النكت والعيون — الماوردي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِم نَاراً﴾(١) إلى قوله :﴿لِيَذُوقُوا العَذَابَ﴾ فإن قيل وكيف يجوز أن يُبدّلوا جلوداً غير جلودهم التي كانت لهم في الدنيا فيعذبوا فيها ؟ ولو جاز ذلك لجاز أن يُبدَّلوا أجساماً، وأرواحاً، غير أجسامهم وأرواحهم التي كانت في الدنيا، ولو جاز ذلك لجاز أن يكون المعذبون في الآخرة بالنار غير الذين وعدهم الله في الدنيا على كفرهم بالعذاب بالنار.
وقد أجاب أهل العلمِ عنه بثلاثة أجوبة :
أحدها : أن ألم العذاب إنما يصل إلى الإنسان الذي هو غير الجلد(٢) واللحم، وإنما يحرق الجلد ليصل إلى الإنسان ألم العذاب، فأما الجلد واللحم فلا يألمان فسواء أعيد على الكافر جلده الذي كان عليه وجلدٌ غَيْرُهُ.
والجواب الثاني : أنه تُعَادُ تلك الجلود الأولى جديدة [ غير ] محترقة.
والجواب الثالث : أن الجلود المُعادَةَ إنما هي سرابيلهم(٣) من قبل أن جعلت لهم لباساً، فسماها الله جلوداً، وأنكر قائل هذا القول أن تكون الجلود تحترق وتعاد غير محترقة، لأن في حال احتراقها إلى حال إعادتها فناءَها، وفي فنائها راحتها، وقد أخبر الله تعالى : أنهم لا يموتون ولا يخفف عنهم العذاب.
١ - بعد كلمة "نارا" كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما" وهي الآية ٥٦..
٢ - المراد أن الإثم واقع على النفوس، لأنها هي التي تحس وتعرف، ولو أراد الجلود لقال: ليذقن العذاب..
٣ - يؤيده قوله تعالى: "سرابيلهم من قطران" آية ٥٠ إبراهيم، وسميت السرابيل جلودا للزومها جلودهم على المجاورة. انظر تفسير القرطبي جـ٥ ص ٢٥٤..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى