الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري
عن الكتاب
﴿السفهاء﴾ المبذرون أموالهم الذين ينفقونها فيما لا يبنغي ولا يدى لهم بإصلاحها وتثميرها والتصرف فيها. والخطاب للأولياء : وأضاف الأموال إليهم لأنها من جنس ما يقيم به الناس معايشهم، كما قال :﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٧٩]، ﴿فمَّا مَلَكَتْ أيمانكم مّن فتياتكم المؤمنات﴾ [النساء: ٢٥] الدليل على أنه خطاب للأولياء في أموال اليتامى قوله :﴿وارزقوهم فِيهَا واكسوهم﴾، ﴿جَعَلَ الله لَكُمْ قياما﴾ أي تقومون بها وتنتعشون، ولو ضيعتموها لضعتم فكأنها في أنفسها قيامكم وانتعاشكم. وقرىء :«قيما »، بمعنى قياماً، كما جاء عوذاً بمعنى عياذاً. وقرأ عبد الله بن عمر :«قواماً »، بالواو. وقوام الشيء : ما يقام به، كقولك هو ملاك الأمر لما يملك به. وكان السلف يقولون : المال سلاح المؤمن، ولأن أترك ما لا يحاسبني الله عليه، خير من أن أحتاج إلى الناس. وعن سفيان - وكانت له بضاعة يقلبها - : لولاها لتمندل بي بنو العباس. وعن غيره - وقيل له إنها تدنيك من الدنيا - : لئن أدنتني من الدنيا لقد صانتني عنها. وكانوا يقولون : اتجروا واكتسبوا، فإنكم في زمان إذا احتاج أحدكم كان أول ما يأكل دينه، وربما رأوا رجلاً في جنازة فقالوا له : اذهب إلى دكانك ﴿وارزقوهم فِيهَا﴾ واجعلوها مكاناً لرزقهم بأن تتجروا فيها وتتربحوا، حتى تكون نفقتهم من الأرباح لا من صلب المال فلا يأكلها الإنفاق. وقيل : هو أمر لكل أحد أن لا يخرج ماله إلى أحد من السفهاء، قريب أو أجنبي، رجل أو امرأة، يعلم أنه يضعه فيما لا ينبغي ويفسده ﴿قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ قال ابن جريج : عدّة جميلة، إن صلحتم ورشدتم سلمنا إليكم أموالكم. وعن عطاء : إذا ربحت أعطيتك، وإن غنمت في غزاتي جعلت لك حظاً. وقيل : إن لم يكن ممن وجبت عليك نفقته فقل : عافانا الله وإياك، بارك الله فيك. وكل ما سكنت إليه النفس وأحبته لحسنه عقلاً أو شرعاً من قول أو عمل، فهو معروف، وما أنكرته ونفرت منه لقبحه، فهو منكر.