المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية
عن الكتاب
وقوله ﴿ولا تؤتوا السفهاء﴾ الآية، اختلف المتأولون في المراد ب ﴿السفهاء﴾، فقال ابن مسعود والسدي والضحاك والحسن وغيرهم : نزلت في ولد الرجل الصغار وامرأته، وقال سعيد بن جبير : نزلت في المحجورين «السفهاء » وقال مجاهد : نزلت في النساء خاصة، وروي عن عبد الله بن عمر أنه مرت به امرأة لها شارة فقال لها ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ الآية، وقال أبو موسى الأشعري والطبري وغيرهما : نزلت في كل من اقتضى الصفة التي شرط الله من السفه كان من كان، وقول من خصها بالنساء يضعف من جهة الجمع، فإن العرب إنما تجمع فعيلة على فعائل أو فعيلات، وقوله ﴿أموالكم﴾ يريد أموال المخاطبين، هذا قول أبي موسى الأشعري وابن عباس والحسن وقتادة، وقال سعيد بن جبير : يريد أموال «السفهاء »، وأضافها إلى المخاطبين تغبيطاً بالأموال، أي هي لهم إذا احتاجوا، كأموالكم لكم التي تقي أعراضكم، وتصونكم وتعظم أقدراكم، ومن مثل هذ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾(١) وما جرى مجراه، وقرأ الحسن بن أبي الحسن والنخعي و «اللاتي » والأموال : جمع لما لا يعقل، فالأصوب فيه قراءة الجماعة، و ﴿قيماً﴾ جمع قيمة كديمة وديم، وخطأ ذلك أبو علي وقال : هي مصدر كقيام وقوام وأصلها قوم، ولكن شذت في الرد إلى الياء كما شذ قولهم : جياد في جميع جواد، وكما قالت بنو ضبة : طويل وطيال، ونحو هذا، وقوماً وقواماً وقياماً، معناها : ثباتاً في صلاح الحال، ودواماً في ذلك، وقرأ نافع وابن عامر ﴿قيماً﴾ بغير ألف، وروي أن أبا عمرو فتح القاف من قوله : قواماً، وقياماً - كان أصله قواماً، فردت كسرة القاف الواو ياء للتناسب، ذكرها ابن مجاهد ولم ينسبها، وهي قراءة أبي عمرو والحسن، وقرأ الباقون ﴿قياماً﴾ وقرأت طائفة «قواماً » وقوله :﴿وارزقوهم فيها واكسوهم﴾ قيل : معناه : فيمن يلزم الرجل نفقته وكسوته من زوجه وبنيه الأصاغر، وقيل : في المحجورين من أموالهم، و ﴿معروفاً﴾ قيل : معناه : ادعوا لهم : بارك الله فيكم وحاطكم وصنع لكم، وقيل : معناه عدوهم وعداً حسناً، أي إن رشدتم دفعنا إليكم أموالكم، ومعنى اللفظ كل كلام تعرفه النفوس وتأنس إليه ويقتضيه الشرع.
١ - من الآية (٢٩) من سورة النساء..