تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يخبر تعالى عن أكثر الناس أنهم لو أمروا بما هم مرتكبونه من المناهي لما فعلوه ؛ لأن طباعهم الرديئة مجبولة على مخالفة الأمر، وهذا من علمه - تبارك وتعالى - بما لم يكن أو كان فكيف كان يكون ؛ ولهذا قال تعالى :﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾
قال ابن جرير : حدثني المثنى، حدثني إسحاق، حدثنا أبو زهير(١) عن إسماعيل، عن أبي إسحاق السبيعي، قال : لما نزلت :﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنْ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوْ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهْ إلا قَلِيلٌ [ مِنْهُمْ ](٢) الآية، قال رجل : لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا. فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال :" إن من أمتي لرجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي " (٣).
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا جعفر بن منير، حدثنا روح، حدثنا هشام، عن الحسن قال : لما نزلت هذه الآية :﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية. قال أناس من أصحاب النبي ﷺ : لو فعل ربنا لفعلنا، فبلغ النبي ﷺ فقال :" لَلإيمان(٤) أثبت في قلوب أهله من الجبال الرواسي ".
وقال السدي : افتخر ثابت بن قيس بن شَمَّاس ورجل من اليهود، فقال اليهودي : والله لقد كتب الله علينا القتل فقتلنا أنفسنا. فقال ثابت : والله لو كتب علينا :﴿أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ لقتلنا. فأنزل الله هذه الآية. رواه ابن أبي حاتم.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا محمود بن غَيْلان، حدثنا بشر بن السَّرِي، حدثنا مصعب بن ثابت، عن عمه عامر بن عبد الله بن الزبير، قال : لما نزلت [ ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ قال أبو بكر : يا رسول الله، والله لو أمرتني أن أقتل نفسي لفعلت، قال :" صدقت يا أبا بكر ".
حدثنا أبي، حدثنا محمد بن أبي عمر العَدَنيّ قال : سئل سفيان عن قوله ](٥) ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ قال : قال رسول الله ﷺ :" لو نزلت لكان ابن أم عبد منهم ".
وحدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن صفوان بن عمرو، عن شُرَيْح بن عُبَيْد قال : لما تلا رسول الله ﷺ هذه الآية :﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ مِنْهُمْ ](٦) الآية، أشار رسول الله ﷺ بيده إلى عبد الله بن رَواحة، فقال :" لو أن الله كتب ذلك لكان هذا من أولئك القليل " يعني : ابن رواحة.
ولهذا قال تعالى :﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ أي : ولو أنهم فعلوا ما يؤمرون به، وتركوا ما ينهون عنه ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ أي : من مخالفة الأمر وارتكاب النهي ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ قال السدي : أي : وأشد تصديقا.
١ في ر: "أبو الأزهر"..
٢ زيادة من أ..
٣ تفسير الطبري (٨/٥٢٦)..
٤ في أ: "الإيمان"..
٥ زيادة من أ..
٦ زيادة من أ..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى