الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ : فيه أوجه : أَوْجهُها : أن يتعلق ب " قل " وفيه معنيان، الأولُ : قل لهم خالياً لا يكون معهم أحد، لأنَّ ذلك أَدْعى إلى قَبول النصحية. الثاني : قل لهم في معنى أنفسهم المنطوية على النفاق قولاً يَبْلُغ بهم ما يَزْجُرهم عن العَوْدِ إلى النفاق. الثاني من الأوجهِ أَنْ يتعلَّق ب " بليغاً " أي : قولاً مؤثِّراً في قلوبِهم يغتمُّون به اغتماماً، ويستشعرون به استشعاراً، قال معناه الزمخشري، ورَدَّ عليه الشيخ بأنَّ هذا مذهبُ الكوفيين، إذ فيه تقديمُ معمولِ الصفة على الموصوف، لو قلت :" جاء زيداً رجلٌ يضربُ " لم يجز عند البصريين ؛ لأنه لا يتقدم المعمولُ إلا حيث يجوز تقديم العامل، والعامل هنا لا يجوزُ تقديمه ؛ لأن الصفة لا تتقدم على الموصوف، والكوفيون يجيزون تقديم معمولَ الصفة على الموصوف، وأمَّا قول البصريين : إنه لا يتقدم المعمول إلا حيث يتقدم العامل ففيه بحث، وذلك أنَّا وجدنا هذه القاعدة منخرمةً في قوله :
﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ٩ - ١٠] ف " اليتيم " معمول " ل " تقهر "، و " السائل " معمول ل " تنهر " وقد تقدًّما على " لا " الناهية، والعاملُ فيهما لا يجوز تقديمُه عليها إذ، المجزوم لا يتقدَّم على جازمه، فقد تقدَّم المعمول حيث لا يتقدم العامل، وكذلك قالوا في قوله :
خَرَّجوا هذا البيتَ على أنَّ في " كان " ضميرَ الشان، و " عَطِيَّةُ " مبتدأ و " عَوَّدَ " خبرُه، حتى لا يَليَ " كان " معمولُ خبرها، وهو غيرُ ظرفٍ ولا شِبْهِه، فلزمهم من ذلك تقديمُ المعمول وهو " إياهم " حيث لايتقدمَ العاملُ ؛ لأن الخبرَ متى كان فعلاً رافعاً لضمير مستتر امتنع تقديمه على المبتدأ / لئلا يلتبسَ بالفاعل نحو :" زيد ضرب عمراً " وأصلُ منشأ هذا البحث تقديمُ خبرِ " ليس " عليها، أجازه الجمهور لقوله تعالى :﴿أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ﴾ [هود: ٨] ووجه الدليلِ أنَّ " يوم " معمولٌ ل " مصروفاً "، وقد تقدَّم على " ليس " وتقديمُ المعمولِ يُؤْذِنُ بتقديم العامل، فَعُورضوا بما ذَكَرْتُ لك، وللنظر في هذا البحثِ مجالٌ ليس هذا محلَّه، وقد أتقنت ذلك في كتابي " الشرحُ الكبير : شرح تسهيل الفوائد " فعليك به. الثالث : ونُقِل عن مجاهد ولا أظنُّه يَصِحُّ عنه - أنه متلعق ب " مصيبة " فهو التقديم والتأخير، والقرآن يُنَزَّهُ عن ذلك، وإنما ذَكَرْتُه تنبيهاً على ضَعْفه.
﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ٩ - ١٠] ف " اليتيم " معمول " ل " تقهر "، و " السائل " معمول ل " تنهر " وقد تقدًّما على " لا " الناهية، والعاملُ فيهما لا يجوز تقديمُه عليها إذ، المجزوم لا يتقدَّم على جازمه، فقد تقدَّم المعمول حيث لا يتقدم العامل، وكذلك قالوا في قوله :
| قنافِذُ هَدَّاجون حولَ بيوتِهم | بما كان إيَّاها عطيَّةُ عَوَّدا |