرُوا بِئَايَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً ) الآية [ ٥٦ ].
هذا وعيد من الله عز وجل لمن أقام على الكفر وأعرض(١) عن النبي ﷺ وما جاء به ( سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً ) أي نلقيهم في النار(٢).
وقيل المعنى : سوف نشويهم بنار(٣). يقال أصليته : ألقيته في النار وصليته شويته، فنلقيهم(٤) أولى بالمعنى لأنه رباعي.
قوله :( كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم ) أي احترقت واشتوت.
قال ابن عمر : إذا احترقت جلودهم بدلوا جلوداً غيرها بيضاء مثل القراطيس(٥).
قال الحسن : تأكلهم النار كل يوم سبعين ألف مرة، كلما أكلتهم قيل لهم عودوا فيكونون كما كانوا(٦). قال الربيع : سمعنا أنه مكتوب في الكتاب الأول أن جلد أحدهم أربعون ذراعاً، وسنه(٧) تسعون ذراعاً(٨)، وبطنه(٩) لو وضع فيه جبل وسعه، فإذا أكلت النار جلودهم بدلوا جلوداً غيرها(١٠). قال الحسن : تنضجهم في اليوم سبعين ألف مرة. قال : وغلظ جلد الكفار أربعون ذراعاً، والله أعلم بأي ذراع(١١).
وإنما جاز أن يبدلوا جلوداً غير جلودهم التي كانت في الدنيا فيعذبون منها وهي لم تذنب، لأن الألم إنما يصل إلى الإنسان الذي هو غير الجلد واللحم، وإنما تحرق النار الجلد ليصل الألم إلى الإنسان، وينعم ليصل النعيم إلى الإنسان، وليس يألم الجلد ولا اللحم وإنما يألم الإنسان، ألا ترى أنه لو مات وحرق الجلد واللحم لم يكن ألم ثابت يحس، وإنما هو بمنزلة الجندل(١٢) إذا زالت الإنسانية منه(١٣).
وقيل : المعنى : بدلناهم جلوداً غير محرقة، أي يصير الجلد ( غير )(١٤) محرق، وهو كما تقول : صغ لي خاتماً من هذه الفضة، فإذا تم الخاتم فهو الفضة بعينها(١٥).
وقيل : المعنى : كلما نضجت سرابيلهم بدلوا سرابيل من قطران غيرها، فجعلت السرابيل لهم جلوداً لملازمتهم لها كما يقال : الشيء الخاص بالإنسان هو الجلدة ما بين عينيه لملازمته(١٦) لها(١٧). وقد أخبر الله بلباسه السرابيل(١٨) من قطران فقال
( سَرَابِلُهُم مِّن قَطِرَانٍ )(١٩) فأما جلودهم فليس تحرق لأن في احتراقها فناءها، وفي فنائها راحتها وجواز فناء غيرها من أجسامهم ولحومهم. وقد أخبر الله تعالى أنهم لا يخفف عنهم ولا يموتون.
والاختيار عند أهل النظر(٢٠) أن يكون الجلد الأول أعيد جديداً كما كان، كما تقول صغت من خاتمي خاتماً فأنت وإن غيرت المصوغة، فالفضة واحدة لم تبدلها.
قوله :( لِيَذُوقُوا العَذَابَ ) أي : فعلنا ذلك ليذوقوا العذاب أي : ألمه وشدته ( إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً ) أي : لم يزل عزيزاً في انتقامه لا يقدر على الامتناع منه أحد ( حَكِيماً ) في تدبيره وقضائه(٢١).
١ - (ج) (عرض)..
٢ - انظر: مجاز القرآن ١/١٣٠، واللسان (صلى) ١٤/٤٦٧..
٣ - معاني الزجاج ٢/٦٥..
٤ - (د): فتلقيهم..
٥ - القراطيس جمع قرطاس وهو ما يكتب فيه من ورق أو رق أو بردى أو غير ذلك، انظر: المفردات ٤١٦ واللسان قرطس ٦/١٧٢. وانظر: جامع البيان ٥/١٤٢..
٦ - جامع البيان ٥/١٤٢..
٧ - (د): وستة..
٨ - رواية الطبري سبعون. انظر: المصدر السابق..
٩ - (أ): وفكه..
١٠ - انظر: جامع البيان ٥/١٤٢..
١١ - انظر: جامع البيان ٥/١٤٢..
١٢ - الجندل الحجارة. انظر: اللسان جندل ١١/١٢٨..
١٣ - انظر: جامع البيان ٥/١٤٢. يقول المدقق: وهذه الآية من الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، إذ الثابت الآن أن الألم والشعور به إنما يكون عند رؤوس الأعصاب التي تكون تحت الجلد مباشرة فإذا احترقت لم يشعر المحترق بالألم، فإذا جدد الجلد جددت معه الأعصاب شعر المحترق بالألم، ولهذا قال تعالى: (لِيَذُوقُوا العَذَابَ)..
١٤ - ساقط من (ج)..
١٥ - انظر: جامع البيان ٥/١٤٣..
١٦ - (د): لملازمتي..
١٧ - انظر: جامع البيان ٥/١٤٣..
١٨ - السربال: القميص، والدرع، وقيل: كل ما لبس فهو سربال، انظر: اللسان (سربل) ١١/٣٣٥..
١٩ - إبراهيم آية ٥٢..
٢٠ - انظر: معاني الزجاج ٢/٦٥ والمصدر السابق..
٢١ - انظر: جامع البيان ٥/١٤٣..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى